"الحوار"
"الحوار"
تختلف طرائق التعبير الشفهي بإختلاف المواقف التي تستدعي التواصل لأجلها، فمنها ما تكون بإتجاه واحد (دون تبادل) فتبدأ الدارة الكلامية من المرسل (أ) وتنتهي عند المرسل إليه (ب)، أما إذا كانت متبادلة بين طرفي العملية التواصلية فتكون من الإتجاهين، وتتجدد الدورة في كل مرة حيث يتبادل المرسل والمرسل إليه الأدوار بالتناوب وفي هذه الحالة يطلق على هذه العملية بالحوار أو المحاورة وهو من أهم الأساليب التي نعتمدها في حياتنا اليومية.
1/ مفهوم الحوار (Dialogue):
أ ـ لغة (في لسان العرب): من (حور) والحور الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والمحاورة: المجاوبة، والفعل الرباعي (حاور) على وزن فاعل يأتي للمشاركة، فالحوار يحتاج إلى طرفين متحاورين حول موضوع أو قضية معينة.
ب ـ إصطلاحا : هو مراجعة الكلام بين طرفين والأخذ والرد فيما بينهما و"الحوار هو أحد الأشكال الرئيسية للأنشطة اللغوية التي تتميز بتركيبات غير معقدة وتفاعلات بين المتحاورين".
ـ ويعرفه آخرون بأنه :"القدرة على التعبير عن آرائنا مع الإنصات الفعال للآخرين، وصولا إلى الأهداف المنشودة".
ـ والطريقة الحوارية هي :"طريقة الحوار والنقاش بالأسئلة والأجوبة المختصرة بين فردين أو أكثر"
2/ الحوار ومصطلحات لصيقة به:
ـ الحوار : يروم إقناع طرف لأخر بقضية معينة أو فعل ما والأصل فيه الإختلاف.
ـ المحاورة: لا يشترط فيها الإقناع، ولا تنبني بالضرورة على الإختلاف مثل: المحاورات اليومية.
ـ المشاورة: إذا كان الطرف الثاني متعاونا يصبح الحوار مشاورة.
ـ المناظرة: إذا كان الحوار منازعا تصبح مناظرة : وهي محاورة جدلية بين طرفين آراؤهما متضادة حول قضية معينة.
ـ المقابلة: وتتميز عن الحوار والمحاورة من حيث القيمة الرمزية للأطراف المشاركة فيكون في المحاورة والحوار تساو وتكافؤ بين الأطراف، أما في المقابلة فالمستوجب يتمتع بقيمته معنوية رمزية تجعله متحكما في سير المقابلة.
ـ الجدل (المجادلة): أشد من المناظرة وهو شدة الخصومة.
ـ المحادثة: ويستعملها الأطباء والقضاة والأطباء العقليون وهي تبادل الآراء حو الوقائع.
3/ أهمية الحوار :
ـ يمثل الحوار الأسلوب الأمثل للتفاهم والتعبير عن الحاجات والمصالح ودرء المفاسد.
ـ هو أداة لإثبات الذات من جهة (الإقناع) والتجاوب مع الآخرين من جهة.
ـ تحقيق المكاسب المادية والمعنوية والوصول إلى عقول الآخرين وقلوبهم.
ـ يستخدم الحوار وسيلة للإقناع في جميع صور الحياة ومراحلها من أبسطها إلى أكثرها تعقيدا (محاورة الطفل ـــــــــ محاورة شخصية معينة).
4/ آداب الحوار ومهارته في التواصل الشفهي:
ـ حسن الإستماع وعدم المقاطعة ورفع الصوت.
ـ تقبل الرأي الآخر والمعارضة المنطقية والموضوعية وعدم التحيز.
ـ الرفق والأناة.
ـ عدم التعجل في الحكم والقول.
ـ التدرج في الحوار.
ـ إقناع المحاور بالحجة والدليل والقدرة على التكيف بسرعة مع الحقائق والبراهين والشواهد الجديدة
ـ الصدق منذ بداية التحاور.
ـ غاية الحوار هي الوصول إلى الحق فالرجوع إلى الصواب لا يخجل.
ـ التعاطف الودي (empathie) أهم المداخل لحوار فعال مع محاور متفاعل.
5/ أهداف الحوار :
ـ صقل الشخصية وتهذيبها.
ـ إمتلاك القدرة على لحوار وإجادته.
ـ تحقيق النجاح والوصول إلى الغايات في القضايا موضوع الحوار.
ـ إحياء الشخصيات وبث النشاط في الحوادث وتمثيل حركة الشخوص والتواصل بينهم تمثيلا حيا.
6/ ضوابط الحوار الناجح: ويتحكم فيه ضابطان:
أ ـ في المحاور : فيجب أن يتجلى بآداب وصفات الحوار الجيد وهي:
ـ الإهتمام الجدي بالمحاور وإحترامه وإنصافه.
ـ نداؤه بأحب الأسماء إليه.
ـ الهدوء والإتزان وعدم رفع الصوت.
ـ عدم الإستئثار بالحديث.
ـ الإستعانة بالكلمة الطيبة والأسلوب الأمثل.
ب ـ في الموضوع : ـ إظهار الجدية وعدم السخرية من الموضوع.
ـ الإخلاص وصدق النية في الوصول إلى الحقيقة.
ـ توضيح الخطأ بطريقة موضوعية غير جارحة.
ـ الإبتعاد عن المبالغة والتضخيم.
ـ التدرج في الموضوع من المسلمات إلى المختلف فيها.
ـ التسلسل في طرح الأفكار واحدة تلوى الأخرى دون خلطها.
7/ عناصر الحوار ومراحله:
أ ـ تحديد موضوع الحوار: تتعدد مواضيع الحوار الخاصة التي يكثر حولها الإختلاف في الرأي.
ـ تحديد مناسبة الحوار إن أمكن.
ب ـ تحديد المتحاورين: الإشارة إليهما بإسم أو إشارة
ـ يستحسن تحديد العلاقة القائمة بين المتحاورين لمالها من أهمية.
ج ـ إعداد التصميم: بعد تحديد عناصر الحوار ينبغي وضع تصميم ينظمها ويرتبها (مقدمة، عرض، خاتمة).
ـ المقدمة : وتتضمن مناسبة الحوار وكيفية إستهلال الحديث بينهما.
ـ العــرض: عرض كلام المتحاورين بالتناوب.
ـ الخاتــمة: إنهاء الحوار حتى الأخير كي لا يبقى مبتورا.
8/ لغة الحوار وأسلوبه:
ـ توظيف الجمل الإستجوابية (سؤال / جواب).
ـ يتضمن جملا ناقصة ناجمة عن مقاطعة الكلام.
ـ توظيف الكلمات والعبارات الطلبية (قول ـــــــ فعل) كالإستفهام، الأمر، النهي ...
ـ توظيف الحجج والبراهين.
ـ أنواع الأساليب الموظفة: الإستفهام: من؟ لماذا؟ كيف؟ متى؟ أين؟ النداء : يا ... ، الأمر: تعال، خذ، أنظر، النهي : لا تفعل كذا ...، النفي والإعتراض: ليس صحيحا، لا أتفق معك، على العكس...، التعجب : ما أجمله (ما أفعله) مدهش ...
ـ أسلوب التردد والإستدراك ...
9/أقسام الحوار: وينقسم إلى حوار خاص وحوار عام:
أ ـ الحوار الخاص : ويتضمن :ـ حوار طلب العلم والمعرفة في قاعة الدرس.
ـ حوار الصفوة بين العلماء والمفكرين...
ـ حوار الدعوى إلى تبني قضية كحوار الدعاة وأصحاب المناهج ...
ب ـ الحوار العام: ويضم : حوار المصالح وتبادل المنافع وهو ما يحدث يوميا من بيع وشراء ووداع
ـ الحوار الوظيفي أو الأدائي: ويتعلق بأداء عمل والتخطيط له مثل المؤسسات والشركات.
ـ حوار الأجيال : ويتم بين جيلين مختلفين (شباب / شيوخ) حول بعض القضايا.
10/ أساليب نقل الحوار:
أ ـ الأسلوب المباشـــــــر: ويظهر في الرواية والمسرحية وينقل مباشرة الكلام المنطوق، وفي الرواية يندمج الحوار في السرد ويعين برموز (شرطة وقوسين) أما المسرح فيختفي فيه السرد.
ب ـ أسلوب غير مباشر : يعيد الكلام المنطوق في شكل عرض أو تقديم مسبوق بكلمات (أفعال القول) ويظهر هذا النمط في القصة، الرواية، المقال، التحقيق، الخاطرة، الخطابة ...
ج ـ أسلوب غير مباشر حر: يعيد الكلام المنطوق في شكل عرض دون أن يكون مسبوقا بالأفعال الدالة على القول ويظهر في مختلف الكتابات التواصلية الإبداعية.
11/ وظيفة الحوار: إن الوظيفة الأساسية للحوار هي رسم صورة واضحة للشخصيات المتحاورة وتحديد مواقفها وتوجهاتها وجانبها الإجتماعي (مهنة مثلا أو نفسيتها من الداخل وتحديد منطلق تفكيرها... أي رسم أبعاد ثلاثة: البعد الجسمي، البعد الإجتماعي، البعد النفسي).
ـ شرح عواطف الشخصيات والكشف عن طرائق تفكيرهم ومعتقداتهم.
ـ الكشف عن الصراع القائم بين الشخصيات بطريقة فنية أقوى وأجود.
* أما الوظائف الأخرى التي يضطلع بها الحوار:
ـ التعريف بالشخصيات وتمثلها.
ـ التعبير عن الأفكار والأراء وعرضها.
ـ نقل الأحداث والتعبير عنها.
ـ الإخبـــار: مثل المكان والزمان.
ـ التفســـير: رسم مجرى الأحداث وتوضيحها.
ـ الوصف : يعكس السمات النفسية والتعبير عنها.
ـ الدرامية : حين تعمل الشخصيات المتحاورة على تحريك الأحداث وإحداث الصراع.
* نماذج عن الحوار:
وقد زخر القرآن الكريم والحديث الشريف والأدب العربي شعرا أو نثرا باللغة الحوارية ودورها الفعال في سرد الأحداث وإحيائها وتمثلها فالنص السردي كذلك يستخدم الحوار.
* قوله تعالى في سورة الكهف :{ واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34)}.
* من الشعر : قال المجنون في حوارية لطيفة:
وقالوا لو تشاء سلوت عنها * فقلت لهم : فإني لا أشاء
وكيف وحبها علق بقلبــــي * كمــا علقت بأرشية دلاء
وقالوا : أين مسكنها ؟ ومن هي ؟ * فقلت : الشمس مسكنها السماء
فقالوا : مــــــن رأيت أحب شمسا * فقلت : علي قد نزل القضــــاء