المحاضرة السابعة: مناهج البحث اللغوي في التراث2

مناهج البحث اللغوي في التراث2

عند العرب:

كان أول اتصال للعرب بالبحث اللغوي لدواعي دينية اجتماعية، فالخوف من تسرب اللحن إلى القراءات القرآنية وسوء فهم معناها، وتوافد الأعاجم إلى اعتناق الدين الجديد، والحاجة إلى تعلم اللغة العربية على المنوال الصحيح والسليم، خلق عند العلماء العرب حالة طوارئ، فأحسوا بضرورة الإسراع في وضع ضوابط وقوانين للعربية، ورسم نحوها وتعليمه لأهلها ولغير أهلها، ما أدى إلى البحث في لغتهم ودراستها، ووضع منهج في كيفية البحث فيها لتحقيق مبتغاهم، مع العلم أن معرفتهم للمنهج لم تكن نظرية بمفهومها الغربي، بل كانت وسيلة إجرائية طارئة في بداية الأمر، فكان من أهم الإجراءات المنهجية المعتمدة ما يلي:

_ مرحلة جمع اللغة من مصادرها النقية الفصيحة، كالقرآن الكريم، وكلام العرب شعره ونثره، واستثنوا من ذلك الحديث النبوي بسبب اضطراب الرواية

_ التحديد الزماني للمدونة الموثوق بفصاحتها كان من العصر الجاهلي إلى غاية نهاية القرن الثاني في الحضر "المدن "والقرن الرابع في المدر "بوادي الاعراب".

_ كما قاموا بالتحديد المكاني لجمع اللغة من سبع قبائل يعتد بفصاحتها، كأسد وتميم وهذيل... وغيرها، واستبعدوا القبائل الأخرى لأنها في نظرهم أكثر عرضة للفساد اللغوي لوقوعها على أطراف شبه الجزيرة العربية.

_ الاستعانة بالرواة الموثوقين فيهم مثل خلف الأحمر.

_ اعتماد التحري وأسلوب الاستجواب أثناء مشافهة الأعراب للتأكد من سلامة لغتهم.

_ مرحلة استقراء اللغة واستنباط القواعد، حيث اعتمدوا على ملاحظة ووصف المدونة واستقراء جزئياتها والنظر في الاستعمالات وتراكيب الكلام العربي واستخلصوا منها أحكاما وقواعد لعلم النحو العربي.

_ رفض كل الاستعمالات اللغوية التي تخرج عن المعايير والقواعد النحوية التي استنبطوها، حتى وإن كانت مسموعة من بعض القبائل، أو اللجوء إلى تقديرها وتأويلها وفقا لتلك القواعد، وهو ما سبب خلافات نحوية بين النحاة لاختلاف أساليبهم في الاستقراء والاستنباط.

_ بعد التقعيد شددوا في الالتزام بالقواعد المستنبطة كمعايير لا يجب الخروج عنها، وقد تجلت النزعة المعيارية بوضوح في طريقة تعصبهم وتعليم النحو، كقولهم: قل ولا تقل، وهكذا قال القدامى....

    ويتضح مما سبق قوله أن الإجراءات المنهجية التي اعتمدها العلماء القدامى في بحثهم اللغوي من أجل تأسيس علم النحو لصيانة اللسان العربي من اللحن كانت دقيقة ومنظمة، حيث اعتمدوا أثناء الجمع والاستقراء على آليات المنهج الوصفي، لكن هدفهم الأخير هو وضع نحو معياري، وقد ظهر ذلك جليا في طريقة حصرهم للمدونة اللغوية ورفضهم الأخذ والسماع من القبائل التي حددوها، وأن يكون الاستعمال اللغوي وفقا للمعايير التي وضعوها.

  وبالتالي يمكن القول، أن النحاة العرب قد تبنوا منهجين في سعيهم لتأسيسهم علم النحو العربي تمثل في توظيف معالم المنهج الوصفي من أجل الوصول إلى تقنيين وتقعيد النحو وفقا للمنهج المعياري لغرض التعليم وصيانة القرآن الكريم من اللحن.

   أما فيم يخص معرفة العرب بالمنهجين التاريخي والمقارن، فكانت عرضية اقتصرت على مقامات ضيقة أو إشارات طفيفة، لانشغالهم بالدراسات القرآنية وتأسيس العلوم اللغوية، لهذا لم يهتموا كثيرا بعقد دراسات تاريخية معمقة أو مقارنة، لأن اللغة العربية

في نظرهم من أسمى وأقدس اللغات كونها لغة الكتاب المنزل على خير الخلق، وكانوا قوم فصاحة وبلاغة ويعتزون كثيرا بلغتهم، عدا بعض الإشارات والوقفات التي استوقفتهم أثناء بحثهم اللغوي وانتبهوا إليها حين استقراء لغة العصر الجاهلي وما بعدها، فاكتشفوا الدخيل والغريب وظاهرة النحت، ولقد أشار إلى ذلك كل من ابن جني في كتابه "الخصائص" والثعالبي في كتابه "فقه اللغة وأسرار العربية"، وكذا السيوطي في كتابه  "المزهر"

   كما وجدت بعض المقارنات التي سجلت عند بعض اللغويين العرب كالخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي سجل بعض ملاحظاته في كتابه العين، لما لاحظ وجود شبه بين اللغة العربية واللغة الكنعانية، ورأى أنهما متضارعتان، (متشابهتان)، كما أشار السهيلي إلى شيء من المقارنة بين العربية والسريانية والعلاقة الرابطة بينهما، قائلا" وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو يقاربه في اللفظ"، وغيرها من الإشارات والملاحظات التي ذكرت عند غيرهما كابن سلام الجمحي، وابن حزم الأندلسي، وأبي حيان الأندلسي، مما يدل دلالة واضحة على أن العرب كانت لهم دراية ومعرفة باللغات الأخرى، وبالأخص اللغات السامية كالكنعانية والسريانية والحبشية وغيرها.