التعليمية وعلوم التربية

المحاضرة الرابعة

التعليمية وعلوم التربية

المكتسبات القبلية:

1.   الإلمام بالفروق الأساسية بين مفاهيم التعليم، التعلم، والتدريس التي تم تناولها في المحاضرات التأسيسية الأولى.

2.   استيعاب المبادئ العامة لنظريات التعلم (كالسلوكية والبنائية) لربط الجانب النظري بالممارسة التعليمية

3.   معرفة أولية بتطور الفكر التربوي بوصفه ظاهرة اجتماعية تختلف باختلاف البيئات الثقافية

الأهداف التعليمية:

1.   أن يفرق الطالب بدقة بين مجال "علوم التربية" كإطار شمولي يدرس الغايات والتنشئة، ومجال "التعليمية" (Didactics) كعلم متخصص يركز على مفصلة المعرفة ونقلها

2.   تحديد تقاطعاتهما في الممارسة الصفية

3.   أن يربط الطالب بين المفاهيم النظرية للتربية وسيرورة "النقل الديدكتيكي"، معللاً كيف تتحول الغايات التربوية الكبرى إلى محتويات تعليمية قابلة للتدريس.


 

مقدمة:

تعد التربية ظاهرة إنسانية واجتماعية بالغة التعقيد، فهي المحرك الأساسي لتشكيل الكيان البشري وتوجيه مساراته الحضارية عبر العصور. ولا يمكن فهم "التعليمية" (Didactics) كعلم متخصص في نقل المعارف دون العودة إلى الجذور الفلسفية والمفاهيمية لمصطلح "التربية" في أبعاده اللغوية والاصطلاحية، باعتباره المظلة الكبرى التي تستمد منها الممارسات البيداغوجية مشروعيتها (الفارابي، 2007). فبينما ركز الفكر العربي القديم على أبعاد التزكية، والنمو، والملكة، اتجه الفكر الغربي المعاصر نحو مأسسة التربية كعملية تنشئة اجتماعية وإعادة بناء مستمر للخبرة الإنسانية (Dewey, 1916). إن هذه المحاضرة تسعى إلى رصد هذا التطور الدلالي، محاولةً الإجابة عن التساؤل الجوهري: كيف ساهمت التباينات التعريفية بين الشرق والغرب في صياغة الرؤى الحديثة لعلوم التربية، وكيف انعكس ذلك على علاقة المعلم بالمتعلم والمعرفة؟

الدلالة اللغوية لمفهوم التربية:

 تضرب جذور التربية في اللغة العربية عميقاً لتشمل أبعاد النمو والرعاية؛ فهي مشتقة من الفعل (ربا) بمعنى زاد ونما، ومن (ربِيَ) بمعنى نشأ وترعرع، وكذا من (ربَّ) بمعنى أصلح الشيء وساسه وقام على أمره (ابن منظور، 1994). أما في الاشتقاق الغربي، فنجد كلمة (Education) تعود لأصلين لاتينيين: الأول (Educare) ويحمل معنى التغذية والرعاية الجسمانية، والثاني (Educere) ويشير إلى الدفع للخارج واستخراج الطاقات الكامنة لدى الفرد (Craft, 2001). وبذلك يلتقي الاشتقاقان العربي والغربي عند فكرة جوهرية هي الانتقال بالذات من حالة القوة والكمون إلى حالة الفعل والتمام.

مفهوم التربية في الفكر العربي (اصطلاحاً):

 انتقل المفهوم الاصطلاحي للتربية في التراث العربي من الرعاية الحسية إلى التزكية النفسية والعقلية؛ حيث يرى الإمام الغزالي (2005) أن التربية هي فعل يشبه عمل الفلاح الذي يقتلع الأشواك ويرعى النبات ليبلغ كماله، فهي عملية "تهذيب للنفس" تهدف إلى غرس الفضائل وتطهير الأخلاق. وفي منحى سوسيولوجي، اعتبرها ابن خلدون (2004) صناعة تهدف إلى إكساب المتعلم "ملكات" فكرية وعملية تمكنه من الاندماج في العمران البشري، مشدداً على أن هذه العملية هي التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات عبر اكتساب العادات والعلوم الضرورية لاستمرار المجتمع.

مفهوم التربية في الفكر الغربي (اصطلاحاً):

 تعددت الرؤى الغربية للتربية تماشياً مع المدارس الفلسفية، فقد صبغها "إيمانويل كانط" (Kant, 1900) بصبغة أخلاقية صارمة، معتبراً إياها السبيل الوحيد لتحويل الكائن من حالته الطبيعية الخام إلى كائن عاقل يمتلك كماله الإنساني. ومن منظور اجتماعي، أخرجها "إميل دوركايم" (Durkheim, 1956) من حيز الفردية لتصبح "تنشئة اجتماعية" تهدف إلى خلق "الكائن الاجتماعي" القادر على الامتثال لقيم الجماعة. بينما أحدث "جون ديوي" (Dewey, 1916) ثورة مفاهيمية باعتبار التربية "عملية نمو مستمرة" وإعادة بناء دائمة للخبرة، فهي ليست مجرد إعداد للحياة المستقبلية، بل هي الحياة ذاتها في تفاعلها المستمر بين الفرد وبيئته.

علوم التربية المجال:

تُعد علوم التربية منظومة معرفية متكاملة تهدف إلى دراسة الظاهرة التربوية في مختلف أبعادها النفسية، والاجتماعية، والفلسفية، والتاريخية؛ فهي لا تقتصر على تقديم وصف للعملية التعليمية، بل تسعى إلى فهم وتحليل القوانين التي تحكم تفاعل الفرد مع محيطه بغرض إعداده للحياة (الفارابي، 2007). وتتمحور أهدافها الكبرى حول تحقيق التنشئة الاجتماعية الشاملة، وتطوير ملكات الفرد الفكرية والأخلاقية، إضافة إلى عقلنة الممارسات البيداغوجية وتطوير النظم التعليمية بما يستجيب لمتطلبات العصر (Mialaret, 2017). وبذلك، فإن علوم التربية تضع الإطار النظري والشمولي الذي يحدد "لماذا نربي؟"، تاركةً للتعليمية (الديدكتيك) مهمة الإجابة عن "كيف نعلّم مادة محددة؟".

التمايز الإبستمولوجي بين الديدكتيك وعلوم التربية:

 يتمثل الفرق الجوهري بين علوم التربية والديدكتيك في زاوية المعالجة ونطاق الاشتغال؛ فبينما تُعنى علوم التربية بدراسة الظاهرة التربوية في كليتها وشموليتها، مركزةً على الغايات الكبرى والتنشئة الاجتماعية وأبعاد علم النفس والاجتماع التربوي (Mialaret, 2017)، نجد أن الديدكتيك يركز على "المقاس الدقيق" للعملية التعليمية. فإذا كانت علوم التربية تجيب عن سؤال: "لماذا نربي؟"، فإن الديدكتيك ينحصر اهتمامه في "إشكالية نقل المعرفة" عبر المثلث الديدكتيكي، وكيفية تحويل المحتوى العلمي إلى مادة قابلة للتعلم (Chevallard, 1991). وبناءً على هذا، يمكن اعتبار علوم التربية بمثابة الفضاء النظري الرحب الذي يدرس الإنسان في شموليته، بينما يمثل الديدكتيك المختبر الإجرائي الذي يفحص آليات اشتغال المعرفة داخل الفصل الدراسي؛ وهو ما يبرز تكامل العلاقة بينهما، حيث توفر علوم التربية الأطر الفلسفية والاجتماعية، بينما يضمن الديدكتيك نجاعة الفعل التعليمي وصحته العلمية.

والجدول التالي يحصر الاختلافات بين المجالين:

وجه المقارنة

علوم التربية

التعليمية

مجال التركيز

دراسة الظاهرة التربوية في كليتها

دراسة سيرورة نقل "المعرفة" وبنائها داخل الفصل.

السؤال الجوهري

لماذا نربي؟ وما هي غايات المجتمع من التربية؟

كيف نعلّم؟ وكيف تتحول المعرفة إلى مادة قابلة للتعلم؟

القطب المحوري

المتعلم في سياقه (النفسي، الاجتماعي، القيمي)

المحتوى المعرفي وعلاقته بالمتعلم والمدرس.

الشمولية

علم شمولي (Macro) يستعير أدواته من علم الاجتماع والنفس.

علم تخصصي (Micro) يرتبط غالباً بالمادة المدرسة.

 

ظهر من خلال هذه المقارنة أن العلاقة بين المجالين ليست علاقة تضاد، بل هي علاقة تداخل واحتواء؛ فعلوم التربية توفر الأطر الفلسفية والاجتماعية العامة (الفارابي وآخرون، 1994)، بينما يشتغل الديدكتيك كآلية إجرائية لفحص التفاعلات المعرفية داخل المثلث الديدكتيكي (Canselier, 2019). وهذا يعني أن المدرس الناجح هو من يمتلك رؤية "تربوية" واسعة لفهم خلفيات تلاميذه، وقدرة "ديداكتيكية" دقيقة لتبسيط المعارف العلمية دون المساس بجوهرها.

أوجه الائتلاف بين المجالين:

تتجلى أوجه الائتلاف بين علوم التربية والتعليمية (الديداكتيك) في كونهما يشتركان في غاية أسمى وهي تطوير الفعل الإنساني وتحسين جودة المخرجات التعليمية، حيث يتخذ كلاهما من "المدرسة" فضاءً حيوياً للاشتغال ومن "المتعلم" مركزاً للاهتمام والارتقاء (Mialaret, 2017). فهما يلتقيان في نقطة التماس بين النظري والتطبيقي؛ إذ توفر علوم التربية العدة المفاهيمية والخلفيات السيكولوجية والاجتماعية التي يحتاجها الديداكتيك لفهم طبيعة الجمهور المستهدف، بينما يمنح الديداكتيك لعلوم التربية صبغة إجرائية ملموسة تخرجها من حيز التجريد إلى واقع الممارسة الصفية (الفارابي وآخرون، 1994). وبناءً على هذا التكامل، لا يمكن فصل المسار التربوي عن المسار التعليمي، إذ يمثلان وحدة عضوية تهدف إلى بناء شخصية المتعلم معرفياً وقيمياً في آن واحد؛ فالتربية تمنح المعنى والغاية، والتعليمية تمنح الأداة والمنهج، مما يجعل الفصل بينهما فصلاً نظرياً لا يستقيم في واقع الممارسة المهنية.


خلاصة القول:

في ختام هذه المحاضرة، نخلص إلى أن العلاقة بين علوم التربية والتعليمية هي علاقة "تكامل عضوي" لا انفصال فيها؛ فبينما تمنحنا علوم التربية الرؤية الفلسفية والسياق الاجتماعي والنفسي لفهم المتعلم (Mialaret, 2017)، يوفر لنا الديداكتيك الأدوات المنهجية الدقيقة لتبسيط المعرفة ونقلها بكفاءة (Chevallard, 1991). إن نجاح الفعل التعليمي رهين بقدرة المدرس على الموازنة بين هذه "الغايات الكبرى" و"الآليات الإجرائية"، فبدون تربية يظل التعليم تقنياً جافاً، وبدون تعليمية تظل التربية تنظيراً بعيداً عن الممارسة. وبناءً عليه، يظل هدفنا الأسمى هو تكوين أستاذ باحث يمتلك العمق التربوي والدقة الديداكتيكية في آن واحد، لضمان بناء مجتمع المعرفة والقيم.

 

المصادر والمراجع:

أ‌.      العربية:

1.     ابن خلدون، ع. (2004). مقدمة ابن خلدون (ط. 1). دار يعرب.

2.     ابن منظور، م. (1994). لسان العرب. دار صادر.

3.     لبدوي، ع. (2010). بيداغوجيا الخطأ: نحو مقاربة تربوية لتعلم فعال. دار الفكر العربي

4.     الدريج، م. (2004). تحليل العملية التعليمية: مدخل لتدريس هادف. منشورات سلسلة المعرفة التربوية.

5.     الغزالي، أ. (2005). إحياء علوم الدين. دار المنهاج.

6.     لفارابي، ع.، وأيت الحيد، م.، والمؤذن، م.، والسكاكي، م. (1994). معجم علوم التربية: مصطلحات البيداغوجيا والديدكتيك. مطبعة النجاح الجديدة.

 

ب.الاجنبية:

Brousseau, G. (1998). Théorie des situations didactiques. La Pensée Sauvage

Chevallard, Y. (1991). La transposition didactique: Du savoir savant au savoir enseigné. La Pensée Sauvage.

 Dewey, J. (1916). Democracy and Education: An introduction to the philosophy of education. Macmillan. Durkheim, É. (1956). Education and Sociology (S. D. Fox, Trans.).

Free Press. Houssaye, J. (2014). Le triangle pédagogique: Les différentes facettes de la pédagogie. ESF Sciences humaines. Kant, I. (1900).

 Kant on Education (A. Churton, Trans.). D.C. Heath & Co. Mialaret, G. (2017). Les sciences de l'éducation (12e éd.). Presses Universitaires de France