التعليم والتعلم

 

مقدمة:

تعد العملية التعليمية التعلمية القطب الأساس في الممارسة الديداكتيكية، حيث تتداخل فيها الأدوار بين المدرس والمتعلم لتحقيق غايات تربوية محددة. فإذا كان التعليم يمثل مجموع الأفعال المهنية والطرائق التي يعتمدها المدرس لتيسير الوصول إلى المعرفة، فإن التعلم هو تلك السيرورة الذهنية والنشاط الذاتي الذي يبذله المتعلم لإعادة بناء معارفه وتملك كفاياته. وتبرز الإشكالية الجوهرية هنا في كيفية إيجاد توازن فعال بين فعل التعليم وفعل التعلم، بما يضمن تجاوز التلقين السلبي نحو بناء تعلمات ذاتية ومعنى حقيقي داخل الفضاء الديداكتيكي.

التعليم:

تعدد الزوايا النظرية التي قاربت مفهوم التعليم، حيث يبرز في الأدبيات التربوية كفعل يتأرجح بين الإلقاء والتيسير. فمن منظور إجرائي كلاسيكي، يُعرف التعليم بأنه "عملية نقل المعلومات والحقائق من المدرس إلى المتعلم، بهدف إكسابه معارف ومفاهيم جديدة" . وفي مقابل هذا الطرح، نجد تعريفاً أكثر حداثة يميل نحو المقاربة الوظيفية، حيث يُنظر للتعليم باعتباره "جملة من الإجراءات والأنشطة التي يقوم بها المعلم، والتي يقصد بها مساعدة التلاميذ على بلوغ أهداف تربوية محددة" ، فتُعرف التعليم بكونه "عملية تواصلية تهدف إلى خلق بيئة تعليمية تيسر للمتعلم بناء معارفه الخاصة، وليس مجرد استلامها" . التدريس بالتكنولوجيا الحديثة. . ومن خلال هذا التباين، يظهر أن التعليم انتقل دلالياً من "فعل التلقين" الذي يركز على المحتوى، إلى "فعل الوساطة" الذي يركز على تيسير عملية الاكتساب.

التعلم:

يُعد التعلم القطب الجوهري في المثلث الديداكتيكي، وهو السيرورة التي تعطي لعملية التدريس معناها وغايتها. وتتعدد المقاربات النظرية في تعريفه؛ فبينما يراه الاتجاه السلوكي الكلاسيكي بمثابة "تعديل شبه دائم في سلوك الفرد يظهر نتيجة للتدريب أو الخبرة" . علم النفس التربوي. ، تذهب المقاربات السيكو-تربوية الحديثة إلى اعتباره "نشاطاً ذاتياً يقوم به المتعلم لإعادة بناء معارفه وتملك مهارات جديدة من خلال التفاعل مع البيئة التعليمية" . ومن زاوية ديداكتيكية إجرائية، يتحدد التعلم بكونه "مسلسلاً داخلياً يتمظهر في قدرة الذات المتعلمة على تجاوز عوائقها المعرفية وبناء كفايات قابلة للتحويل إلى وضعيات جديدة". وعليه، فإن التعلم لا يتوقف عند حدود تراكم المعلومات أو تخزينها، بل هو فعل "تغيير" يمس البنية الذهنية والوجدانية للمتعلم؛ وبناءً عليه، يصبح دور المدرس ديداكتيكياً ليس "تحفيظ" المعرفة، بل خلق الشروط السيكولوجية والديداكتيكية التي تسمح للمتعلم بالانتقال من حالة "عدم المعرفة" إلى حالة "القدرة على الفعل"، مما يجعل من التعلم سيرورة بناء مستمرة لا مجرد نتاج سلبي لعملية التعليم.

شروط التعلم:

النضج (Maturation): ويُقصد به وصول الأجهزة البيولوجية والوظائف العقلية للمتعلم إلى مستوى يسمح له بالقيام بمهمة محددة  ؛ وهذا يفرض ديداكتيكياً ضرورة احترام التسلسل النمائي، فلا يمكن تدريس المفاهيم المجردة لمن لا يزال في مرحلة العمليات المحسوسة، تجنباً لإحداث هوة بين القدرة والمطلب التعليمي.

الدافعية (Motivation): هي حالة داخلية توترية تدفع المتعلم نحو بذل الجهد لتحقيق هدف معين ؛ ومن هنا يبرز دور المدرس في إضفاء المعنى على التعلمات، فبدون إثارة رغبة المتعلم واهتمامه يظل الفعل التعليمي نشاطاً آلياً لا ينتج معرفة مستدامة.

لممارسة والخبرة: وتعني إتاحة الفرص المتكررة للمتعلم لتطبيق ما اكتسبه في وضعيات مختلفة ؛ والتعقيب هنا أن التعلم لا يترسخ بمجرد الفهم النظري، بل بـ التوظيف الإجرائي الذي ينقل المعرفة من "الذاكرة القصيرة" إلى "الكفاية الفعلية.

عوائق التعلم:

لعائق الإبستمولوجي: يرتبط بطبيعة المعرفة ذاتها وصعوبتها أو بالتمثلات الخاطئة السابقة لدى المتعلم . ؛ وهذا يقتضي من المدرس ممارسة الخلخلة المعرفية، أي وضع المتعلم في وضعية تُظهر قصور تمثلاته السابقة، مما يدفعه لبناء معرفة علمية أكثر دقة.

العائق الديداكتيكي: ينتج عن سوء اختيار المدرس للطرائق أو الوسائل أو أساليب التدرج في تقديم المادة . ؛ والتحليل هنا يشير إلى أن الخطأ قد لا يكون في المتعلم بل في الاستراتيجية التدريسية، مما يحمل المدرس مسؤولية نقد ممارساته وتكييفها مع خصوصيات جماعة الفصل.

العائق السيكو-تكويني: يرتبط بمحدودية القدرات الذهنية للمتعلم في مرحلة عمرية معينة ؛ وتعقيباً على ذلك، فإن تجاوز هذا العائق يتطلب اعتماد البيداغوجيا الفارقية التي تراعي تفاوت الوتيرات الذهنية، لضمان ألا يتحول "المحتوى الموحد" إلى عائق أمام تطور المتعلمين المتباينين.

المصادر والمراجع:

أوزي، أحمد. (2006). المعجم الموسوعي لعلوم التربية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة. اللقاني

 الدريج، محمد. (2004). تحليل العملية التعليمية: مدخل إلى علم التدريس (الديداكتيك). ط4. الرباط: منشورات سلسلة المعرفة التربوية.

مجمع اللغة العربية. (2005). معجم المصطلحات التربوية والنفسية. القاهرة: دار الشروق

. زيتون، كمال عبد الحميد. (2003). التدريس: نماذجه ومهاراته. القاهرة: عالم الكتب.