مدرسة غوبنهاغن

المحاضرة السادسة

مدرسة كوبنهاغن هيمسليف

المكتسبات السابقة:

ثنائيات دي سوسير: (اللغة والحدث الكلامي، الدال والمدلول، المحور التزامني والتعاقبي).

مفهوم البنية: فكرة أن اللغة نظام من العلاقات وليست مجرد رصيد من الكلمات.

المدرسة الوظيفية (براغ): التمييز بين الفونيم والصوت، وكيف مهدت الطريق للتحليل البنيوي.

الاهداف التعليمية:

التعرف على سياق نشأة مدرسة كوبنهاغن اللسانية وأبرز أقطابها (هيلمسليف وبروندال).

فهم نظرية الغلوسيماتيكية (Glossematics) كأقصى تجلٍ للبنيوية التجريدية.

التمييز بين مستويات التحليل عند هيلمسليف (المحتوى والتعبير) وتقسيماتهما (الشكل والمادة).

استيعاب مفهوم اللغة باعتبارها شكلًا لا مادة، وكيف طور هيلمسليف أفكار سوسير.

مقدمة:

تعد مدرسة كوبنهاغن، التي تأسست عام 1931، الحلقة الأكثر تجريداً وصرامة في مسار اللسانيات البنيوية. فبينما ركزت مدرسة براغ على الوظيفة، ذهب "لويس هيلمسليف" بعيداً في تحليل "بنية" اللغة لذاتها، محاولاً تأسيس علم رياضي دقيق أطلق عليه "الغلوسيماتيكية". تكمن خصوصية هذه المدرسة في أنها لم تنظر للغة كظاهرة صوتية أو نفسية فحسب، بل اعتبرتها شبكة من العلاقات الداخلية الصرفة. سنحاول في هذه المحاضرة تفكيك رؤية هيلمسليف التي ترى أن اللغة "شكل وليست جوهراً"، وكيف أعاد صياغة ثنائية الدال والمدلول لتصبح (شكل التعبير/شكل المحتوى)، مما جعل من مدرسة كوبنهاغن جسراً أساسياً نحو السيميائيات المعاصرة.


تعريف مدرسة كوبنهاغن (Copenhagen School)

هي مدرسة لسانية بنيوية، تأسست في الدنمارك عام 1931 على يد لويس هيلمسليف (Louis Hjelmslev) وفيجو بروندال (Viggo Brøndal). تُعرف بتوجهها التجريدي الصارم، حيث حاولت صياغة نظرية عامة وشاملة لتحليل اللغة تضاهي في دقتها العلوم الرياضية، وهو ما أطلق عليه هيلمسليف اسم "الغلوسيماتيكية" (Glossematics).

هيمسلف:

يُعد اللغوي الدنماركي لويس هيلمسليف العقل المدبر لمدرسة كوبنهاغن والمنظر الذي نقل البنيوية السوسيرية إلى أقصى حدود التجريد الرياضي من خلال نظريته "الغلوسيماتيكية"؛ وهي منهج يهدف إلى تحويل اللسانيات إلى علم صوري دقيق يركز على "اللغة كشكل لا كمادة". وقد أعاد هيلمسليف صياغة مفهوم العلامة اللسانية عبر تقسيمها إلى مستويين متوازيين هما "مستوى التعبير" و**"مستوى المحتوى"** (كما يظهر في مركز الصورة)، مؤكداً على وجود رابط لا ينفصم (Inextricable link) بينهما، حيث ينقسم كل مستوى بدوره إلى "شكل" (نظام العلاقات) و"جوهر" (الخامة الفيزيائية أو الذهنية الخام). وبفضل منهجه الاستنباطي الصارم الذي يبدأ من الكل إلى الأجزاء، سعى هيلمسليف لتأسيس "جبر للغة" يحلل العناصر إلى وحداتها الصغرى أو "الغلوسيمات"، مما مهد الطريق لنشوء السيميائيات الحديثة وتجاوز اللسانيات الوصفية التقليدية.

ابرز محاور مدرسة هيمسليف:

بناءً على المخطط البصري الذي يجسد نظرية لويس هيلمسليف، يمكن تقسيم المحاور الأساسية لمدرسة كوبنهاغن إلى أربعة مرتكزات كبرى:

محور المستويين (التعبير والمحتوى):

يرى هيلمسليف أن اللغة تتكون من مستويين متوازيين ومترابطين بعلاقة لا تنفصم (Inextricable link)؛ الأول هو مستوى التعبير (Plane of Expression) الذي يمثل الجانب المحسوس (الأصوات أو الكتابة)، والثاني هو مستوى المحتوى (Plane of Content) الذي يمثل الجانب الدلالي (المعاني والأفكار). وتكمن عبقرية هذه المدرسة في معاملة المستويين بنفس الأدوات التحليلية، حيث تبحث عن "الوحدات الصغرى" في كل منهما.

محور (الشكل والمادة):

هذا هو المحور الأكثر تجريداً، حيث يقسم هيلمسليف كل مستوى (تعبير ومحتوى) إلى شكل (Form) ومادة/جوهر (Substance). المبدأ الذهبي هنا هو أن "اللغة شكل وليست مادة"؛ فالسلسلة الصوتية الخام هي "مادة"، لكن النظام الذي ينظمها ويجعلها لغة هو "الشكل". وبالمثل في المحتوى، فإن الأفكار الخام هي "مادة"، والتقسيمات الدلالية التي تفرضها كل لغة على تلك الأفكار هي "شكل المحتوى".

محور التحليل الغلوسيماتيكي (الاستنباط):

تعتمد المدرسة المنهج الاستنباطي (Deduction) الذي يبدأ من النص ككل (المركب) وصولاً إلى العناصر البسيطة غير القابلة للتحليل والتي أطلق عليها "الغلوسيمات" (Glossemes). هذا التحليل لا يهتم بالخصائص الفيزيائية للأصوات أو الخصائص النفسية للمعاني، بل يركز فقط على الوظائف (Functions) والعلاقات القائمة بين هذه الوحدات داخل النسق اللغوي.

محور العلاقات (الاستبدال والتبديل):

يركز هذا المحور على كيفية تحديد الوحدات اللغوية من خلال اختبار التبديل (Commutation Test). فإذا أدى تغيير عنصر في مستوى التعبير (مثل تغيير "ب" إلى "ت" في "بـاب/تـاب") إلى تغيير في مستوى المحتوى، فإننا نكون أمام وحدات ذات قيمة خلافيّة. كما تدرس المدرسة نوعين من العلاقات: العلاقات الباراديغمية (الاختيار من البدائل المتاحة) والعلاقات السينتاغمية (التأليف والربط بين الوحدات في سلسلة الكلام).

خصوصية اللغة عند هيلمسليف مقارنة بالمدارس الاخرى

من "نظام سوسير" إلى "البنية الرياضية لهيلمسليف": بينما اعتبر دي سوسير اللغة نظاماً من القيم والعلامات التي تربط بين دال (صورة صوتية) ومدلول (مفهوم ذهني)، ذهب هيلمسليف بعيداً بجعل اللغة "بنية رياضية" صرفة. فكما يظهر في الصورة، لم يعد الأمر مجرد دال ومدلول، بل صار شبكة معقدة من العلاقات المتقاطعة (شكل ومادة لكل من التعبير والمحتوى). بالنسبة لهيلمسليف، اللغة ليست مجرد "نظام" بل هي "نسق من الوظائف" لا يهم فيه الجوهر المادي إطلاقاً.

"الشكل" مقابل "الوظيفة" (كوبنهاغن ضد براغ):  في حين ركزت مدرسة براغ (الوظيفية) على وظيفة الوحدات اللغوية في التواصل (مثل دور الفونيم في تمييز المعنى)، ركزت مدرسة كوبنهاغن على الشكل المنطقي (Form) لهذه الوحدات. فبينما كان الوظيفيون يهتمون بكيفية نطق الأصوات (المادة)، كان هيلمسليف يرى أن "اللسانيات لا شأن لها بالأصوات كفيزياء"، بل شأنها فقط بالشبكة التي تنظم تلك الأصوات؛ أي أن اللغة عنده هي "شكل وليست مادة" (كما هو مكتوب بوضوح في مركز المخطط).

ثنائية (التعبير والمحتوى) بدلاً من (الدال والمدلول): طور هيلمسليف ثنائية سوسير ليجعلها أكثر شمولية؛ فالدال أصبح "مستوى التعبير" والمدلول أصبح "مستوى المحتوى". والجديد هنا هو معاملة "المحتوى" (المعنى) بنفس صرامة معاملة "التعبير" (الصوت). فكما أن الأصوات تُحلل إلى وحدات صغرى، فإن المعاني عند هيلمسليف تُحلل أيضاً إلى وحدات دلالية صغرى (Units of Meaning)، وهو ما لم يفعله سوسير أو الوظيفيون بهذا الشكل المنهجي الرياضي.

المنهج (الاستنباط ضد الاستقراء): تميزت المدارس السابقة (بما فيها البنيوية الوصفية) بمنهج استقرائي يبدأ من جمع الملاحظات والأصوات ثم تصنيفها. أما مدرسة كوبنهاغن فتبنت المنهج الاستنباطي (Deduction) - كما يظهر في يمين الصورة - حيث يتم وضع نظرية عامة ومنطقية أولاً، ثم تُطبق على اللغة النصية لتفكيكها إلى "غلوسيمات"، بحثاً عن الثوابت الكلية التي تحكم أي نظام سيميائي.

الخلاصة:

اللغة عند هيلمسليف هي أقصى درجات التجريد البنيوي؛ فهي ليست ظاهرة اجتماعية (سوسير) ولا أداة تواصلية (براغ) فحسب، بل هي بنية علاقات داخلية مغلقة تفسر نفسها بنفسها دون الحاجة للجوهر الخارجي.

مراجع المحاضرة:

أحمد مؤمن (2002): اللسانيات: نشأتها وتطورها، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.

ميال ميشال زكريا (1983): الألسنية (علم اللغة الحديث): قراءات وتطبيقات، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.

محمود السعران (1962): علم اللغة: مقدمة للقارئ العربي، دار النهضة العربية، القاهرة.

سمير شريف استيتية (2003): اللسانيات: المجال، المنهج، النظرية، دار وائل للنشر.

Greimas, A. J. (1966): Sémantique structurale