المحاضرة الأولى: لسانيات دي سوسير
المحاضرة الأولى
لسانيات دي سوسير
المكتسبات السابقة:
قبل الخوض في اللسانيات السوسيرية، يُفترض في الطالب الإلمام بالآتي
1. التمييز العام بين مفهومي اللغة والكلام في السياق التواصلي
2. . معرفة تاريخية موجزة عن "الفيلولوجيا" (فقه اللغة) والدراسات اللغوية التقليدية التي سبقت القرن العشرين
3. . استيعاب مفهوم "النظام" أو "النسق" بشكل عام.
الاهداف:
1. تحديد السياق التاريخي لظهور كتاب "دروس في اللسانيات العامة"
2. شرح الثنائيات السوسيرية الكبرى (لغة/كلام، دال/مدلول، تزامنية/تعاقبية)
3. تحليل مفهوم "اعتباطية العلامة اللسانية" ودورها في بناء المنهج البنيوي.
مقدمة:
تُعد اللسانيات الحديثة ثمرة للتحول الجذري الذي أحدثه السويسري فرديناند دي سوسير (Ferdinand de Saussure)، والذي يُلقب بـ "أب اللسانيات الحديثة". لم يكن اهتمام سوسير منصباً على تتبع تاريخ الكلمات كما فعلت اللسانيات التاريخية، بل ركز على دراسة اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها بوصفها "نظاماً من العلامات" (Saussure, 1916/1972). هذا المنظور أدى إلى نقلة إبستمولوجية حوّلت الدراسات اللغوية من الوصف المعياري والتاريخي إلى التحليل البنيوي العلمي، مما أثر لاحقاً على مختلف العلوم الإنسانية.
الدراسات اللغوية قبل دي سوسير وبعده:
تمثّل اللسانيات السوسيرية "قطيعة إبستمولوجية" حاسمة في تاريخ الفكر اللغوي؛ فقبل دي سوسير، كانت الدراسات اللغوية تتسم بالنزعة المعيارية (Prescriptive) التي تركز على تصحيح اللغة وتقعيدها، أو بالنزعة التاريخية الفيلولوجية (Philology) التي تتبعت تطور الألفاظ ومقارنة اللغات ببعضها بحثاً عن أصولها المشتركة، فكانت اللغة تُدرس كظاهرة خارجية أو وثيقة تاريخية (صالح، 2011). أما بعد سوسير، فقد تحولت اللسانيات إلى علم وصفي (Descriptive) يدرس اللغة "في ذاتها ولأجل ذاتها" بوصفها نظاماً (System) متكاملاً من العلامات المترابطة في لحظة زمنية محددة، لينتقل التركيز من البحث في "تاريخ الكلمات" (المنهج التعاقبي) إلى البحث في "آليات اشتغال النسق" (المنهج التزامني)، وهو ما أرسي قواعد المدرسة البنيوية (Saussure, 1916/1972).
خصوصية اللسانيات الديسوسيرية:
أحدث دي سوسير ثورة منهجية نقلت اللسانيات من حيز الدراسات التاريخية والمقارنة إلى مصاف العلوم النسقية، ويمكن حصر هذه المستجدات في ثلاثة مستويات أساسية (Saussure, 1916/1972):
من حيث الموضوع: استبعد سوسير العناصر الخارجية (الفسيولوجية والنفسية والفردية) وحصر موضوع اللسانيات في "اللغة" (Langue) بوصفها نظاماً من العلامات المجردة المشتركة بين الجماعة اللغوية، وليس "الكلام" (Parole) الفردي المتغير (عبد اللطيف، 2001).
من حيث الهدف: تحول الهدف من "التقعيد المعياري" أو "التتبع التاريخي" للكلمات إلى الكشف عن القوانين التي تحكم اشتغال النظام اللغوي في لحظة معينة، وفهم كيفية توليد المعنى عبر "العلاقات" بين العناصر داخل النسق (اللسانيات الوصفية).
من حيث المنهج: استحدث المنهج "التزامني" (Synchrony) الذي يدرس اللغة كبنية مستقرة في زمن محدد، مفضلاً إياه على المنهج "التعاقبي" (Diachrony) الذي يلاحق التطور التاريخي، معتبراً أن مستعمل اللغة لا يستحضر تاريخ الكلمة ليفهم معناها، بل يستحضر علاقتها ببقية الكلمات في النظام الحالي (صالح، 2011).
المقولات الأساسية لدي سوسير:
تستند اللسانيات السوسيرية إلى مجموعة من المقولات (الثنائيات) الضدية التي شكلت الهيكل الناظم للتحليل البنيوي، حيث سعى من خلالها إلى وضع حدود علمية دقيقة للمادة اللغوية (Saussure, 1916/1972). وتتمثل أبرز هذه المقولات فيما يلي:
اللغة بنية مغلقة: اللغة نظام متكامل من العلامات، حيث يؤدي تغيير أي جزء منه إلى تغيير توازن النسق ككل. هذا التصور هو ما نقل اللسانيات من دراسة "الأجزاء" المنفصلة إلى دراسة "الكل" المنظم.
ثنائية (اللغة/الكلام): وهي التفرقة بين "اللغة" كنسق اجتماعي وقواعد مجردة مخزنة في أذهان الجماعة، و"الكلام" كفعل فردي وتطبيق عملي ملموس لهذا النسق (صالح، 2011).
ثنائية (الدال/المدلول): وهي المكونات البنيوية لـ "العلامة اللسانية"؛ حيث يمثل "الدال" الصورة الصوتية، ويمثل "المدلول" المفهوم الذهني، وتربطهما علاقة "اعتباطية" لا تقوم على منطق طبيعي بل على التواضع الاجتماعي.
ثنائية (التزامنية/التعاقبية): وهي المفصل المنهجي الذي يقسم الدراسة إلى دراسة لسانية سكونية (Synchrony) تبحث في حالة اللغة في زمن محدد، ودراسة تطورية (Diachrony) تتبع التغيرات عبر التاريخ.
مفهوم "اللغة كنسق" (Language as a System) تُعد مقولة دي سوسير الشهيرة بأن "اللغة نظام لا يعرف إلا نظامه الخاص" هي القاعدة الذهبية في اللسانيات الحديثة. فالبنية عند سوسير ليست مجرد تجميع لكلمات أو أصوات، بل هي "شبكة من العلاقات" المترابطة التي لا يكتسب فيها أي عنصر قيمته إلا من خلال موقعه داخل هذا النسق وعلاقته بغيره (Saussure, 1916/1972).
القيمة اللسانية (Value): يرى سوسير أن الكلمة في حد ذاتها "لا شيء"، وقيمتها تُستمد من الاختلاف (Difference) عن بقية العناصر. فكما في لعبة الشطرنج، لا تهم المادة التي صُنعت منها القطعة، بل تهم "الوظيفة" والعلاقات التي تربطها بالقطع الأخرى في النظام (صالح، 2011).
خلاصة:
مثّل اللسانيات السوسيرية "المركز" الذي انبثقت منه كافة المدارس اللسانية الحديثة؛ فهي لم تكتفِ بتقديم مفاهيم جديدة، بل أحدثت قطيعة إبستمولوجية كاملة مع الدراسات التاريخية التقليدية. ويمكن إيجاز أثره في النقاط التالية
اللغة كنسق (System): وضع سوسير المبدأ الأساسي الذي قامت عليه البنيوية، وهو أن اللغة "نظام" متكامل من العناصر المترابطة، حيث لا يكتسب أي عنصر قيمته إلا من خلال علاقاته التقابلية مع بقية عناصر النسق، وليس من ذاته أو تاريخه
ثنائيات التفكير العلمي: مهدت الثنائيات (اللغة/الكلام، الدال/المدلول، التزامنية/التعاقبية) الطريق لتحويل اللسانيات من مجرد وصف للألفاظ إلى علم وصفي دقيق، مما سمح للمدارس اللاحقة (الوظيفية، التوزيعية، والسيميائية) باتخاذ هذه الثنائيات كأدوات تحليلية رصينة (صالح، 2011) .
. تأسيس السيميولوجيا: تجاوز أثر سوسير حدود اللسان ليشمل كل ما هو "علامة" في حياة المجتمع، مما أرسى القواعد الأولى لعلم العلامات الذي استوعب فيما بعد الأنثروبولوجيا، والنقد الأدبي، وعلم الاجتماع (المسدي، 2006).
ختاماً: إن المنجز السوسيري هو الذي منح اللسانيات استقلاليتها العلمية بجعل موضوعها هو "اللغة في ذاتها ولأجل ذاتها"، وهو المبدأ الذي تفرعت عنه كل الدوائر المعرفية التي شكلت وجه اللسانيات المعاصرة.
المراجع الخاصة بالمحاضرة:
دي سوسير، ف. (1985). دروس في اللسانيات العامة. الدار العربية للكتاب.
صالح، ص. (2011). اللسانيات البنيوية: النص والنظرية. دار الكتاب الجديد المتحدة.
المسدي، ع. س. (2006). اللسانيات وأسسها المعرفية. الدار التونسية للنشر.