مقدمة

       لعلّ القصّة النثريّة، وهي من حيثُ الشكل أشبه بالحكاية، من أشكال النثر القديمة في التراث العربي. فقد تواجد النثر جنبا إلى جنبٍ مع الشعر، لأهداف متعدّدة ومتباينة. ولإن كان الشعر يُراد به الإمتاع وتوثيق اليوميات والوقائع التاريخيّة، والاحتفاء بالمفاخر والأمجاد، فإنّ المراد من الحكي والقصّ، هو الواصل الاجتماعي وتحقيق المآرب. فقد كانت القوافل التجاريّة على سبيل المثال في حاجة ماسّة لتبادل الحكايات من أجل طيّ المسافات، وبعث النشاط في النّفوس فتنشط لتخطّي مشاق الرحلة.

    وعندما نزل القرآن الكريمُ وانشغل الناس بالدّعوة إلى الله، خفّ الحماس للشعر، وكان ذلك لصالح النثر، بكلّ أجناسه. وكان الدّعاة وأوّلهم الرسول صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى مخاطبة الناس نثرا وعرض القصص والحكايات من أجل العبرة والمعرفة بالتاريخ. فكانت قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أجمل القصص لقوله تعالى في مطلع سورة يوسف "نحن نقص عليك احسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين". وتنطلق بعد ذلك القصّة بأسلوبٍ معجزٍ، بالغ الإحكام، ومن خصائص الحكي في القرآن الكريم، القفز فوق التفاصيل والجزئيّات، والاقتصار على ذكر أسماء العلم الرئيسيّة، والتي لا بدّ من ذكرها، كما يسقط ذكر الأزمنة ومن الأمكنة يكتفي القآن الكريم بما هو ضروري.
    وفي السنّة النبويّة يعتمدُ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام على سرد القصص بأسلوبٍ موجز وبليغ، ومركّزٍ، مع تجنب التفاصيل المتخيّلة. مثل قصّة تميم الدّاري رضي الله عنه والتي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قصّها من قبل على أصحابه.
    وللصحابة أيضا قصص يصفون فيها الغزوات والفتوحات الإسلاميّة، والمدائن، وكلّ ذلك يعتمد على السرد الفني، غير الموغل في التّخييل. كما يقصّ المؤرخون قصص الملوك والأمراء والأبطال وما شابه ذلك. وخلاصة الأمر أنّ القصص الفني وغير الفني كان شائعا في التراث العربي، منذ العصور الجاهليّة الأولى، وقد عزّز القرآن الكريم من حضوره واتقائه إلى مراتب الجماليّة بما يحقّق تطوره وتطور أهدافه ومراميه. وبالفعل فقد تطور النثر الفني في العصر الأموي ومن بعده العباسي، بما لم يسبق له مثيل. فكانت المقامة الفنيّة والحكاية الشعبيّة والخرافة والسيرة، والرحلات، وكلّ ذلك يعدُّ تراثا أدبيا وإنسانيّا بالغ الأهميّة، ومن شأنه أن يُغذّي ذاكرة جماليّة لدى العرب تجعلهم ينافسون الأدب العالمي المعاصر، لولا القطيعة الثقافيّة التي فرضها رواد النهضة الأدبية على حركة الإصلاح في القرن 19 عشر. ومع ذلك فقد عاد رواد القصّة الفنيّة المحدثون إلى منابع التراث ليطّلعوا على ما أنجزه الأولون، وكانت تلك الحركة الارتداديّة –ويا للمفارقة- بفعل موقف الحركة الاستشراقيّة منها. كان رواد النهضة المنبهرون من الغرب يسيئون تقدير تراثهم، وعند تتلمذهم على المستشرقين، لاحظوا احتفاء القارئ الغربي بالقصص العربي، إلى درجة التقليد. هذا الموقف دفعهم إلى العودة إلى تراثهم وتصحيح الموقف منه. وهكذا أُعيد النظر في حكايات "ألف ليلة وليلة" وقصص ابن المقفع والسير والمقامات وأشكال نثريّة أخرى.

You have completed 0% of the lesson
0%