الفن القصصي المعاصر:

البنية الفنيّة:
    من غير المقيد أن نعاود التّدقيق في مفهوم البنية، فذلك أمر أضحى شائعا في البحوث الأكاديميّة، ولكن سيظلّ مفيدا أن نذكّرُ بمفهوم المصطلح الذي أفاد به البنيوي الفرنسي كلود ليفي شتراوس، حيثُ يذهبُ  "أنّ البنية تحملُ أوّلا وقبل كلّ شيء طابع النسق أو النظام. فالبنية تتكون من عناصر يكون من شأن أيّ تحول يعرضُ للواحد منها أن يُحدِثَ تحولا في باقي العناصر الأخرى"[1]. هي هكذا القصّة إذا في بنيتها الفنيّة، مجموعة من العناصر التّكوينيّة تربط بينها علاقات، وأيما تحوّل في عنصر من الداخل يفضي إلى تحول في بقيّة العناصر. فالشخصيّات عنصرٌ، والمكان عنصر والزمان كذلك. ولكن في حديثنا عن البنية القصصيّة هناك مستويان منها. البنية السطحيّة، ونعني بها "كلّ ما يشكّلُ عناصر هذا الخطاب من سرد وحدث ووحدة انطباع ولحظة تنوير وغيرها، أي شكل الخطاب الذي يكسبه فنيّته ويمنحه خصائصه التي تميزه عن غيره"[2].  ومن المؤكّد أن هذه العناصر المشكلة للبنية السطحيّة تكون متكاملة فيما بينها، وما من تحوّل يمسّ إحداها إلاّ ويؤثّر ذلك على بقيّة العناصر. ويقودنا الحديث عن البنية العميقة إلى الحديث عن "الدلالات التي ينطوي عليها هذا الخطاب، إذْ ينطوي مفهوم البنية الدلاليّة على دمج البنية الشكلية بالموضوعات، ولا يغفل التحليل الداخلي للنتاج وإدراجه ضمن البنيات التاريخية والاجتماعية وغيرها"[3].
    في سياق تتبع بنية القصّة أو الحكاية في التراث العربي نجد أن المصطلحين (القصة والحكاية) يتبادلان المواقع باستمرار. فقد تُؤخذُ القصّة بمعنى الحكاية وتؤخذ الحكاية بمعنى القصّة. وهي مجموعة الأحداث الواقعيّة أو المتخيلة التي تُدرَجُ في ينية لغويّة واحدة ضمن قواعد فنيّة نتحدّث عنها لاحقا. أما القصّة في التراث الغربي فتقترن بالخيال أو الكذب، أي الأحداث المتخيّلة. وللمصطلح علاقة بالتاريخ، الذي يقتضينا سرد الأحداث التي وقعت، بالشكل الذي وقعت عليه. "فبينما يخلو السرد الإخباري من الحبكة والمعمار المسبق، فإنّ القصّة تعتمد في بنائها الفني على هذا المعمار، ولا يهمّ بعد ذلك استنادها إلى واقعة خياليّة أم واقعيّة"[4]. إن المصطلحين Histoire وNouvelle في الأدب الفرنسي يكادان يتطابقان في المعنى إذْ يُستعملان أحيانا كثيرة كمترادفين. فالتايخ يقتضي السرد والحكاية كذلك. إنّ الوقائع في الطّبيعة تبدو وكأنها سلسلة من الحوادث الغامضة، أشبه ما تكون بالمأساة الرّديئة، والأديب يكمّلُ هذا النقص ويملأ الفجوات، ويربط بينها بعلاقات سببيّة ومنطقيّة، لتتحول إلى قصّة بالمعنى الفنّي للمصطلح. فالتاريخ يمكنه أن يتقاطع مع السرد الفني للقصّة، بل يمكننا الحديث عن سردنة التاريخ وأرخنة السرد. هناك تقاطعات كثيرة بين الجنسين، فكلاهما يستفيدُ من الآخر، وينفرد كلٌّ منهما بخصائص لغويّة وفنيّة تعطيه طابعه الجواني. يروي الحكواتي أحداث القصّة كما يمكن أن تقع، ويروي المؤرخ الأحداث كما وقعتْ. يروي التاريخ الجزئي، بينما تروي القصّة الفنيّة الكلي. وذلك يمكنها من تبني رؤية للعالم، إذا تطوّرت إلى رواية. بينما التاريخ بحكم حدوده الزّمنيّة والجغرافيّة لا يعكس رؤية للعالم، وإنّما يعكس تصوّر ما، صنعته جماعة ما.
    يمكننا الآن مباشرة السؤال الذي يهمنا في هذا المقام، ما هو المعمار الفني الذي تتشكّلُ وفقه القصّة؟ أو البنية الفنيّة. لنسجّل أولا الفرق بين القصّة والرواية والقصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدا.
    يحدّثنا باختين أنّ الرواية من أشدّ الأجناس الأدبيّة تمنّعا عن التّعريف، فهي لا تكاد ترسو على شكل جمالي، حتّى تغيّر من بنيتها. إنّها جنسٌ دائم التحوّل، ولا يمكن القبض عليه في حالة ثبات. ولكن إذا أردنا أن نعرّفها بما يميّزها عن بقيّة الأجناس الأدبيّة التي تتبلّغ بالسّرد، فنقول أنها قطعة سرديّة تحكي أحداثا واقعيّة أو متخيلة، وتديرها شخصيات متعدّدة، وهي معقدة في بنيتها الكلية لتعقد وظائف الشخصيات وعلاقاتها فيما بينها. والأهمّ من كلّ ذلك أنها تعكس رؤية للعالم واضحة المعالم أو ضمنيّة. وهي تنفرد بهذه الخاصيّة. والقصّة القصيرة أقلّ منها حجما وقليلة الشخصيّات وبسيطة في علاقاتها. ولذلك فهي لا تعكس رؤية للعالم، وإنّما تعالج موقفا فرديّا من الحياة. ومن أهم خصائصها التركيز والاختزال وكثافة اللّغة إلى حدّ الشعريّة. إنّ لغة القصة والقصّة القصيرة على درجة عالية من التّكثيف الرمزي والدلالي، ما يجعلها أشبه بقصيدة شعريّة، نسبة التّخييل فيها تجعل بينها وبين الواقع النّثري مسافة. في تعريف معجم المصطلحات الأدبيّة ورد عن القصّة أنّها "سرد واقعي أو خيالي وقد يكون نثرا أو شعرا، يُقصدُ به إثارة الاهتمام والإمتاع أو تثقيف السّامعين أو القرّاء"[5]. ، من الواضح من هذا التّعريف المقتضب أنّ القصّة ذات استهلاك شعبي ونخبوي في نفس الوقت. فهي تقرأ من أجل الإمتاع والمؤانسة، كما تُقرأُ من أجل التّثقيف والتعليم أو من أجل امتلاك العالم جماليّا، وسرده وتحويله إلى وجود لغوي، قابل للتشريح والتّمثيل. وهو الهدف المتوخّى مع النخبة المختصّة.
    أمّا القصة القصيرة جدّا فقد تقتصرُ على صفحة واحدة أو نصف صفحة أو حتى جملة واحدة. وبقدر ما تكون قصيرة بقدر ما تكون مشحونة دلاليا وعاطفيا وفكريّا. ويفتح التأويل فيها أبوابا عديدة، مستغلا كلّ الإمكانيات اللغويّة والصوتيّة والمرئيّة من أجل الرسو على دلالة ممكنة. ويميل كثير من النقاد إلى جعل القصّة منطقة وسطى بين الرواية والقصّة القصيرة جدّا.  وبالتالي ف،ّنا نميل إلى أن نفرد هذه المحاضرة للقصّة من هذا المنظور، لأنها الأكثر شيوعا، وجلبا للقارئ، لتحقيقها لمبدأ اقتصاد الوقت. فالرواية طويلة وتتطلب وضعا معينا لكي تُقرأ، والقصّة القصيرة جدا موجّهة للنخبة لأنّها تتطلب قدرة على النقد وثقافة جماليّة لا يملكها القارئ العادي. أمّا القصّة، وهي أقلّ حجما من الرواية فيمكن قراءتها في ساعة أو نصف ساعة، وفي حافلة أو في قطار، أو في مقهى. وتُعتَبَرُ أداة مثاليّة لتزجية الوقت، وهي لذلك ذات استهلاك جماهيري واسع. ويمكن أن يقرأها المختص والقارئ العادي. وكلاهما يفهمها بطريقته ويتأوّلها بحسب ثقافته ومؤهلاته النّقديّة. والقصة بطبيعتها المرنة تقبل التعدّد الدّلالي خصوصا إذا كانت القصّة من صنع الخيال. يحبّ القراء أن ينفتحوا على القصص الخيالي حتّى يتخلّصوا من رتابة الواقع النثري وتناقضاته. وفي أبسط تعريف للقصة الخياليّة يمكننا أن نطمئنّ إلى كونها "الجنس الأدبي الذي يشمل القصص التي تُكتَبُ نثرا، وتصوّرُ مواقف وأحداثا من صميم خيال مؤلفها، وإن كان من الممكن أن تشبه شبها يكاد يبلغ حدّ التطابق مواقف الحياة الواقعيّة وشخصيّاتها"[6]. القاصّ يتحرى محاكاة الواقع، ولكنّه يصنعُ الحبكة ويصمّمها من خياله، وبشكلٍ مسبقٍ؛ وقد يقرر حلاّ للعقدة القصصيّة ونهاية قبل أن يبدأ في الكتابة. إنه لا يستقي الوقائع من التاريخ، ولكن من صلب الخيال، مع تحرّي التماهي معه (la vraisamblance)، من أجل أن يعطي مزيدا من الدّيناميّة لخيال القارئ.
    إنّ الغاية من القصص، ليست فقط أن يدفع القاصّ قراءه إلى التّفكير في الواقع وفي العالم، ولكن أيضا أن يجعلهم يشعرون بأوجاع الواقع وتناقضاته ومآسيه وآلامه. كما يجعلهم يستمتعون بأجمل ما فيه. ويعملون على معالجة إكراهاته، ومفارقاته. فالأدب لا يكتفي بوصف الواقع ولكن من مهامّه تغيير الواقع، وتجاوز الراهن إلى أفق من الحداثة والجدّة.

[1] -زكرياء إبراهيم، مشكلة البنية، مكتبة مصر، القاهة د ت. ص 31.
[2] -م نفسه، ص 24.
[3] -لوسيان غولدمان وآخرون، البنيويّة التكوينيّة والنقد الأدبي، ص46.
[4] -هاشم ميرغني، بنية الخطاب السردي في القصّة القصيرة، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة، السودان، ط الأولى  2008، ص44.
[5] -إبراهيم فتحي،   معجم المصطلحات الأدبيّة،التعاضديّة العماليّة للطباعة والنشر، صفاقص-تونس،طبعة 1986،  ص 273.
[6] - هاشم ميرغني، بنية الخطاب السردي في القصّة القصيرة، ص 48.


Vous avez terminé 0 % de la leçon
0%