المحاضرة الثالثة عشر

المحاضرة الثالثة عشر

مدرسة اوكسفورد

المكتسبات القبلية:

فهم اساسيات المنهج التقليدي الوصفي

استيعاب للمفاهيم اللسانية الاساسية متكلم مخاطب سياق

الاهداف التعليمية:

التمييز بين العبارة في سياقها الوصفي والانشائي

تصنيف الافعال اللغوية

الالمام باسهام كل من سيرل ويول في المدرسة اللسانية البريطانية

مقدمة:

تعتبر هذه المحاضرة مدخلاً أساسياً لفهم التحول في الفلسفة اللسانية المعاصرة؛ حيث ننتقل من دراسة "بنية اللغة" إلى دراسة "فعل الكلام". فبعد أن ظل الاعتقاد سائداً لفترة طويلة بأن وظيفة اللغة الوحيدة هي وصف العالم وتقرير الحقائق، جاءت مدرسة أكسفورد مع رائدها جون أوستن وتلميذه جون سيرل لتقلب هذه الموازين؛ مؤكدة أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن الأفكار، بل هي أداة للإنجاز والتأثير في الواقع. سنتطرق في هذا الدرس إلى كيفية تحول الكلمات من مجرد "أصوات واصفة" إلى "أفعال حقيقية" تترتب عليها حقوق وواجبات وآثار في السياق الاجتماعي، وهو ما وضع الحجر الأساس لما يعرف اليوم بـ "التداولية" (Pragmatics)..

مدرسة اوكسفورد:

 مدرسة أكسفورد، أو ما يُعرف بـ "فلسفة اللغة العادية"، تيارا فلسفي لسانيا ظهر في بريطانيا منتصف القرن العشرين، وقد ركز روادها، وفي مقدمتهم جون أوستن وجون سيرل، على دراسة اللغة في سياقها التداولي اليومي بدلاً من الصياغات المنطقية الصارمة. وقد أحدثت هذه المدرسة قطيعة مع التصور التقليدي الذي يحصر وظيفة اللغة في "الوصف" فقط، لتؤكد أن اللغة فعل إنجازي (Speech Act) يهدف إلى التأثير في المتلقي وتغيير الواقع؛ وهو التوجه الذي وجد صدى واسعاً في الدراسات اللغوية العربية المعاصرة التي أعادت قراءة التراث البلاغي والأصولي في ضوء هذه النظريات (خليفة، 2007). ويرى الباحثون العرب أن مفاهيم هذه المدرسة تتقاطع في كثير من وجوهها مع مباحث "الإنشاء" و"الخبر" في البلاغة العربية القديمة، مما جعلها جسراً معرفياً يربط بين اللسانيات الغربية والدرس اللغوي العربي (النحيلي، 2015).

نقد مدرسة اوكسفورد للتيارات التي سبقتها:

قامت مدرسة أكسفورد (أوستن وسيرل) ببناء فلسفتها على نقد جذري للتيارات اللسانية والفلسفية التي سبقتها، ويمكن تلخيص هذا النقد في النقاط المركزية التالية:

نقد "الوهم الوصفي" (Descriptive Fallacy) هاجم أوستن بشدة الاعتقاد التقليدي (الذي ساد منذ أرسطو وصولاً إلى الوضعية المنطقية) بأن الوظيفة الوحيدة والأساسية للغة هي "وصف الواقع". كان الفلاسفة يظنون أن كل جملة لا تحمل خبراً يمكن الحكم عليه بـ "الصدق" أو "الكذب" هي جملة "بلا معنى" أو مجرد انفعال، وهو ما اعتبره أوستن قصوراً في فهم طبيعة اللغة (أوستن، 1991).

نقد النزعة المنطقية الصارمة انتقدت مدرسة أكسفورد محاولات "فيتجنشتاين المبكر" و"راسل" في حصر اللغة في قوالب منطقية رياضية. رأى أوستن وسيرل أن اللغة العادية (Ordinary Language) أغنى وأعقد من المنطق الصوري، وأن محاولة "تنظيف" اللغة من شوائبها اليومية تجعلها تفقد وظيفتها التواصلية الحقيقية (سيرل، 1989).

نقد إهمال "السياق" و"المتكلم" عابت هذه المدرسة على اللسانيات البنيوية (مثل منهج سوسير) تركيزها المفرط على "اللغة كنسق مجرد" وإهمالها لـ "الكلام كحدث". بالنسبة لأكسفورد، لا يمكن فهم معنى الجملة بمعزل عن نية المتكلم (Intention) والظروف المحيطة بالقول، فالكلمة لا "تعني" بذاتها فقط، بل بما "يفعله" المتكلم بها (الصحراوي، 2005).

الفرضيات الأساسية لمدرسة اوكسفورد:

تبنت مدرسة أكسفورد (أوستن وسيرل) مجموعة من الفرضيات الجوهرية التي شكلت قطيعة مع الدرس اللساني التقليدي، ويمكن إجمالها في النقاط الآتية:

فرضية "اللغة فعل" (Speech as Action):

لفرضية الأساسية هي أن النطق باللغة ليس مجرد نشاط ذهني أو وصف للعالم، بل هو سلوك اجتماعي وإنجازي. فحين يتكلم المرء، هو "يفعل" شيئاً (يعد، يأمر، يعمّد، يطلق حكماً)، وبالتالي فإن وحدة التواصل اللغوي ليست الجملة بل "الفعل اللغوي" (سيرل، 1989).

فرضية "كفاية اللغة العادية" (Ordinary Language Adequacy):

على خلاف المناطقة الذين رأوا في اللغة اليومية أداة غامضة تحتاج لتقويم منطقي، افترضت هذه المدرسة أن اللغة الطبيعية كافية بذاتها، وأن معاني الكلمات تتحدد من خلال استعمالها في السياقات الحياتية وليس من خلال تعريفاتها المعجمية الجامدة (أوستن، 1991).

فرضية "القاعدية والسياق" (Constitutive Rules):

الافتراض بأن الأفعال اللغوية لا تحدث صدفة، بل تحكمها قواعد مؤسِّسة. فكما أن "الشطرنج" لا يقوم إلا بقواعده، فإن "الوعد" أو "الاعتذار" لا يتحقق إلا بتوفر شروط سياقية واجتماعية محددة تمنح الكلام قوته الإنجازية.

فرضية "القصدية" (Intentionality)

يفترض سيرل (Searle) أن الفعل اللغوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ قصد المتكلم؛ فاللغة تعبير عن حالات ذهنية مقصودة. لكي يكون القول فعلاً، يجب أن يتوفر "قصد" لدى المتكلم و"اعتراف" بهذا القصد لدى المستمع (المتوكل، 2005).

خلاصة القول:

على الرغم من انجازات مدرسة أكسفورد وأهمها نقل اللسانيات من "بنية اللغة" إلى "فعل الكلام"، إلا أنها واجهت انتقادات جوهرية من تيارات فلسفية ولسانية لاحقة، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

الإغراق في "القصدية" (Intention) انتقد جاك دريدا (Derrida) تركيز أوستن وسيرل المفرط على "نية المتكلم" كمعيار لنجاح الفعل اللغوي

إهمال البعد الاجتماعي والمؤسساتي

ضبابية المعايير او ما يعرف بشروط النجاح.

نزوعها الغربي؛ إذ يرى بعض الباحثين العرب أن النظرية صيغت بناءً على تراكيب اللغة الإنجليزية.

المراجع:

أوستن، جون. (1991). كيف نفعل أشياء بالكلمات (ترجمة عبد القادر قنيني). الدار البيضاء، المغرب: دار أفريقيا الشرق

سيرل، جون. (1989). الأفعال اللغوية: بحث في فلسفة اللغة (ترجمة معتز سيد عبد الله). القاهرة، مصر: دار القلم للنشر والتوزيع.

سيرل، جون. (2007). العقل واللغة والمجتمع (ترجمة سعيد الغانمي). بيروت، لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون.

الصحراوي، مسعود. (2005). التداولية عند العلماء العرب: دراسة تداولية لظاهرة "الأفعال اللغوية" في التراث اللساني العربي. بيروت، لبنان: دار الطليعة للطباعة والنشر.

المتوكل، أحمد. (2005). المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي: الأصول والامتداد. الجزائر، الجزائر: منشورات الاختلاف.

طه، عبد الرحمن. (1970). اللغة والمنطق: دراسة في الركائز المنطقية للغة. الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.