المحاضرة الخامسة: حلقة براغ2
حلقة براغ 2
حلقة براغ2
المحاضرة الرابعة
حلقة براغ بنفنيست
المكتسبات القبلية:
اللسانيات البنيوية: فهم مبادئ "فرديناند دي سوسير" (الدال والمدلول، اللغة والكلام).
مفاهيم لسانية أساسية: التفريق بين الجملة والملفوظ، والوعي بطبيعة العلامة اللسانية.
الأهداف التعليمية:
تحديد نقطة التحول التي أحدثها بنفنيست من "لسانيات اللغة" إلى "لسانيات التلفظ.
تحليل نظام الضمائر والزمن في اللغة بناءً على رؤية بنفنيست الوظيفية.
مقدمة:
يُعدّ "إيميل بنفنيست" الوريث الشرعي والمطور الأبرز للمشروع السوسيري. بينما ركز سوسير على اللغة كـ "نظام" ثابت من العلامات، نقل بنفنيست الاهتمام إلى "اللغة في حالة فعل".
لم يعد السؤال لديه هو: "كيف تعمل اللغة؟" بل: "كيف يستخدم الإنسان اللغة ليصنع خطاباً؟". من هنا، وضع حجر الأساس لما يعرف بـ لسانيات التلفظ (Linguistique de l'énonciation)، معتبراً أن اللغة لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما يحلّ فيها المتكلم ويحولها إلى خطاب موجه لآخر. ففي كتابه العمدة "مسائل في اللسانيات العامة"، يجادل بأن "الذاتية" ليست دخيلة على اللغة، بل هي جوهرها الذي يسمح للفرد بأن يقول "أنا".

المحاور الكبرى للسانيات بنفنيست:
آلية التلفظ (Enunciation) يمثل التلفظ حجر الزاوية في مشروع بنفنيست؛ وهو "فعل وضع اللغة موضع الاستعمال" من خلال فعل فردي محدد. في هذا السياق، يفرق بنفنيست بين اللغة (كنظام تجريدي ساكن) والتلفظ (كفعل حي وديناميكي). إن آلية التلفظ هي العملية التي تجعل من الجملة "ملفوظاً" مرتبطاً بسياق زمني ومكاني محدد، حيث تتحول الرموز اللغوية الصامتة إلى خطاب مشحون بالدلالات والنيات التواصلية.
الذاتية في اللغة :(Subjectivity in Language)
يرى بنفنيست أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الفضاء الذي يتشكل فيه "الإنسان كذات". فالذاتية هي قدرة المتكلم على طرح نفسه كـ "أنا". ومن خلال هذا الضمير، يستولي المتكلم على اللغة ويحولها إلى ملكية خاصة في لحظة التلفظ. فاللغة هي التي تمنح الفرد وجوده الاجتماعي والذاتي؛ إذ لا يمكن تصور "أنا" بدون نظام لغوي يتيح قولها، ولا تكتمل هذه الذاتية إلا بوجود "أنت" (الآخر) الذي يتبادل معها المواقع التلفظية.
نظام الضمائر وأزمنة الفعل: (Pronouns and Tenses)
أحدث بنفنيست ثورة في فهم الضمائر، فقسمها إلى ضمائر شخصية (أنا، أنت) وهي "مؤشرات تلفظية" لا تشير إلى مفهوم ثابت بل إلى الشخص الذي يتكلم في تلك اللحظة، وضمير الغائب (هو/هي) الذي اعتبره "لا-شخص" (Non-personne) لأنه خارج دائرة التلفظ المباشر. كما ربط بين الضمائر والزمن، فاعتبر أن زمن "الحاضر" هو زمن التلفظ بامتياز، وهو المحور الذي تتحدد انطلاقاً منه بقية الأزمنة (ماضي/مستقبل) في الخطاب.
من اللغة إلى الخطاب (From Language to Discourse):
يوضح بنفنيست الانتقال من مستوى الجملة (كأعلى وحدة في النظام اللساني البنيوي) إلى مستوى الخطاب (كمجال للمعنى المتجاوز للجملة). فبينما تُحلل الجملة انطلاقاً من عناصرها، يُحلل الخطاب بوصفه كلاً متكاملاً يهدف إلى التأثير. الخطاب هو اللغة وقد استوعبتها الذات المتكلمة لتوجيهها نحو مخاطب محدد، مما يحول "الملفوظ" من مجرد تركيب نحوي إلى رسالة إنسانية ذات قصدية.
خلاصة القول:
تعد أعمال إيميل بنفنيست حلقة وصل عبقرية في تاريخ اللسانيات؛ فقد انطلق من صلب الفكر البنيوي السوسيري، محترماً صرامة المنهج وتحليل الأنظمة، لكنه رفض حصر اللغة في قالبها "السكوني" كخزان من العلامات. وبدلاً من ذلك، نفخ فيها روحاً جديدة بنقله التركيز من "النظام" إلى "الاستعمال"، ومن "الجملة" إلى "الخطاب". لقد تجاوز بنفنيست جفاف البنيوية بفتحه الباب أمام الذات الإنسانية لتكون المحرك الأساسي للمعنى، وهو ما مهد الطريق لظهور "اللسانيات التداولية" (Pragmatique) وتحليل الخطاب الحديث. إن تأثيره لم يقتصر على اللسانيات فحسب، بل امتد ليشكل مرجعية أساسية في الفلسفة وعلم النفس والتحليل الأدبي، حيث أثبت أن اللغة ليست مجرد أداة لنقل المعلومات، بل هي الموطن الذي يحقق فيه الإنسان وجوده ووعيه بذاته وبالآخر.
مراجع المحاضرة:
بنفنيست، إيميل (1966/1974): Problèmes de linguistique générale (في جزأين). دار غاليمار، باريس.
بنفنيست، إيميل (ترجمة محمد كشكاش، 2011): مسائل اللسانيات العامة. المنظمة العربية للترجمة، بيروت.
عفيف بناني (2001): اللسانيات التلفظية. دار الفكر المغربي.
سعيد مصلوح (2012): بناء الجملة والخطاب عند بنفنيست. مجلة عالم الفكر.
عبد الوهاب شعلان (2003): الذاتية والخطاب في اللسانيات الحديثة: دراسة في فكر بنفنيست. دار الغرب للنشر.
Dessons, Gérard (2006): Émile Benveniste: L'invention du discours. In Press Editions
واجب:
اشرح باختصار: لماذا اعتبر بنفنيست أن "الذاتية" ليست مجرد شعور فردي، بل هي بنية لغوية أساسية؟
اختر اجابة :
1. تعتبر الذاتية عند بنفنيست مجرد رغبة من المتكلم في التعبير عن مشاعره الخاصة وأفكاره الداخلية. فالإنسان كائن اجتماعي يحتاج للغة لكي يصف أحاسيسه للآخرين، وبالتالي فإن الذاتية هي نتاج الحالة النفسية للفرد قبل أن يتكلم، واللغة مجرد وعاء خارجي يصب فيه هذه المشاعر."
2. يرى بنفنيست أن الذاتية بنية لغوية لأنها تتأسس داخل النظام اللساني عبر ضمير المتكلم 'أنا'. فالمتكلم لا يملك ذاتية مسبقة عن اللغة، بل إنه 'يُوجد كذات' فقط في اللحظة التي يقول فيها 'أنا'. وبما أن اللغة توفر هذا المؤشر الفارغ الذي يمكن لأي متكلم أن يملأه بوجوده في لحظة التلفظ، فإن الذاتية تصبح حقيقة لسانية موضوعية يتيحها النظام لكل مستعمل، وليست مجرد انعكاس لحالة نفسية فردية."