الدرس الثاني
البيداغوجيا والديداكتيك
البيداغوجيا والديداكتيك
المكتسبات المسبقة:
1. المفهوم اللغوي للتربية: التمييز الأولي بين مفاهيم "التعليم"، "التعلم"، و"التربية.
2. مداخل المنهاج الدراسي: معرفة عامة بهيكلة المنهاج (الغايات، الكفايات، والمحتويات
3. عناصر الوضعية التعليمية: الإدراك المسبق لوجود أقطاب ثلاثة (مدرس، تلميذ، مادة) دون شرط معرفة طبيعة العلاقات بينهم.
الاهداف:
1. التمييز الاصطلاحي: تحديد الفوارق الجوهرية بين "البيداغوجيا" كفن للتربية و"الديداكتيك" كعلم للتدريس
2. تحليل المثلث الديداكتيكي: فهم أقطاب مثلث "هوساي" (Houssaye) وتحديد نوع العلاقات (نقل، تفاعل، تعاقد)
3. جرأة المفاهيم: القدرة على تصنيف المشكلات الصفية (هل هي مشكلة ديداكتيكية تتعلق بالمادة أم بيداغوجية تتعلق بجماعة الفصل؟).
مقدمة:
تعد العلاقة بين الديداكتيك والبيداغوجيا علاقة تداخل وتكامل، إلا أن الخلط بينهما غالباً ما يؤدي إلى ضبابية في الممارسة المهنية. فإذا كانت البيداغوجيا (Pedagogy) تمثل "البعد الإنساني والتربوي" الذي يركز على المتعلم ككيان سيكولوجي واجتماعي، فإن الديداكتيك (Didactics) يمثل "البعد المعرفي الإبستمولوجي" الذي يركز على المادة الدراسية ومنطق بنائها. تأتي هذه المحاضرة لترسم الحدود الفاصلة بينهما؛ ليس بهدف الفصل الميكانيكي، بل من أجل تمكين المدرس من أدوات تحليلية دقيقة. فالمدرس لا يربي فقط، بل "يُعلّم" محتوىً محدداً، وهذا المحتوى يحتاج إلى "هندسة ديداكتيكية" لا تغفل "الروح البيداغوجية". سنحاول من خلال محاورنا الإجابة على التساؤل الجوهري: متى نكون بصدد فعل بيداغوجي؟ ومتى ننتقل إلى الفعل الديداكتيكي الصرف؟
تعريف الديداكتيك:
تتبلور التعليمية (الديداكتيك) كحقل معرفي مستقل من خلال تقاطعات نظرية حددتها الأدبيات التربوية الأجنبية والعربية بدقة؛ ففي السياق الفرنكوفوني، يرى غاي بروسو (G. Brousseau) أنها "علم يهتم بالدراسة العلمية لتنظيم وضعيات التعلم التي يواجهها المتعلم لبناء معارفه".
بينما يحصرها ميشيل ديفيلي (M. Develay) في كونها "تفكيكاً لطبيعة المعارف المدرسية وللشروط التي تسمح بتعلمها.
وبالانتقال إلى المتن التربوي العربي، نجد محمد الدريج يعرفها بكونها "الدراسة العلمية لطرق التدريس وتقنياته ولأشكال تنظيم مواقف التعلم.
في حين يؤكد أحمد الفاسي على بعدها الإجرائي بصفتها "تخطيطاً للفعل التعليمي يهتم بكيفية جعل المادة العلمية مادة قابلة للتدريس.
ومن خلال فحص هذه الإحالات، يتضح أن التعليمية انتقلت من مجرد "فن للتدريس" يركز على مهارة المدرس، إلى "هندسة معرفية" تضع العلاقة بين المتعلم والمحتوى العلمي في صلب اهتمامها، حيث يظهر التعليق الإبستمولوجي أن الاختلاف بين المنظورين يكمن في درجة التركيز؛ فالتعريفات الأجنبية غاصت في "سيكولوجية المعرفة" وعوائقها، بينما ركزت التعريفات العربية في مجملها على "أجرأة" هذه المعرفة وتنظيمها داخل الفضاء المدرسي، مما يجعلهما يلتقيان في اعتبار الديداكتيك "مختبراً" لتحويل المعرفة من سياقها العالم إلى سياقها التعليمي.
تعريف البيداغوجيا::
تتبلور البيداغوجيا كحقل يهتم بالفاعلية التربوية والعلاقة التفاعلية داخل الفضاء التعليمي، حيث يرى جان هوساي (J. Houssaye) أنها "تفكير منهجي في غايات الممارسة التربوية ووسائلها، تهدف إلى توجيه العمل التربوي وتنويره.
وفي السياق العربي، يعرفها محمد الدريج بكونها "الحقل المعرفي الذي يهتم بالعلاقة التفاعلية بين المدرس والمتعلم، وما يتخللها من سيرورات تربوية تهدف إلى صقل الشخصية.
ومن خلال قراءة هذه التعاريف، يتضح أن البيداغوجيا تتجاوز مجرد "نقل المعرفة" (الذي هو شأن ديداكتيكي) لتشمل البعد الإنساني والسلوكي؛ فالتعليق على هذه المرجعيات يظهر أن البيداغوجيا تظل "فناً" للقيادة والتوجيه يركز على المتعلم كذات سيكولوجية، بينما تظل الإحالات الأجنبية أكثر تركيزاً على "فلسفة الفعل التربوي"، وتتجه الإحالات العربية نحو "أدوات التنشيط والتفاعل الصفية"، مما يجعل البيداغوجيا هي المظلة التربوية الشاملة التي تضمن مناخاً ملائماً لحدوث التعلم.
لإبراز التمايز بين الحقلين بشكل دقيق، نعتمد هذه المقارنة التي تفصل بين البيداغوجيا والديداكتيك من حيث الوظيفة والمجال، معتمداً على مرجع جان بيير أستولفي" (J.P. Astolfi) في كتابه "مفاهيم مفاتيح مفاهيم مفتاحية في الديداكتيك":
جدول المقارنة بين البيداغوجيا والديداكتيك وجه المقارنة البيداغوجيا
|
الديداكتيك |
البيداغوجيا |
وجه المقارنة |
|
المعرفة: تركز على بنية المادة، المفاهيم، وكيفية تبسيطها. |
المتعلم: تركز على أساليب التعامل، التواصل، والمناخ النفسي. |
مركز الاهتمام |
|
ماذا؟ وكيف نعلّم؟ (ما هي طبيعة المفهوم؟ كيف ننقله تعليمياً؟) |
كيف؟ (كيف ندير القسم؟ كيف نحفز التلميذ؟ كيف نربي؟) |
طبيعة الأسئلة |
|
خاص: لكل مادة ديداكتيك خاص بها |
عام: تطبق مبادئها (كالبيداغوجيا الفرقيّة) على كافة المواد |
المجال |
|
علاقة ديداكتيكية: (متعلم معرفة) |
علاقة بيداغوجية: (مدرس متعلم) |
نوع العلاقة |
|
كساب المفاهيم العلمية وحل مشكلات المادة المعرفية. |
تأهيل الشخصية وتطوير السلوكيات والقيم. |
الهدف |
وفقاً لـ أستولفي
فإن الفرق الجوهري يكمن في أن البيداغوجيا "ميدانية وعلاقاتية" بامتياز، تهتم بما يحدث "خارج" منطق المادة (كالاحترام، الانضباط، العمل المجموعاتي)، بينما الديداكتيك "إبستمولوجي وإجرائي"، يغوص في جوهر المادة المدرسة ليفكك تعقيداتها. بمعنى آخر، إذا فشل التلميذ في فهم "القسمة" لأن الأستاذ يصرخ عليه، فالمشكلة بيداغوجية (سوء تواصل)؛ أما إذا فشل في فهمها لأن الأستاذ لم يمهد لها بمفهوم "الطرح المتكرر"، فالمشكلة ديداكتيكية (خطأ في بناء المفهوم).
التكامل بين البيداغوجيا والديداكتيك:
رغم الفصل النظري بين الحقلين لأغراض منهجية، إلا أن الممارسة الصفية تفرض تکاملاً عضويًا لا ينفصل؛ فالديداكتيك بدون بيداغوجيا يظل معرفة "جافة" وصارمة قد تعجز عن الوصول إلى وجدان المتعلم، والبيداغوجيا بدون ديداكتيك قد تتحول إلى تنشيط "فارغ" يفتقد للعمق المعرفي. يؤكد فيليب ميريو (Ph. Meirieu) في كتابه La pédagogie بين النظرية والتطبيق) أن الفعل التعليمي هو حياكة مستمرة بين المنطق الديداكتيكي (الذي يضمن صحة المادة العلمية وتدرجها) والمنطق البيداغوجي (الذي يضمن انخراط المتعلم واستعداده النفسي)؛ فالمدرس الناجح هو الذي يمارس "اليقظة الديداكتيكية" أثناء تحضير درسه (تفكيك المفاهيم)، ويمارس "اليقظة البيداغوجية" أثناء تنفيذه (إدارة التفاعلات). هذا التكامل هو ما يحول القسم من مجرد فضاء لنقل المعلومات إلى بيئة تعلمية حيوية، حيث تخدم الطريقة (البيداغوجيا) المحتوى (الديداكتيك)، ويخدم المحتوى بناء شخصية المتعلم.
خلاصة:
تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن الفصل بين البيداغوجيا والديداكتيك هو فصل إبستمولوجي نظري يهدف إلى تدقيق أدوات التحليل، أما في الواقع العملي فهما وجهان لعملة واحدة هي "الفعل التعليمي". فالبيداغوجيا تظل هي الحاضنة التربوية التي تضمن إنسانية التعلم، بينما يظل الديداكتيك هو الموجه العلمي الذي يضمن دقة التعلم وجدواه المعرفية. وكما يشير فيليب ميريو، فإن أي محاولة للفصل المطلق بينهما تؤدي إما إلى "تقنوقراطية معرفية" تهتم بالمحتوى وتنسى الإنسان، أو إلى "تنشيط عشوائي" يهتم بالمتعة وينسى المعرفة. لذا، فإن تمكن المدرس من هذين الحقلين معاً هو السبيل الوحيد لتحقيق الجودة التربوية، حيث يخطط بالديداكتيك، ويدبر بالبيداغوجيا، ويقوم بهما معاً.