تمهيد

 نؤكد في بداية هذه المحاضرة من جديد على الطبيعة المعرفية للنقد الثقافي؛ فهو نشاط أو ممارسة نقدية وليس منهجا ما يجعل عملية نقد الأنساق الثقافية تخضع لعدة قراءات تختلف باختلاف مرجعيات أصحابها فشتان بين القراءة الطباقية لإدوارد سعيد وقراءة الأنساق الثقافية عند عبد الله الغذامي، فالأول اشتغل على كشف الأنساق الضدية "الشرق/ الغرب ، الأنا/ الآخر، الأبيض/ الزنجي، المستعمِر/ المستعمَر" فجاء النقد الثقافي عنده مشروطا بالسياق الكولنيالي أي أنه اشتغل على الكشف عن أنساق الهيمنة وأشكال الرد عليها "وسنقف في محاضرة لاحقة عند هذه القراءة"، أما الغذامي فقد تلقى منهجيته من فنسنت ليتش وراح يبحث في الأنساق المهيمنة على الثقافة العربية عبر ممارسات وخطابات ثقافية عدة لاسيما الخطاب الأدبي فجاء توصيفه للنسق وكيفية اشتغاله في الخطابات وآليات الكشف عنه رهين مرجعيته النقد أدبية.

  • قراءة النسق الثقافي من منظور عبد الله الغذامي
         إنّ للأنساق الثقافية على اختلافها وتنوعها في النص الأدبي أهمية بالغة في انتاج الدلالة ، لأنها تعبّـر عن نظام ثقافي منغرس في ثنايا النص، فالأكيـد أنّ الدلالة النسقيـة والجمل الثقافية لا تظهـر بشكل جليّ في النص لأنها لا تنتج عن قصديـة المبدع، إنّ « النسق  الثقافي يظهر و يتكشف داخل نصوص الثقافة بمعزل عن قصديـة الذات المنتجة لتلك النصوص، فالنسـق لا يكون وعيا يتمظهر عبر خطاب فاعـل، بل هو ممارسة لها خصوصيتها من التغلغل والتأثير والهيمنة في غفلة من الذات، ولذا نجد علاقة مراوغة ومعقدة بين الذات المبدعة والأنساق الثقافية المهيمنة، فالأنساق الثقافية رهائن ذاتها لا تخرج عنها ولا تتجاوزها،  أما الذات المبدعة تعي ذاتها وتعي الأنساق ثانيا » وعليه يؤكد الغذامي على أهمية النسق الثقافي كمفهوم مركزي في مشروعه النقدي ،ويكتسب  عنده قيّما دلالية  وسمات اصطلاحية خاصة يحددها فيما يأتي:
    -      يتحدد النسق عبر الوظيفة النسقية التي لا تحدث إلا في مقام محدد ومقيّد . 
    -     تقـر أ النصوص و الأنساق من وجهة نظر النقد الثقافي، لتأويل الدلالة النسقية في النصوص  الأدبية، دون نفي وجـود دلالات أخرى صريحة و ضمنية، والتسليم بوجـود قيّـم فنيّة وغيرها من القيّـم النصوصية التي لا تلغيها الدلالة النسقية و ليست بديلة عنها. ويرى الغذامي في هذه القيّم أقنعة تختبئ خلفها الأنساق الثقافية.  
    -        إنّ النسق بكونه دلالة مضمـرة في النصوص ليس من صنع المؤلف، و لكنه منغرس في الخطاب ومن صنع الثقافـة و مستهلكوه جماهير اللغة من كتاب و قـ راء: صغار و كبار، نساء ورجال ، مهمّش و نخبوي. 
    -       إنّ النسق ذو طبيعـة سردية وهو خفي ومضمـر قادر على الاختفاء دائما و يستخدم أقنعة كثيرة منها قناع الجمالية اللغوية البلاغية.  
    -        الأنساق الثقافية هي أنساق تاريخية أزلية راسخة، تدفع الجمهور إلى استهلاك المنتوج الثقافي المنطوي تحت هذا النوع من الأنساق.  
          إنّ هذه القيـم و السمات - التي حدّدها الغذامي- تعد ركائز يتم من خلالها التمييز بين أصناف الخطاب لأنّها تأخـذ بالدلالة النسقية كبديل مختلف عن الدلالات الصريحـة والضمنية، تأخذ بالجملة الثقافية  كبديل عن الجمل النحوية والأدبية. هذه الدلالات النسقية والجمل الثقافية كثيرا ما تتدخل  في توجيه الأفكار والسلوك وتحدد ما تحويـه الآثار الأدبية من حمـولات فكرية تعبّـر عن نظـم الثقافـة السائدة .  
        إنّ النسق الثقافي وحدة ثقافية دالة تتفاعل فيها مختلف العلاقات والأفكار، والنظم، والإيماءات ثم تتفكك ضمن ظروف تاريخية وانتروبولوجيا تكسب المعرفة أبعادا وقراءات تأويلية تتجلى فيها رؤية المتلقي الناقد. وعند التفصيل في ماهية النسق الثقافي يؤكد الغذامي على حيل الثقافة في تمرير أنساقها تحت أقنعة ، وأهم حيلة يركز عليها هي الحيلة الجمالية، ومنه تتحدد الوظيفة النسقية من حيث:  
    *اشتمالها على نسقين يحدثان في آن واحد، وفي نص واحدة ، بحيث يكون المضمر منهما نقيضا للظاهر. "وقد عقبنا في المحاضرة السابقة على هذا الشرط"
    *يشترط في النص الجمالية المستهلكة مع توفر الجماهيرية التي تحظى بمقروئية عريضة، وذلك لرؤية ما للأنساق من فعل عمومي ضارب في الذهن الاجتماعي والثقافي. 
        والشروط السابقة تقتضي إجر ائيا قراءة النصوص والأنساق قر اءة ثقافية خاصة بِّعدّها حالة ثقافية، إضافة إلى حالتها الأدبية الجمالية، ذلك أن دلالته المضمرة ليست مصنوعة من مؤلف، ولكنها منغرسة في الخطاب، مؤلفتها الثقافة ومستهلكوها جماهير اللغة من كتاب وقراء يتساوى في ذلك الصغير مع الكبير، والنساء مع الرجال، والمهمش مع السائد.  
       ويبدو أن السمة التاريخية الراسخة  والغالبة التي تجعل الجمهور مندفعا نحوها معبرة عن المضمر الجمعي في استجابتها السريعة، والتي تنبئ عن محرك يشبك الأطراف فيما بينها؛ نحو الأغاني والأزياء والعادات ،والحكايات والأمثال، هي الأخرى من عناصر النسق الثقافي. 
لقد أكملت 0% من الدرس
0%