الوظيفية الفرنسية: مارتيني

المحاضرة السابعة

المدرسة الوظيفية الفرنسية مرتيني

المكتسبات القبلية:

مبادئ دي سوسير: التمييز بين اللغة والكلام، والطبيعة الثنائية للعلامة اللسانية (دال/مدلول).

حلقة براغ: مفهوم "الوظيفة" والتمييز بين الفونيم والصوت

المفاهيم البنيوية: فكرة اللغة كنسق من العلاقات المترابطة.

الأهداف التعليمية:

تحديد المبادئ الأساسية التي قامت عليها الوظيفية عند مارتيني.

شرح مفهوم "التمفصل المزدوج"

المقارنة بين الوظيفية الفرنسية والاتجاهات البنيوية الأخرى.

المقدمة :

تعد المدرسة الوظيفية الفرنسية امتداداً حيوياً للفكر البنيوي، حيث نقلت التركيز من "بنية اللغة كنسق مغلق" إلى "اللغة كأداة للتواصل". برز أندريه مارتيني (André Martinet) كأهم منظري هذا الاتجاه، خاصة بعد صدور كتابه العمدة "عناصر اللسانيات العامة" عام 1960. تنطلق الوظيفية من مبدأ أن الوظيفة الأساسية للغة هي التواصل؛ لذا فإن كل عنصر في اللغة (صوتياً كان أو صرفياً) لا يكتسب قيمته إلا من خلال الدور الذي يؤديه في نقل الرسالة. لم يكتفِ مارتيني بالوصف الساكن للغة، بل بحث في القوى المحركة لتطورها، معتبراً أن اللغة في حالة توازن دائم بين "حاجات التواصل" لدى البشر وبين "المجهود العضلي والذهني" المبذول، وهو ما صاغه في نظريته الشهيرة حول الاقتصاد اللغوي.


 

اللسانيات الوظيفية عند أندريه مارتيني: المرجعية الفكرية والسياق الإبستمولوجي:

تُمثل المدرسة الوظيفية الفرنسية، بزعامة أندريه مارتيني (André Martinet)، منبعاً جوهرياً في الفكر اللساني الحديث، حيث أحدثت نقلة نوعية من "بنيوية الوصف الساكن" إلى "بنيوية الوصف الديناميكي" (المسعدي، 1986). ينطلق مارتيني من مبدأ إبستمولوجي مفاده أن اللغة ليست غاية في حد ذاتها، بل هي أداة تواصل بشرية محكومة بغرض نفعي؛ ومن هنا فإن "الوظيفة" (Function) هي المعيار الأول والوحيد لتحديد قيمة أي عنصر لغوي داخل النسق (الخولي، 1987).

ظهر السياق الفكري لمارتيني في كونه امتداداً نقدياً لمبادئ "دي سوسير" وتطويراً لأطروحات "حلقة براغ"؛ حيث لم يكتفِ بتوصيف البنية، بل بحث في "القوى المحركة" التي تُبقي اللغة في حالة توازن مستمر. وتتجلى أصالة هذا الطرح في كتابه المركزي "عناصر اللسانيات العامة"، الذي أسس فيه لرؤية لسانية ترى في اللغة "مؤسسة بشرية" تخضع لضغط الحاجات التواصلية من جهة، ومحدودية الجهد الإنساني من جهة أخرى (شبل، 1998). إن اللسانيات الوظيفية بهذا المعنى، تدرس اللغة في حالة حركة وتفاعل، مفسرةً التغيرات اللسانية ليس كحوادث عشوائية، بل كاستجابات وظيفية تهدف إلى كفاءة التبليغ بأقل تكلفة مجهودية ممكنة.

https://kolalkotob.com/book8266.htmlرابط الكتاب:

 

التمفصل المزدوج للغة (Le Double Articulation du Langage)

إذا كانت الوظيفة التواصلية هي الغاية القصوى للغة عند مارتيني، فإن "التمفصل المزدوج" هو الآلية البنيوية الفريدة التي تمكّن اللغة البشرية من تحقيق هذه الغاية بكفاءة لا تملكها أي منظومة إشارية أخرى (مارتيني، 1970). يرى مارتيني أن ما يجعل اللسان البشري نظاماً اقتصادياً بامتياز هو عدم اعتماده على إشارات صماء، بل على وحدات قابلة للتفكيك وإعادة التركيب وفق مستويين متكاملين (صالح، 1982):

التمفصل الأول: مستوى الوحدات الدالة :Monèmes

وهي أصغر الوحدات التي تحمل جانباً دلالياً وصوتياً في آن واحد. وكما نلاحظ في مثال الصورة لكلمة "chats"، فإنها تنقسم وظيفياً إلى مونيم معجمي (chat) ومونيم صرفي دال على الجمع (s). هذا المستوى يسمح بصياغة عدد لا نهائي من الرسائل باستخدام مخزون الكلمات (الخولي، 1987).

التمفصل الثاني: مستوى الوحدات التمييزية Phonemes

وهي الوحدات الصوتية الصغرى (مثل /ʃ/، /a/، /t/) التي لا تحمل معنى في حد ذاتها، ولكن وظيفتها تكمن في بناء المونيمات والتمييز بينها. بفضل هذا التمفصل الثاني، يستطيع الإنسان بـ (30 أو 40) صوتاً فقط أن ينتج آلاف الكلمات، وهو ذروة الاقتصاد اللغوي (شبل، 1998).

مبدأ الاقتصاد اللغوي وديناميكية التطور اللساني:

 يُعد "الاقتصاد اللغوي" (L'économie du langage) المحرك الأساسي والناظم لحركة النسق اللساني في فكر أندريه مارتيني، وهو المبدأ الذي يفسر كيفية استمرار اللغة وتطورها عبر الزمن. وكما يجسده رسم "الميزان" في الصورة التوضيحية، يرى مارتيني أن اللغة تعيش حالة صراع وتوازن دائم بين قوتين متناقضين (مارتيني، 1970):

كفة ضغط التواصل (Pression de Communication): وتمثل حاجات المتكلم لنقل أكبر قدر من المعلومات بدقة ووضوح، مما يدفعه لتوسيع النظام اللغوي وزيادة وحداته التمييزية.

كفة التكلفة النطقية (Coût Articulatoire): وتمثل الميل الإنساني الفطري نحو "قانون الجهد الأقل"، أي الرغبة في تقليل المجهود العضلي والذهني المبذول أثناء الكلام (المسعدي، 1986).

إن هذا التوازن الهش هو الذي يوجه التغير الصوتي (Mutation Phonétique)؛ فالأصوات لا تتغير عشوائياً، بل تتطور وظيفياً لتسهيل النطق مع الحفاظ على الفوارق الضرورية للفهم.

خلاصة القول:

تتلخص الرؤية الوظيفية لمارتيني في أن اللغة ليست نظاماً ساكناً، بل هي مؤسسة بشرية ديناميكية محكومة بالغرض الذي وُجدت من أجله، وهو التواصل. وتتجلى هذه الرؤية عبر:

لتمفصل المزدوج كبنية نوعية: إن قدرة اللغة على التفكك إلى وحدات دالة (مونيمات) ووحدات تمييزية (فونيمات) هي السر وراء كفاءة اللسان البشري؛ إذ تتيح إنتاج ما لا نهاية له من المعاني بأقل عدد من الأصوات.

الاقتصاد اللغوي كقانون مفسر: لا تتطور اللغات عشوائياً، بل تخضع لمبدأ التوازن بين ضغط التواصل (الحاجة للوضوح) والتكلفة النطقية (الميل للجهد الأقل). هذا الميزان هو الذي يفسر بقاء عناصر لغوية واندثار أخرى.

الفونولوجيا الوظيفية: يكمن الفرق بين الصوت (الصرف) والفونيم (الوظيفي) في قدرة الأخير على إحداث فرق دلالي عبر التقابلات والسمات المميزة، مما يجعل دراسة الأصوات دراسة لوظائفها داخل النسق.

بناءً على ما سبق، يظل كتاب "عناصر اللسانيات العامة (1960)" المرجع الذي نقل البنيوية من التنظير المجرد إلى التحليل الواقعي المرتبط بحاجات المتكلمين اليومية.