المحاضرة الثانية عشر: الوظيفية الامريكية سيمون ديك/المتوكل
الوظيفية الامريكية سيمون ديك/المتوكل
الوظيفية الامريكية سيمون ديك/المتوكل
المحاضرة الثانية عشر
الوظيفية الامريكية سيمون ديك/المتوكل
المكتسبات القبلية:
مفهوم الوظيفية: التفريق بين النظرة الصورية والتواصلية.
النحو التوليدي التحويلي
مبادئ التداولية: معرفة أن المعنى لا يكتمل إلا داخل سياق
الأهداف التعلمية:
تحديد بنية الجملة
استيعاب الأدوار الدلالية
تطبيق القواعد الوظيفية
مقدمة:
تجلّى التحول الجوهري في اللسانيات حين انتقل الاهتمام من اعتبار اللغة نظاماً صورياً مغلقاً إلى كونها أداة للتواصل الاجتماعي؛ فبعد أن عجزت البنيوية والمقاربات الصورية عن تفسير كيفية استعمال اللغة في سياقاتها الحية، واكتفت بوصف القواعد الهيكلية الجامدة، ظهرت المدرسة الوظيفية لتردم هذه الفجوة. لقد أدرك الوظيفيون، وعلى رأسهم سيمون ديك، أن حاجة الإنسان للتفاعل هي التي تشكل بنية اللغة وتوجهها، مما جعل "الوظيفة التواصلية" هي المحدد الأول للقوانين النحوية والدلالية، وبناءً على هذا التصور الجديد، لم يعد التحليل اللغوي حبيس البنى التجريدية، بل أصبح يهتم بكيفية تحقيق المقاصد ونقل المعاني بين المتكلم والمخاطب، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى أن ينتقل البحث من "نحو الجملة" المعزولة إلى "نحو التواصل" الحي.
المدرسة الوظيفية:
عرف المدرسة الوظيفية (أو التوجه الوظيفي) بأنها ذلك الاتجاه اللساني الذي ينظر إلى اللغة بوصفها أداة للتواصل الاجتماعي في المقام الأول، وليست مجرد نظام تجريدي من القواعد الصورية المنغلقة على ذاتها. وينطلق هذا التوجه من مبدأ جوهري مفاده أن "الوظيفة هي التي تشكل البنية"؛ أي أن احتياجات التواصل البشري هي المحرك الأساسي الذي يفرض على اللغة اتخاذ نُظمها وهياكلها المعينة (Dik, 1997). وبخلاف المقاربات البنيوية التي عجزت عن تفسير كيفية استعمال اللغة في سياقاتها الحية، يركز التوجه الوظيفي على النشاط اللغوي المحكوم بقواعد تداولية واجتماعية تهدف إلى نقل المقاصد بين المتكلم والمخاطب ضمن موقف تواصل محدد (Halliday, 1985). وبناءً عليه، فإن هذه المقاربة لا تكتفي بتحليل صحة الجملة نحوياً، بل تسعى لتفسير النظام اللغوي من خلال القدرة التواصلية لمستعملي اللغة، دامجةً بين المستويات النحوية والدلالية والتداولية في إطار كلي شامل (Martinet, 1960).
سيمون ديك معماري الوظيفية:
يُعد اللساني الهولندي سيمون ديك (Simon Dik, 1940-1995) المعماري الحقيقي لـ "النحو الوظيفي" (Functional Grammar)، وهو النموذج الذي سعى من خلاله إلى تقديم بديل متكامل للنظريات الصورية (خاصة التوليدية).
أهم ملامح تعريفه ودوره التأسيسي:
مؤسس التيار المعياري: قاد ديك "المدرسة الوظيفية الهولندية" (مدرسة أمستردام)، وصاغ نظريته في كتابه العمدة "The Theory of Functional Grammar"، حيث وضع الأسس الرياضية والمنطقية لتحليل اللغة وظيفياً.
تجاوز الثنائيات التقليدية: تميز ديك برفضه الفصل الحاد بين (النحو) و(الدلالة) و(التداولية)؛ ففي نظره، النحو ليس "مستقلاً" بل هو خادم للمعنى والهدف التواصلي.
صاحب نظرية الطبقات: طوّر تصوراً هندسياً للجملة يبدأ من "النواة" (الحمل) وصولاً إلى "الطبقة التداولية" التي تشمل المتكلم والمخاطب، مما جعل نظريته أكثر قدرة على تحليل اللغات العالمية المختلفة.
منظّر "الكفايات": لم يكتفِ ديك بوصف اللغة، بل وضع شروطاً صارمة للنظرية اللسانية الناجحة، وهي أن تكون ذات كفاية نمطية (تفسر كل اللغات)، وكفاية نفسية (تشبه طريقة عمل العقل)، وكفاية براغماتية (تفسر التواصل الحقيقي).
بفضل سيمون ديك، انتقلت الوظيفية من مجرد "ملاحظات عامة" عن أهمية التواصل إلى نظام علمي دقيق ينافس النحو التوليدي في انضباطه وتماسكه.
الفرضيات الأساسية للنحو الوظيفي:
تنبني نظرية النحو الوظيفي عند سيمون ديك على مجموعة من الفرضيات الجوهرية التي تميزها عن النظريات الصورية، وتجعلها تركز على "اللغة في حالة الاستعمال".
أبرز هذه الفرضيات:
أولوية التواصل (Priority of Communication): اللغة ليست ملكة ذهنية معزولة، بل هي أداة للتفاعل الاجتماعي. لذا، فإن الغرض من التواصل هو الذي يحدد ويشكل القواعد النحوية، وليس العكس. دمج التداولية (Integration of Pragmatics): الفرضية الأساسية هنا هي أن التداولية (سياق الكلام، مقاصد المتكلم، معرفة المخاطب) هي الإطار الشامل الذي يحيط بالنحو والدلالة. فلا يمكن تحليل الجملة بمعزل عن محيطها التواصلي
. العلاقة بين الوظيفة والبنية: يرى ديك أن البنى اللغوية ليست عشوائية، بل هي "محكومة وظيفياً". أي أن ترتيب الكلمات واختيار الصيغ الصرفية يخدمان أهدافاً تواصلية محددة (مثل التركيز على معلومة جديدة أو إبراز المبتدأ)
القدرة التواصلية (Communicative Competence): الهدف من النظرية ليس وصف "القدرة اللغوية" التجريدية (كما عند تشومسكي)، بل وصف قدرة المتكلم على إنشاء وحدات لغوية ملائمة للموقف الاجتماعي والتفاعلي.
الواقعية النفسية والنمطية: يفترض ديك أن النحو الوظيفي يجب أن يكون متوافقاً مع كيفية معالجة العقل البشري للغة (كفاية نفسية)، وأن يكون صالحاً للتطبيق على جميع اللغات البشرية مهما اختلفت تراكيبها (كفاية نمطية)
باختصار: النحو الوظيفي يفترض أن اللغة "كائن اجتماعي" يتشكل هيكله بناءً على احتياجات البشر في تبادل المعلومات.
الوظيفية كبديل للنحو التوليدي في الوطن العربي:
دخل المتوكل الساحة اللسانية في وقت كانت فيه الهيمنة للنظرية التوليدية (تشومسكي). قدم المتوكل النحو الوظيفي كبديل أكثر ملاءمة للغة العربية، لأن العربية لغة "تداولية" بامتياز، تعتمد على التقديم والتأخير والذكر والحذف لأغراض معنوية وسياقية، وهو ما تبرع الوظيفية في تفسيره.
يعد الدكتور أحمد المتوكل الرائد الذي نقل النحو الوظيفي من فضاء "سيمون ديك" الأوروبي إلى رحاب اللغة العربية، محولاً إياه من مجرد نظرية لسانية إلى مشروع "تبيئة" معرفية متكامل. فقد انطلق المتوكل من فرضية أن اللغة العربية لغة "تداولية" بامتياز، مما جعله يجد تقاطعات عميقة بين أطروحات المدرسة الوظيفية الحديثة وبين التراث البلاغي العربي، لا سيما "نظرية النظم" عند عبد القاهر الجرجاني ومفهوم "مقتضى الحال". ولم يكتفِ المتوكل بالترديد، بل طوّر النموذج الوظيفي ليتلاءم مع خصوصيات الضاد، مركّزاً على كيفية توزيع الوظائف التداولية (كالبؤرة والمبتدأ والذيل) داخل البنية المسندة، مبرهناً على أن ترتيب الكلمات في الجملة العربية ليس عشوائياً، بل هو استجابة دقيقة لمتطلبات السياق وقصد المتكلم، وبذلك نقل البحث اللساني العربي من التوصيف الصوري الجامد إلى تحليل الخطاب في ضوء نجاعته التواصلية.
خلاصة القول:
انتقلت اللسانيات مع سيمون ديك من دراسة اللغة كنظام صوري مغلق إلى اعتبارها أداة للتواصل الاجتماعي، حيث الوظيفة هي التي تحدد البنية. تقوم هذه المدرسة على فرضية أن النحو ليس مستقلاً، بل هو خادم للأغراض التداولية والدلالية، ولن تكون النظرية اللسانية ناجحة إلا إذا حققت الكفايات الثلاث: (النمطية، النفسية، والتداولية). وفي السياق العربي، برز أحمد المتوكل كمنظر ومجدد، حيث قام بـ "تبيئة" هذا النموذج وربطه بالتراث البلاغي (نظرية النظم)، مبرهناً على أن نظام الجملة العربية (من تقديم وتأخير وحذف) محكوم بقواعد تداولية تهدف إلى تحقيق أقصى درجات النجاعة التواصلية.
مراجع المحاضرة:
المتوكل، أحمد. (1985). الوظائف التداولية في اللغة العربية. دار الثقافة.
المتوكل، أحمد. (1989). دراسات في نحو اللغة العربية الوظيفي. دار الثقافة.
لمتوكل، أحمد. (2001). الوظيفية بين الكلية والنمطية. دار الأمان
المتوكل، أحمد. (2005). المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي