المحاضرة الأولى: معنى الصرف (الصرف وميدانه/الميزان الصرفي)

المحاضرة الأولى: معنى الصرف (الصرف وميدانه/الميزان الصرفي)

         لقد احتفى العربي بالكلمة العربية أيّما احتفاء، ولا أدَلَّ على ذلك وضعه لهذا النظام البديع والذي يعرف بعلم النحو بشقيه التركيبي والإفرادي، ليحفظ اللغة العربية من اللحن الذي ظهر على ألسنة الخاصة والعامة، ويمكِّن غير العَرَب من تعلم العربية الصحيحة.

         وإن كان علم النحو قد نشأ في ظل القراءات القرآنية، إلا أنه استقل عن هذا العلم على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت.175ه)، كما استقل علم الصرف فيما بعد عن علم النّحو على يد المازني (ت.377ه)، والذي يعتبر كتابه "التصريف" من أجل الكتب في هذا المجال، وقد حَظِي بالاهتمام من قبل ابن جني الذي قام بشرحه تحت مسمّى "المنصف".

         فما معنى الصرف(التصريف) في عرف أهل اللغة؟ وما معناه في اصطلاح الصرفيين؟

1. معنى الصَّرْف أو التصريف:

1.1 الصَّرْفُ لُغة: من "صَرَفَهُ يَصْرِفُهُ: رَدّهُ... وتَصريفِ الآيات تَبيينُها... وفي الكلام: اشتقاق بعضه من بعض، وفي الرياح تحويلها من وجه إلى وجه... وصَرَّفتهُ في الأمر تَصريفا، فَتَصَرَّفَ قَلَّبتهُ فَتَقَلَّبَ" 1.

والصَّرْفُ: "ردُّ الشيء من حالة إلى حالة أو إبداله بغيره، يُقال صَرَفتُهُ فانْصَرَفَ...والتَّصريف كالصَّرف إلا في التَّكْثير وأكثر ما يُقال في صرف الشيء من حالة إلى حالة...ﱡﭐﱢﱣ  البقرة:164، هو صرفها من حال إلى حال" 2. فالصرف أوالتَّصريفُ يعني: التحويل والتقلب والتبديل.

         2.1 الصرف اصطلاحا: فهو "تغيير يلحق ذواتِ الكلم وأنفسَها " 3 وذلك التغيير نحو: التثنية والجمع والنَّسَبُ وما إلى ذلك...وعرَّفَهُ ابن الحاجب بأنه "علم بأصول تُعرَف بها أحوال أبنية الكَلِمِ التي ليست بإعراب" 4 أي معرفة بنية الكلمة المفردة وما يلحقها من تغيير، كالقلب والحذف والزيادة مثال ذلك: قال من قول تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت الفا. وقال ابن عصفور إنه "ينقسم قسمين: أحدهما جَعْل الكلمة على صيغٍ مختلفة لضروب من المعاني، نحو: ضَرَبَ، وضَرَّبَ، وتَضَرَّبَ...واضْطَرَبَ... والآخر: تغيير الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغيير دالا على معنى طارئ على الكلمة" 5. ويتعلق ذلك بالقلب و       الإبدال وغيرهما.

__________________________

 ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة، الطاهر أحمد الزاوي، ط3، 1980 – الدار العربية للكتاب، ج2، ص817.          

2 المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني (أبو القاسم بن حسين بن محمد)، راجعه وقدم له: وائل أحمد عبد الرحمن، المكتبة التوفيقية – القاهرة، ص 283.

3 التكملة لأبي علي الفارسي (ابن أحمد بن عبد الغفار النحوي)، تحقيق ودراسة: كاظم بحر المرجان، ط2، 1419ه – 1999م، عالم الكتب للطباعة والنشر بيروت – لبنان، ج1، ص 181.

4 شرح شافية ابن الحاجب، لرضي الدين محمد بن الحسن الاسترابادي، تح: محمد محي الدين عبد الحميد ومحمد نور الحسن ومحمد الزفزاف، سنة الطبع 1402- 1982، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، ج1، ص 1.

5 الممتع في التصريف، ابن عصفور، تح: فخر الدين قباوة، ط4، 1399ه – 1979م، منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت، ج1، ص 31، 32.

2. الصرف وميدانه: يعالج علم الصرف أبنية الأسماء المعرَبة مثل: زيد وجعفر ويوسف وفتى ومصطفى والقاضي، والأفعال المتصرِّفة مثل: ذهب، يذهب، واذهب، ومدّ، يمدّ، وامدد، وقضى، يقضي، اقض، وأما حروف المعاني كحروف الجر، فلا يدخُلُها التصريف، وفي هذا يقول ابن جني (ت.392ه): "والحروف لا يصحُّ فيها التصريف والاشتقاق، لأنها مجهولة الأصول، وإنما هي كالأصوات نحو: "صَهْ" و "مَهْ" ونحوِهما. فالحروف لا تُمَثَّلُ بالفعل لأنها لا يُعرف لها اشتقاق. فلو قال لك قائل: ما مثال "هل" أو"قدْ" أو "حتَّى"... ونحو ذلك لكانت مسألته محالا، وكنت تقول له: إن هذا لا يُمَثَّل لأنه ليس بمشتق، إلا أن تنقلَها إلى التسمية بها فحينئذ يجوز وزنها بالفعل، فأما وهي ماهي عليه من الحرفية فلا تصرّف" 1... والأسماء العريقة في البناء كأسماء الاستفهام وأسماء الشرط، والأفعال الجامدة مثل "عَسَى" و "يَنْبَغِي".

3. الميزان الصّرفي: أو ما يُسَمّى بالمثال. وهو ميزان وضعه الصّرفيون لوزن الكلمات العربية ومعرفة أصولها وزوائدها، وقد اختاروا له لفظ "ف.ع. ل" على أن يُقابَل الأصليَّ بالأصليِّ والزائد بالزائد؛ فوزن "عَلِمَ": "فَعِلَ" و "نَصَرَ": "فَعَلَ"، و "ظَرُفَ": "فَعُلَ"، و "عَالِم": "فَاعِل" ومَنْصور: مفعول، وعلَّمَهُ: فَعَّلَه، واسْتَنصَرَ: اسْتَفْعَل، وعِدَةً: عِلَةً، وقُل: فُلْ، وقِه: عِه من وقى ووعى وهكذا. يقول ابن عصفور (ت.669هـ): " اعلم أنّك إذا أرَدت أن تبيّن وزن الكلمة من الفعل، عمَدْتَ إلى الكلمة فجعلت في مُقَابَلَةِ الأصول منها الفاء والعين واللام؛ فتجعلَ الفاءَ في مقابلةِ الأصل الأوّلِ، والعينَ في مقابلة الثاني، واللّام في مقابلة الثّالث. فإن فَنِيَتِ الفاء والعين واللام ولم تَفْنَ الأصولُ كرّرت اللام في الوزن، على حَسَبِ ما بقي لك من الأصولِ. حتى تَفْنَى. وأمّا الزّوائد فلا يخلو أن تكون مكرّرة من لفظ الأصل، أو لا تكون. فإن لم تكن مكرّرة من لفظ الأصل أبقيتها في المثال، على لفظها، ولم تجعل في مقابلتها شيئا. وإن كانت مكررة من لفظ الأصل وزنتها بالحرف الذي تزن به الأصل الذي تكررت منه" 2.

بعد الإجمال نأتي لنفصّل في أوزان الأبنية أفعالا كانت أم أسماءً، ثلاثية أم رباعية أم خماسية، مُجردة أم مزيدة ولنبدأ بالثلاثي.

1.3 وزن الكلمة الثلاثية الأصول: لقد اعتبر علماء الصرف أصول الكلمات العربية ثلاثة أحرف، لأنها "أكثر استعمالا وأعدلها تركيبا؛ وذلك لأنه حرف يبتدأ به وحرف يحشى به وحرف يوقف عليه " 3، فإذا أردت أن تزن كلمة لتعلم الأصل منها والزائد فعليك بمقابلة أصول الكلمة الثلاثية التي تريد وزنها بأحرف الميزان (الفاء، والعين، واللام) مع مراعاة حركاتها وسكناتها وعدد حروفها فتقول في وزن زَيْد: فَعْل، وجَبَل: فَعَل، وقُفْل: فُعْل، وضَرَبَ: فَعَلَ، وعَلِمَ: فَعِلَ، وظَرُفَ: فَعُلَ. وفي كل كلمة من هذه الكلمات وأمثالها، تسمي الحرف الأول فاء الكلمة، والثاني عين الكلمة، والثالث لام الكلمة 4. ولأن حروف الكلمات المذكورة أصلية جعلت حرف الفاء والعين واللام في مقابل الأصول حتى فنيت.

_________________  

المنصف لابن جني، تح: إبراهيم مصطفى وعبد الله امين، ط1، 1373ه - 1954م، القدس للنشر والتوزيع، م1، ص7.

2 انظر: الممتع في التصريف لابن عصفور، ج1، ص 308 و309، وانظر: شرح شافية ابن الحاجب، ج1، ص 10.

3 نقلا عن كتاب الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (أبو الفضل عبد الرحمان بن الكمال أبو بكر جلال الدين) راجعه وقدم له فايز ترحيني، ط1، 1404ه-1984م، دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، ج2، ص165. 

4 المدخل إلى علم النحو والصرف، لعبد العزيز عتيق، د/ط، د/ت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص11.

2.3 وزن ما زاد عن ثلاثة أحرف من الكلمات 1: قد تكون الكلمة رباعية الأصول، أو خماسية، أو تكون مزيدة والزيادة فيها ناشئة عن تكرار حرف من أصول الكلمة، أو تكون الزيادة من حروف سَألتمونيها.

·       فإن كانت الكلمة رباعية الأصول أو خماسية، تزيد على أحرف الميزان (الفعل) لَاما تُقابل بها الحرف الرابع الأخير والأصيل في الكلمة الرباعية نحو: جَعْفَر بوزن: فَعْلَل، وفُلْفُل بوزن: فُعْلُل، ودِرْهم: فعلل، وزِبْرِج: فِعْلِل.

وفِطَحْل 2: فِعَلّْ، ودَحْرَجَ وحَمْدَلَ ودَمْدَمَ وبَعْثَرَ كلها بوزن: فَعْلَلَ. وقس على ذلك كل لفظ يجيء على هذه الشاكلة.

   والجدول التالي يوضح علاقة الميزان بالمثال الرباعي.

الكلمة

وزنها

نوعها

الحرف الأصلي في الكلمة

الحرف الزائد في الميزان

جَعْفَر

فَعْلَل

اسم

            الراء           

اللام الأخيرة

فِطَحْل

فِعَلّ (فِعَلْل)

اسم

اللام

اللام الأخيرة

دَحْرَجَ

فعْلَلَ

فِعْل

الجيم

اللام الأخيرة

 

·       وإن كانت خماسية تزيد لامين اثنين تُقابل بهما الحرفين الرابع والخامس في الكلمة مثال ذلك: غَضَنْفَر (الأسد) بوزن فَعَلَّل، وكذا زَبَرْجَد (الزمرد من الجواهر)، وجَحَنْفَل 3، وشَمَرْدَل 4. أمّا خُزَعْبِل 5 فوزنه فُعَلِّل، وكذا قُذَعْمِل 6، وجِرْدَحْل 7 بوزن فِعْلَلّْ، وجَحْمَرِشْ 8: فَعْلَلِلْ. والجدول الآتي يوضح ذلك.

الكلمة

وزنها

نوعها

الحرفان الأصليان

ما يقابلها في الميزان (زائد)

غَضَنْفَر

فَعَلَّلْ (فَعَلْلَلْ)

اسم

الفاء والراء

اللام الرابعة والخامسة زائدتان في الميزان

خُزَعْبِلْ

فُعَلِّلْ (فُعَلْلِلْ)

اسم

الباء واللام

اللام الرابعة والخامسة زائدتان في الميزان

جِرْدَحْل

فِعْلَلّْ

اسم

الحاء واللام

اللام الرابعة والخامسة زائدتان في الميزان

جَحْمَرِشْ

فَعْلَلِلْ

اسم

الراء والشين

اللام الرابعة والخامسة زائدتان في الميزان

____________________

1 المدخل إلى علم النحو والصرف، ص12.

2 قِطَحْل: اسم زمن قديم. انظر: الممتع، ج1، ص67.   

3 جحنفل: غليظ الشفتين، الممتع، ج1، ص70.

4 شَمَرْدَل: الطويل، المصدر نفسه. ج1، ص70.

5 خُزَعْبِل: الفكاهة والمزاح، المصدر نفسه. ج1، ص70.

6 قُذَعْمِل: الناقة الشديدة، المصدر نفسه. ج1، ص70.

7 جِرْدَحْل: الضخم من الإبل، المصدر نفسه. ج1، ص70.

8 جَحْمَرِش: العجوز المسنة، المصدر نفسه. ج1، ص70.

·       وإذا كانت زيادة الكلمة التي يراد وزنها ناشئة من تكرار حرف من أصول الكلمة؛ فإن وزنها يكون بتكرار ذات الحرف في الميزان نحو قوله تعالى: ﱡﭐﱈﱉﱊﱋﱌ يوسف: 23، فَغَلَّقَ بوزن فَعَّلَ حيث كُرر حرف اللام في المثال فتكرر في الميزان (فَعَّل).

·       وإن كانت الزيادة في الكلمة التي يراد وزنها ناشئة من حروف "سألتمونيها"؛ فإنك تقابل الأصول في الكلمة بأحرف الميزان (الفاء والعين واللام) أما الزائدة فتقابلها بلفظها، نحو: أَكْرَم بوزن: أَفْعَل وقَاتَل: فَاعَل، وجَوْهَر: فَوْعَل، وكاتب: فاعل، وانقطع: انفعل، وتقاتل: تفاعل، وعُوتبَ: فُوعل، ومجتهد: مفتعل، واستخرج: استفعل، وانطلاق: انفعال، ومَرْكَبْ: مَفْعَل، ومِقْلَمَة: مِفْعَلة وهكذا.

فماذا عن المبدل من تاء افتعل كاصطلح؟ الجواب: تزنه بالأصل قبل التغيير (اصتلح). 

         وماذا عن المحذوف؟ الجواب: يَسْقُط الحرف في الميزان كما سَقَط في المثال، نحو: ﭐﱡﭐﲩﲪﲫﲬﲭ البقرة: 267. "فيعدكم" بوزن يَعِلكم سقطت فاء الكلمة الممثلة في الواو "يَوْعِدكم" فسقطت في الميزان "يَعِلُكم" وكذا في داعٍ، فاعٍ. وثقه: عِلَه وأصلهما الداعي والوِثْقه وإليك الجدول الموضح لهذه المسائل.

 

الكلمة

وزنها

نوعها

موضع الزيادة

الحرف الزائد في المثال والميزان

أكرم

اَفْعَل

فعل مزيد بحرف

حرف سابق للفاء

همزة القطع (التعدية)

قَاتَل

فَاعَل

فعل مزيد بحرف

حرف تال للفاء

الألف (ألف المشاركة)

جَوهر

فَوْعَل

اسم مزيد بحرف

حرف تال لفاء الكلمة

الواو

كاتب

فَاعِل

اسم فاعل مزيد بحرف

حرف تال للفاء

الالف

انقطع

انْفَعَل

فعل مزيد بحرفين

حرفان قبل الفاء

الألف والنون

تَقَاتَل

تَفَاعَل

فعل مزيد بحرفين

حرف سابق للفاء وآخر بعد الفاء

التاء والألف

عُوتِب

فُوعِل

فعل مبني للمجهول

حرف تال للفاء

الواو

مُجْتهد

مُفْتَعِل

اسم فاعل مزيد بحرفين

حرف سابق للفاء وآخر بعد الفاء

الميم والتاء

استخرج

اسْتَفْعَل

فعل مزيد بثلاثة أحرف

سابقة للفاء

الألف والسين والتاء

انطلاق

انفعال

اسم (مصدر)

حرفان سابقان للفاء والآخر بعد العين

الألف والنون والألف

مَرْكَب

مَفْعَل

اسم موضع

حرف سابق للفاء

الميم

مقلمة

مِفْعَلَة

اسم آلة

حرف سابق للفاء والآخر بعد اللام

الميم والتاء

اصْطَلَح

افتعل   

فعل مزيد بحرفين

حرف سابق للفاء والآخر لاحق للفاء

الألف والتاء المبدلة طاء

والسِؤال: ما فائدة وزن الكلمة "بالفعل"؟

الجواب: هو معرفة الزّائد من الأصلي 1، على طريق الاختصار كما رأينا في أكرم وغضنفر واستخرج ... وغيرها؛ فقولك "أَفْعَل" كـ: أَحْمَد وأَكْرَم قد قضيت بزيادة الهمزة دون قولك الهمزة زائدة، وهذا هو الاختصار. وكَرَّم بوزن "فَعَّلَ"؛ فالزيادة من جنس الكلمة حيث كررت العين في المثال كما في الميزان.   

نماذج من الأسئلة

س1: ما معنى الصرف اصطلاحا؟

س2: هل يعنى علم الصرف بالأسماء المبنية؟ ولماذا؟

س3: ما ميدان علم الصرف؟

س4: عرف الميزان الصرفي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

    

__________________________

  انظر: شرح شافية ابن الحاجب، الرضي، ج1، ص 12 و13.