الحصة الثالثة: التعليم والتعلم
التعليم والتعلم
المكتسبات القبلية:
قبل الانطلاق، نحدد ما يجب أن يمتلكه المتعلم من معارف سابقة ليبني عليها المعطيات الجديدة: المفاهيم القاعدية: تمييز المتعلم بين "المدرس" و"التلميذ" و"المادة الدراسية" (عناصر المثلث الديداكتيكي) التمثلات: معرفة المتعلم الأولية بأن التعلم ليس مجرد "حفظ"، بل هو "تغيير وتطوير.
الأهداف:
هدف معرفي: أن يُعرف المتعلم مفهومي التعليم والتعلم بدقة.
هدف تحليلي: أن يميز بين أدوار المدرس (التعليم) وأدوار المتعلم (التعلم).
هدف تركيبي: أن يربط بين فعل التعليم ونجاعة فعل التعلم في وضعية ديداكتيكية.

مقدمة:
تعد العملية التعليمية التعلمية القطب الأساس في الممارسة الديداكتيكية، حيث تتداخل فيها الأدوار بين المدرس والمتعلم لتحقيق غايات تربوية محددة. فإذا كان التعليم يمثل مجموع الأفعال المهنية والطرائق التي يعتمدها المدرس لتيسير الوصول إلى المعرفة، فإن التعلم هو تلك السيرورة الذهنية والنشاط الذاتي الذي يبذله المتعلم لإعادة بناء معارفه وتملك كفاياته. وتبرز الإشكالية الجوهرية هنا في كيفية إيجاد توازن فعال بين فعل التعليم وفعل التعلم، بما يضمن تجاوز التلقين السلبي نحو بناء تعلمات ذاتية ومعنى حقيقي داخل الفضاء الديداكتيكي.
التعليم:
تعدد الزوايا النظرية التي قاربت مفهوم التعليم، حيث يبرز في الأدبيات التربوية كفعل يتأرجح بين الإلقاء والتيسير. فمن منظور إجرائي كلاسيكي، يُعرف التعليم بأنه "عملية نقل المعلومات والحقائق من المدرس إلى المتعلم، بهدف إكسابه معارف ومفاهيم جديدة" . وفي مقابل هذا الطرح، نجد تعريفاً أكثر حداثة يميل نحو المقاربة الوظيفية، حيث يُنظر للتعليم باعتباره "جملة من الإجراءات والأنشطة التي يقوم بها المعلم، والتي يقصد بها مساعدة التلاميذ على بلوغ أهداف تربوية محددة" . بينما تذهب بعض الاتجاهات الديداكتيكية إلى تعميق البُعد التفاعلي، فتُعرف التعليم بكونه "عملية تواصلية تهدف إلى خلق بيئة تعليمية تيسر للمتعلم بناء معارفه الخاصة، وليس مجرد استلامها" . ومن خلال هذا التباين، يظهر أن التعليم انتقل دلالياً من "فعل التلقين" الذي يركز على المحتوى، إلى "فعل الوساطة" الذي يركز على تيسير عملية الاكتساب.
تتسم الحدود الفاصلة بين مصطلح التعليم والمفاهيم المجاورة له بنوع من التداخل والالتباس الدلالي في الممارسة التربوية، وهو ما يستوجب فك الارتباط المفهومي بينها بدقة أكاديمية. فبينما تُشير التربية إلى تلك السيرورة الشمولية التي تستهدف "تنمية الشخصية الإنسانية في مختلف جوانبها الجسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية" ، نجد أن التعليم يضيق عنها ليركز على الجانب المعرفي والمهاري. ويزداد هذا الالتباس عند استحضار مصطلح التدريس، الذي يُخلط بينه وبين التعليم باستمرار؛ غير أن التدريس يمثل "الجانب الإجرائي المنظم والمخطط له داخل المؤسسة التعليمية، والذي يسعى لتحقيق أهداف سلوكية محددة في زمن ومكان معينين" . . وبذلك، يبرز التعليم كحلقة وصل وسيطة؛ فهو أضيق من التربية لكونه يركز على المحتوى التعليمي، وأوسع من التدريس لكونه قد يحدث في سياقات غير نظامية وغير مقيدة بضوابط الفصل الدراسي .
ويمكن تلخيص ابرز الاختلافات في الجدول التالي:[1]
|
المفهوم |
المدى المفهومي |
السياق |
|
التربية |
شمولي (قيمي/اجتماعي) |
مجتمعي عام |
|
التعليم |
وسيط (معرفي/مهاري) |
عام أو نظامي |
|
التدريس |
خاص (إجرائي/تقني) |
مؤسساتي (صفّي) |
تأسيساً على ما سبق، يمكن استخلاص أن العلاقة بين التربية والتعليم والتدريس هي علاقة تضمن واحتواء محكومة بمنطق "الكل والجزء"، حيث تمثل التربية المظلة الكبرى والسيرورة الشمولية المستمرة التي تهدف إلى بناء الشخصية الإنسانية في أبعادها القيمية والاجتماعية . وينبثق عنها التعليم كنشاط معرفي مقصود يتسم بنوع من التخصيص لكنه يظل مرناً في سياقاته، وصولاً إلى التدريس الذي يعد النواة الإجرائية الأكثر دقة وقصدية؛ لكونه فعلاً مؤسساتياً "مخططاً ومنظماً ومنوطاً بتحقيق نواتج تعلم محددة ضمن زمن مدرسي ومنهاج تعليمي" (. وبهذا، يتحدد دور المدرس ديداكتيكياً في كونه ممارساً يجمع بين هذه المستويات الثلاثة؛ فهو مدرس بقدرته على هندسة الوضعيات الصفية، ومعلم بنقله للمكتسبات المعرفية والمهارية، ومربٍ بكونه فاعلاً في ترسيخ القيم والتمثلات . ومن ثم، فإن نجاعة الفعل الديداكتيكي تظل رهينة بمدى قدرة المدرس على تحويل الغايات التربوية الكبرى إلى ممارسات تدريسية إجرائية داخل الفصل الدراسي.

التعلم:
يُعد التعلم القطب الجوهري في المثلث الديداكتيكي، وهو السيرورة التي تعطي لعملية التدريس معناها وغايتها. وتتعدد المقاربات النظرية في تعريفه؛ فبينما يراه الاتجاه السلوكي الكلاسيكي بمثابة "تعديل شبه دائم في سلوك الفرد يظهر نتيجة للتدريب أو الخبرة" )، تذهب المقاربات السيكو-تربوية الحديثة إلى اعتباره "نشاطاً ذاتياً يقوم به المتعلم لإعادة بناء معارفه وتملك مهارات جديدة من خلال التفاعل مع البيئة التعليمية" .
ومن زاوية ديداكتيكية إجرائية، يتحدد التعلم بكونه "مسلسلاً داخلياً يتمظهر في قدرة الذات المتعلمة على تجاوز عوائقها المعرفية وبناء كفايات قابلة للتحويل إلى وضعيات جديدة" . وعليه، فإن التعلم لا يتوقف عند حدود تراكم المعلومات أو تخزينها، بل هو فعل "تغيير" يمس البنية الذهنية والوجدانية للمتعلم؛ وبناءً عليه، يصبح دور المدرس ديداكتيكياً ليس "تحفيظ" المعرفة، بل خلق الشروط السيكولوجية والديداكتيكية التي تسمح للمتعلم بالانتقال من حالة "عدم المعرفة" إلى حالة "القدرة على الفعل"، مما يجعل من التعلم سيرورة بناء مستمرة لا مجرد نتاج سلبي لعملية التعليم.
شروط التعلم:
النضج (Maturation): ويُقصد به وصول الأجهزة البيولوجية والوظائف العقلية للمتعلم إلى مستوى يسمح له بالقيام بمهمة محددة . ؛ وهذا يفرض ديداكتيكياً ضرورة احترام التسلسل النمائي، فلا يمكن تدريس المفاهيم المجردة لمن لا يزال في مرحلة العمليات المحسوسة، تجنباً لإحداث هوة بين القدرة والمطلب التعليمي.
الدافعية (Motivation): هي حالة داخلية توترية تدفع المتعلم نحو بذل الجهد لتحقيق هدف معين ؛ ومن هنا يبرز دور المدرس في إضفاء المعنى على التعلمات، فبدون إثارة رغبة المتعلم واهتمامه يظل الفعل التعليمي نشاطاً آلياً لا ينتج معرفة مستدامة.
لممارسة والخبرة: وتعني إتاحة الفرص المتكررة للمتعلم لتطبيق ما اكتسبه في وضعيات مختلفة ؛ والتعقيب هنا أن التعلم لا يترسخ بمجرد الفهم النظري، بل بـ التوظيف الإجرائي الذي ينقل المعرفة من "الذاكرة القصيرة" إلى "الكفاية الفعلية.
عوائق التعلم:
لعائق الإبستمولوجي: يرتبط بطبيعة المعرفة ذاتها وصعوبتها أو بالتمثلات الخاطئة السابقة لدى المتعلم ؛ وهذا يقتضي من المدرس ممارسة الخلخلة المعرفية، أي وضع المتعلم في وضعية تُظهر قصور تمثلاته السابقة، مما يدفعه لبناء معرفة علمية أكثر دقة.
العائق الديداكتيكي: ينتج عن سوء اختيار المدرس للطرائق أو الوسائل أو أساليب التدرج في تقديم المادة .؛ والتحليل هنا يشير إلى أن الخطأ قد لا يكون في المتعلم بل في الاستراتيجية التدريسية، مما يحمل المدرس مسؤولية نقد ممارساته وتكييفها مع خصوصيات جماعة الفصل.
العائق السيكو-تكويني: يرتبط بمحدودية القدرات الذهنية للمتعلم في مرحلة عمرية معينة ؛ وتعقيباً على ذلك، فإن تجاوز هذا العائق يتطلب اعتماد البيداغوجيا الفارقية التي تراعي تفاوت الوتيرات الذهنية، لضمان ألا يتحول "المحتوى الموحد" إلى عائق أمام تطور المتعلمين المتباينين.

خاتمة:
صفوة القول، إن التمييز الدقيق بين مفاهيم التربية والتعليم والتدريس ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة منهجية تضبط ممارسة المدرس وتحدد نطاق تدخلاته الديداكتيكية. فإذا كانت التربية هي الغاية الأسمى والتعليم هو الوسيلة الأشمل، فإن التدريس يظل هو الأداة الإجرائية المنظمة التي تسعى لتحقيق هدف واحد وجوهري: وهو التعلم . ؛ وهذا يعني أن نجاح المدرس لا يُقاس بكمية المعارف التي قدمها (التعليم)، بل بنوعية التغيير والنمو الذي أحدثه في بنية المتعلم الذهنية والوجدانية التعلم. وعليه، فإن الممارسة الديداكتيكية الحديثة تفرض على المدرس الانتقال من دور "المالك للمعرفة" إلى دور "مهندس التعلمات"، الذي يتقن توفير شروط النجاح وتفكيك عوائق الاكتساب .
وبناءً على هذا التصور، تصبح العلاقة بين التعليم والتعلم علاقة تفاعلية تكاملية؛ حيث يذوب فعل التدريس في صلب سيرورة التعلم، ليتحول الخطأ إلى محطة بناء، والمعرفة إلى كفاية قابلة للتحويل والاستمرار في حياة المتعلم.