المدرسة التوزيعية هاريس

المحاضرة التاسعة

المدرسة التوزيعية بلوفيلد هاريس

المكتسبات القبلية:

لاستيعاب هذه المحاضرة، يُفترض أن يكون لدى الطالب خلفية حول:

أفكار سوسير: التمييز بين اللغة والكلام، والعلاقة بين الدال والمدلول

. المدرسة البنيوية: المبدأ العام الذي يرى اللغة كنسق من الوحدات المترابطة

. المنهج الوصفي: كيفية دراسة الظواهر اللغوية كما هي في الواقع دون إقحام المعايير التاريخية.

الأهداف التعليمية:

تهدف هذه الدراسة إلى تمكين الطالب من:

التعرف على الأسس الفلسفية للمدرسة التوزيعية (السلوكية والوضعية المنطقية)

فهم المنهج التوزيعي في تحليل اللغة (استبعاد المعنى والتركيز على الشكل).

التمييز بين مساهمات "بلومفيلد" التأسيسية وتطويرات "هاريس" المنهجية.

إدراك كيفية الانتقال من التحليل المورفولوجي إلى التحليل التركيبي (الجملة).

 


مقدمة:

تُعد المدرسة التوزيعية الامتداد الأمريكي الأكثر نضجاً للبنيوية اللغوية، حيث ظهرت كرد فعل على المناهج الفلسفية والذهنية التي كانت سائدة. تزعمها ليونارد بلومفيلد (Leonard Bloomfield) الذي تأثر بالمدرسة السلوكية في علم النفس، فأراد تحويل اللسانيات إلى علم تجريبي صارم يعتمد على الملاحظة المباشرة. انطلقت هذه المدرسة من مبدأ أن اللغة "سلوك لغوي" يمكن رصده وتحليله عبر توزيع الوحدات اللغوية (فونميات ومورفيمات) في سياقاتها المختلفة. وقد وصلت هذه النظرية إلى ذروتها مع زليج هاريس (Zellig Harris)، الذي وضع القواعد الرياضية والآلية للتحليل التوزيعي، ممهداً الطريق لظهور اللسانيات التوليدية لاحقاً.

المدرسة التوزيعية:

تُمثّل المدرسة السلوكية (Behaviorism) المرجعية الفلسفية والمنهجية التي قامت عليها اللسانيات التوزيعية الأمريكية، حيث نُظر إلى اللغة بوصفها "سلوكاً استجابياً" قابلاً للملاحظة والقياس العيني. وقد تبلورت مبادئها المركزية مع روادها الأوائل أمثال جون واتسون (John Watson) وبي إف سكينر (B.F. Skinner)، قبل أن ينقل ليونارد بلومفيلد (Leonard Bloomfield) هذه المفاهيم إلى الحقل اللساني (زكريا، 1983). وتقوم هذه المدرسة على جملة من المبادئ الجوهرية، أبرزها ثنائية "المثير والاستجابة" (Stimulus-Response)، واعتبار اكتساب اللغة مجرد عملية تكوين عادات آلية (Habits) تتم عبر التكرار والمحاكاة، مع إقصاء تام للمنحي الذهني أو "المعنى" من دائرة البحث العلمي كونه كياناً غير مادي لا يمكن إخضاعه للتجربة المخبرية (الراجحي، 1979). ويرى الباحثون أن هذا التوجه قد صبغ اللسانيات بصبغة "وضعية" صارمة، حصرت جهد اللساني في وصف الأشكال الظاهرة والبنى التوزيعية للوحدات اللغوية دون الغوص في مقاصد المتكلم أو نواياه (السعران، 1962).

بلوفيلد والمدرسة التوزيعية:

يُعد ليونارد بلومفيلد (Leonard Bloomfield) المؤسس الفعلي والرائد الأول للمدرسة التوزيعية الأمريكية، حيث وضع الحجر الأساس لهذا الاتجاه في مؤلفه المرجعي "اللغة" (Language) الصادر عام 1933. وقد أراد بلومفيلد نقل اللسانيات من التخمينات الذهنية إلى العلمية الوصفية الصارمة، منطلقاً من رؤية سلوكية مادية تعتبر اللغة نظاماً من الإشارات الصوتية التي تعمل وفق آلية "المثير والاستجابة" (السعران، 1962). وتجلت عبقريته المنهجية في تطوير تقنية "التحليل إلى المكونات المباشرة" (IC Analysis)، وهي وسيلة لتقسيم الجملة إلى طبقاتها البنائية الصغرى لكشف هيكلها التنظيمي (زكريا، 1983). وبحسب الباحثين، فإن بلومفيلد هو من أرسى دعائم المنهج الاستقرائي الذي اعتمده تلميذه اللاحق زليج هاريس وطوره بصرامة رياضية أكبر (الراجحي، 1979).

إسهامات هاريس في المدرسة التوزيعية:

شكلت إسهامات زليج هاريس (Zellig Harris) الذروة المنهجية للمدرسة التوزيعية، حيث نقل اللسانيات من مرحلة الوصف السلوكي عند بلومفيلد إلى مرحلة الصرامة الرياضية والآلية في تحليل البنى اللغوية. ويقوم منهج هاريس على فكرة "التوزيع" (Distribution) بوصفها معياراً وحيداً لتصنيف الوحدات اللغوية، حيث تُعرّف الوحدة بمجموع السياقات والمواقع التي تشغلها في السلسلة الكلامية دون أي استعانة بالمعنى (هاريس، 1951/1993). وتجلى تطويره للمدرسة في وضعه لأسس "التحليل التوزيعي" (Distributional Analysis) الذي يهدف إلى اكتشاف القوانين التي تحكم تأليف الوحدات الصغرى لتكوين وحدات كبرى، وصولاً إلى ابتكاره لمفهوم "التحويل" (Transformation) الذي نُظر إليه كأداة لربط الجمل المتشابهة بنيوياً (زكريا، 1983). ويرى الباحثون أن هاريس قد مهد الطريق فعلياً لظهور اللسانيات التوليدية، حيث حوّل اللغة إلى "نسق صوري" يمكن معالجته آلياً بعيداً عن الذاتية، وهو ما أسهم في استقلال اللسانيات كعلم تجريبي دقيق (الراجحي، 1979).

مقارنة بين التوجهين:

تتمثل المفارقة الجوهرية بين ليونارد بلومفيلد وتلميذه زليج هاريس في الانتقال باللسانيات من "النزعة السلوكية" إلى "الصرامة الرياضية الآلية"؛ فبينما ركز بلومفيلد (المؤسس) على ربط اللغة بالواقع المادي الخارجي عبر آلية المثير والاستجابة، سعى هاريس إلى تخليص اللسانيات من أي شائبة نفسية أو دلالية، محولاً إياها إلى نظام صوري بحت (هاريس، 1951). وبحسب الباحثين، فإن بلومفيلد وضع الأسس الوصفية لتقطيع الجملة إلى مكونات مباشرة (IC Analysis) اعتماداً على الملاحظة الميدانية (السعران، 1962)، في حين ذهب هاريس أبعد من ذلك بتطوير المنهج التوزيعي (Distributionalism) ليصبح إجراءً حسابياً دقيقاً يحصي المواقع والسياقات، بل وتجاوزه بابتكار مفهوم "التحويل" (Transformation) لربط البنى اللغوية ببعضها، وهو ما لم يتطرق إليه بلومفيلد في إطاره الوصفي الساكن (زكريا، 1983). وهكذا، فإن هاريس قد "جرد" اللسانيات من أبعادها الأنثروبولوجية التي كانت حاضرة عند أستاذه، ليجعل منها علماً صورياً ممهداً الطريق للثورة التوليدية (الراجحي، 1979).

اجراءات التحليل التوزيعي:

تعتمد إجراءات التحليل التوزيعي على منهجية استقرائية صارمة تبدأ بجمع "المدونة اللغوية" (Corpus)، وهي مادة صوتية أو مكتوبة محدودة تشكل موضوع الدراسة المباشر، بعيداً عن الحدس أو التخمين (السعران، 1962). ويقوم اللساني التوزيعي بإخضاع هذه المادة لعمليات تصنيفية دقيقة تهدف إلى كشف "بيئة" كل وحدة لغوية، وذلك عبر مفاهيم إجرائية أساسية؛ أولها "التقابل" (Opposition) الذي يسمح بتمييز الوحدات التي يؤدي تبادلها إلى تغيير في المبنى، وثانيها "التوزيع المتكامل" (Complementary Distribution) الذي يفسر ظهور تنوعات للوحدة الواحدة في سياقات لا تلتقي فيها أبداً، وصولاً إلى "التباين الحر" (Free Variation) حيث يمكن استبدال وحدة بأخرى دون حدوث تغيير بنيوي (زكريا، 1983). ويرى الباحثون أن هذه الإجراءات قد حوّلت اللسانيات إلى عملية "جرد وآلية" تكتفي بوصف المواقع التي تشغلها العناصر اللغوية وعلاقاتها المجاورة، وهو ما يجسد طموح المدرسة التوزيعية في صياغة قوانين لغوية موضوعية تشبه قوانين العلوم الطبيعية (الراجحي، 1979).

خلاصة القول:

تُختتم المدرسة التوزيعية مسارها بوصفها التجربة اللسانية التي منحت دراسة اللغة صبغتها العلمية والوصفية الصارمة، حيث نجح بلومفيلد وهاريس في إخراج اللسانيات من أروقة الفلسفة التأملية إلى رحاب الملاحظة المادية والجرد الإحصائي. ومع ذلك، فقد واجهت هذه المدرسة انتقادات حادة، لعل أبرزها إقصاء المعنى الذي جعل من التحليل اللساني عملية آلية صماء، وعجزها عن تفسير الظواهر اللغوية المعقدة مثل "اللبس" أو "الغموض البنيوي" في الجمل التي تتشابه في شكلها التوزيعي وتختلف في مقاصدها الدلالية. وتكمن الأهمية التاريخية لهذه المدرسة في كونها الجسر الضروري الذي عبرت منه اللسانيات نحو "الثورة التوليدية"؛ فمن أدوات هاريس الرياضية وإجراءاته الصورية استلهم تلميذه تشومسكي لبنات نظريته، محولاً الاهتمام من وصف "المدونات" الملموسة إلى البحث في "القدرة" اللغوية الكامنة في العقل البشري.

مراجع المحاضرة:

الراجحي، عبده. (1979). اللغة والتحليل النفسي: مناهج ومعارك. بيروت: دار النهضة العربية.

زكريا، ميشال. (1983). الألسنية (علم اللغة الحديث): المبادئ والأعلام. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.

السعران، محمود. (1962). علم اللغة: مقدمة للقارئ العربي. القاهرة: دار المعارف.

نايف، خليل. (1987). مدخل إلى اللسانيات. الأردن: دار الفكر.