المحاضرة السادسة : الديسفازيا: تأخر النمو اللغوي
الديسفازيا (تأخر اللغة المعقد)
La dysphasie
- مقدمة:
على خلاف تأخر اللغة البسيط الذي هو تأخر في المستوى الزمني لإكتساب اللغة يستدرك لاحقا عن طريق التكفل المبكر به، فإن تأخر النمو اللغوي هو اختلال في تنظيم بنية اللغة. يؤثر على الفهم والإنتاج وهو يعتبر محل اهتمام اللسانيين وعلماء النفس العصبي والعلوم المعرفية.
وتعتبر الديسفازيا اضطراب نمائي يصيب الطفل ويعيقه في مراحل نموه النفس حركي واللغوي.
1- لمحة تاريخية عن الديسفازيا:
تعتبر الديسفازيا من بين الموضوعات الهامة التي تناولها الباحثون في القرن العشرين، وكانت أول مبادرة من طرف الباحث أجورياغيرا وأصحابه، وذلك بدراسة حالات مرضية مصابة بهذا النوع من الاضطراب. وبعده جاء الكثير من علماء النفس واللغويين للبحث في هذا الموضوع. وقد درس أجورياغيرا الديسفازيا وفسرها بأنها: "بنية خاصة تتميز بنظام لغوي مضطرب، دون أن يكون لهذا الاضطراب علاقة بخلل عضوي ظاهر إكلينيكيا". أما (LAUNAY) لوني فيعطي تفسيرا مشابها لتفسير أجورياغيرا حيث يقول: "إن الديسفازيا عبارة عن اضطراب كلي للتعبير الشفهي، والذي يتكون من عبارات تكون غالبا على وتيرة آلية، ومفردات ضعيفة، وكلمات سهلة في جمل قصيرة غير مركبة تركيبا سليما وصحيحا، بالإضافة إلى وجود أخطاء في الألفاظ.
(LAUNAY C., BOREL MAISONNY S., 1975, p. 84).
ويعرفها (HECAEN) هيكيين على أنها: "اضطراب خاص بالنطق الشفهي، ويكون هذا مصحوبا بخلل في الفهم. في حين تكون المفردات ضعيفة، مع وجود بعض الكلمات التي تشير إلى أسماء الأشياء أو إلى التعبير عن المشاعر المختلفة. فنظام التحدث لا تتجلى فيه التركيبات، كما أن إدراك الكلمات يكون صعبا مع غياب الأدوات الوظيفية مثل حروف الربط، بالإضافة إلى عدم إدراك المفاهيم المجردة. أما الإنتاج اللغوي فيكون ناقصا وضعيفا، وإذا كان ذكاء الطفل غير مختل، فإن اكتساب وتطور العمليات العقلية يكون صعبا بالنسبة للطفل المصاب بهذا الاضطراب"(LAUNAY C., BOREL MAISONNY S., 1975, p. 84-85).
ومن بين الأبحاث الحديثة حول الديسفازيا نجد تفسير لجمعية فرنسية:
(Association avenir dysphasie) والتي تقول أن: "الديسفازيا عبارة عن نقص
متميز للوظيفة اللغوية لدى الطفل، هذا الأخير يتميز باستعدادات في الاتصال وكذا نمو عادي للعمليات المعرفية، مع وجود لتأخ حس-حركي في بعض الحالات". في حين قدمت جمعية كندية
(Association québécoise pour les enfants atteints d’audimutité – A.Q.E.A.) تفسيرا آخر، فهي بذلك أدخلت الجانب العضوي في الاضطراب وتقول أن: "الديسفازيا ناتجة عن خلل دماغي في منطقة اللغة، والذي يتسبب في كف هام على مستوى الفهم وتطور اللغة والكلام، إلى درجة أن الطفل المصاب يصبح غير قادر على الاتصال اللفظي والقيام ببعض الأعمال المناسبة لسنه ومحيطه. فهو يمتاز بذكاء عادي، وبرغبة كبيرة في الاتصال، ورغم هذا فإن عمليتي الاتصال والنمو تعترضهما مشاكل جد صعبة مما يستدعي التناول الفردي وكذلك على مستوى العائلة المؤسسة التربوية" (A.Q.E.A., 2000).
أما الدراسات التي أجريت في الميدان الإكلينيكي الجزائري فهي قليلة حيث يمكن حصرها في دراسة ابراهيمي س. التي تتوصل إلى وجود غياب في مهارة الربط بين مكونات الجملة والترتيب الخاطئ لهذه المكونات، وكذا الخلط في استعمال مفهومي النوع والعدد. وحسب نفس الباحثة، فإن الأطفال المصابين بهذا النوع من الاضطراب يختلفون كثيرا عن بعضهم، لكنهم يشتركون في إصابة وتدهور اللغة (Brahimi S., 2003 ).
وأيضا دراسة زيد الخير س. حول الذاكرة العاملة لدى الطفل المصاب بالديسفازيا التي تثبت أن هذا الأخير يعاني من مشاكل في تخزين المعلومات زيادة على ذلك يعاني من معالجة غير كافية للمعلومات، مما يؤثر سلبا على عملية الاسترجاع، وتوصلت أيضا إلى أنه يعاني من اضطراب على مستوى مكونات الذاكرة العاملة الثلاث، وأن أكثر هذه المكونات اضطرابا هو الحلقة الفونولوجية تليها المفكرة البصرية
الفضائية فالإداري المركزي.
2- تعريف الديسفازيا:
الديسفازيا هي اضطراب في اكتساب اللغة الشفهية، تتسم بأنها حادة ودائمة. حسب دراسات (PECH-GEORGEL) بش جورجيل فإن هذا الاضطراب نجده عند حوالي 1% من المتمدرسين، والذكور أكثر عرضة من الإناث. ولأنه من أصل خلقي فلا يمكن تشخيصه إلا في حوالي ست سنوات (PECH-GEORGEL G., 2007).
تعتبر الديسفازبا اضطراب أصعب من حيث التشخيص، فهو يطرح صعوبات عدة، ولهذا كثرت تعريفات واقتراحات الباحثون، فنجد:
-التعريف من خلال العزل(Identification par exclusion):
يعرفها (BENTON) بنتون بأنها اضطراب أساسي (Radiale)، كما يعرفها (BISHOP) بيشوب بأنها اضطراب مخفف (Mitigée). فيقول بنتون أن: الديسفازيا عجز حاد ومزمن للإنتاجات اللغوية مع غياب إعاقات حسية من شأنها أن تؤثر على النمو السليم للغة كالصمم أو الإعاقة الذهنية أو العجز الدماغي الحركي أو الاجترارية، كما أن هؤلاء الأطفال لا يعانون من إصابة دماغية أو نقص في المحفزات الخارجية (BENTON A., 1964, pp. 40-52).
أما بيشوب فيقول أنها تدهور في التطور العادي للغة والذي لا يمكن تفسيره بالإعاقة الذهنية أو الحركية، أو إعاقة سمعية أو اضطرابات نفسية
-التعريف من خلال التطور(Identification par l’évolution):
ومن رواد هذا التعريف نجد كل من لوني و(VAN HOUT) فان هوت، ومن التعريف السابق (التعريف من خلال العزل) فإن معظم الأطفال معنيون (من التأخر اللغوي البسيط حتى الحبسة الخلقية)، لكنهم ليسوا مصابين بالديسفازيا. وبهذا فإن هؤلاء الباحثين يعتقدون بأن السبب قد يكمن في التركيبة العضوية، وهذا السبب موجود من البداية، لكن التدخلات والعلاج مختلفة لدى هؤلاء
(VAN HOUT A., 2003, p. 220).
-التعريف من خلال الأعراض المميزة:
:(Identification par la spécificité des symptômes)
ومن رواد هذا التعريف نجد كل من (CLASHEN) كلاشن و(DELTOUR) دلتور، هذا التعريف يُدخل حسب هذين الباحثين في محتواه المفهوم الخاص بالديسفازيا، وهو الاضطرابات المميزة. وفي هذا الإطار قاما بإجراء مقارنة بين اللغة العفوية لطفل مصاب بتأخر لغوي بسيط، وآخر مصاب بالديسفازيا، فميزا المحتوى من الشكل للغة الطفلين.
فالطفل الذي يعاني من تأخر لغوي بسيط له رصيد لغوي ضعيف لكنه عادي، بينما الطفل الديسفازي فإن رصيده اللغوي ليس فقط ضعيف، ولكنه غير مفهوم وغامض. ويكون في هذه الحالة المحتوى معقدا والشكل ضعيفا، وبالتالي فإن كل عناصر اللغة: المفردات، النحو، التركيب، الدلالة… نجدها في مستويات مختلفة. فوجود الاضطرابات المميزة مرتبط بنوع الديسفازيا ولا نجدها مجتمعة كلها في آن واحد (CLASHEN, DELTOUR, 2004).
3- تشخيص الديسفازيا:
يعتمد التشخيص على مرحلتين:
- التشخيص بالعزل:
الديسفازيا اضطراب متميز يصيب بشكل دقيق ميدان اللغة، نجد بصفة أساسية تفكك هام بين الكفاءات اللغوية والكفاءات غير اللغوية (حركية، حسية ومعرفية). علينا إذن القول أنها عجز حاد ومزمن للإنتاجات اللغوية مع غياب إعاقات حسية من شانها ان تؤثر على النمو السليم للغة كالصمم أو الإعاقة الذهنية أو العجز الدماغي الحركي (I.M.C) أو التوحد، كما أن هؤلاء الأطفال لا يعانون من إصابة دماغية أو نقص في المحفزات الخارجية (BENTON, BISHOP, 2004)، فهي تدهور في التطور العادي للغة والذي لا يمكن تفسيره بالإعاقة الذهنية أو حركية أو إعاقة سمعية أو اضطرابات نفسية (GERARD C. L., 1994, p. 12-13).
- التشخيص الفارقي:
الديسفازيا ليست تأخر لغوي بسيط، حيث قام كل من الباحثين كلاشن ودلتور بإجراء مقارنة بين اللغة العفوية لطفل مصاب بتأخر لغوي بسيط، وآخر مصاب بالديسفازيا، فميزا المحتوى من الشكل للغة الطفلين (VAN HOUT A., 2003, p. 220).
فالطفل الذي يعاني من تأخر لغوي بسيط له رصيد لغوي ضعيف لكنه عادي، بينما الطفل المصاب بالديسفازيا فرصيده اللغوي ليس فقط ضعيف ولكنه غير مفهوم وغامض. ويكون في هذه الحالة المحتوى معقدا والشكل ضعيفا، وبالتالي فإن كل عناصر اللغة : المفردات، النحو، التركيب، الدلالة...الخ. نجدها في مستويات مختلفة، فوجود الاضطرابات المميزة مرتبط بنوع الديسفازيا ولا نجدها مجتمعة كلها في آن واحد.