المحاضرة الثامنة: المنهج التاريخي
لمحاضرة 7
المحاضرة الثامنة: المنهج التاريخي
(المنهج التاريخي)
هناك مجموعة من المناهج الأساسية في تاريخ الدرس اللغوي يجب على الباحث الإلمام بها ومعرفة حدودها ، وكيفية الإفادة منها في التحليل اللغوي، كما يجب عليه أيضا أن يختار المنهج الذي يتناسب والموضوع الذي يبحث فيه، وربما يتبنى أكثر من منهج، وهذا راجع إلى طبيعة الظاهرة اللغوية التي يدرسها، وهذه المناهج كالتالي.
أولا: المنهج التاريخي:
مفهومه: يقوم المنهج التاريخي بدراسة اللغة وتتبعها في عصور مختلفة وأماكن متعددة ليرى ما أصابها من التطور، محاولا الوقوف على سر هذا التطور وقوانينه المختلفة، أي أن البحث اللغوي التاريخي يحاول بالضرورة أن يحصر التغيرات التي تكون قد طرأت على اللغة، ويكون ذلك في شتى الأوقات والمجالات المتعلقة بها، "وهذا التغير يحدث في كل الاتجاهات ( النماذج الصوتية والتراكيب الصرفية والنحوية والمفردات)، ولكن ليس على مستوى واحد ولا طبقا لنظام معين ثابت، وهذه التغيرات تعتمد على مجموعة من العوامل التاريخية"، فأساس العمل وفق المنهج التاريخي هو تتبع الظاهرة اللغوية على فترات من الزمن للوقوف على ما أصاب اللغة من تطور أو تغير في مختلف المستويات، في إطار المنهج التاريخي يسعى جاهدا إلى تتبع ما حدث للغة مع شرحه، ثم تحديد أسباب ذلك، ومن ثمة الوصول إلى تعميمات قد تكون مادة أساسية فيما يستقبل من تغيرات.
قضايا المنهج التاريخي:
_ تطور اللغة الواحدة عبر القرون في جميع جوانبها.
_ حركة اللغة وتطورها على مرالأزمنة وتغير الأمكنة.
_ تطور اللغة وحياتها في المجتمع.
_ ارتباط اللغة بوظيفتها في الجماعة اللغوية
_ مستويات الاستخدام اللغوي المختلفة في حياة كل لغة.
_ أثر الاستخدام اللغوي في بنيتها.
_ أهمية اللغة الحضارية مكانتها بين اللغات.
_ الأصول التاريخية لكثير من الظواهر اللغوية.
_ التغيرات التي تطرأ على أنظمة اللغة في مستوياتها الأربعة: الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، مع رصد العوامل المؤثرة في تلك التغيرات.
ومن الأمثلة التوضيحية عن بعض القضايا اللغوية التي يعالجها المنهج التاريخي:
ـ استحداث بعض الألفاظ والعبارات لم تكن موجودة في الأصل اللغوي، ومن ذلك ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من كلمات وجمل استحدثها، ولم تسمع قبله نحو: حمي الوطيس، لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين.
ـ ومن الدراسات التاريخية الصوتية تطور صوت الجيم في مصر إلى صوت آخر يشبه القاف، وهو موجود في بعض اللهجات الجزائرية، وهذا الصوت غير موجود في العربية.
ـ التطور الدلالي لبعض الألفاظ مثل كلمة الحج فقد كانت تعني القصد إلى أي مكان، ثم تطورت وأخذت دلالة جديدة في العصر الإسلامي، وأصبحت ركنا من أركان الإسلام وهي تدل على القصد إلى بيت الله الحرام.
سمات المنهج التاريخي في دراسة اللغة:
يتميز المنهج التاريخي بخصائص وصفات تفرده عن بقية المناهج اللغوية الأخرى في دراسته للغة، وهي كالآتي:
أـ الإهتمام باللغة المكتوبة: يعتمد المنهج التاريخي على اللغة المكتوبة لا المنطوقة لأن المكتوب "هو الجزء الثابت من اللغة الذي يمكن أن يخزن، عكس الخطاب المنطوق الذي يزول بمجرد الانتهاء من الحديث " فاللغة غير مسجلة، وإنما نقلت إلينا بواسطة الخط المكتوب.
ب ـ الزمان: من أهم الأسس التي اعتمد عليها علم اللغة التاريخي في التحليل "هو الحركية والتطور، أي أن الظاهرة اللغوية في تغير وتطور مستمر، لذا لا بد من تتبع وتفحص تاريخها، وذلك على كل مستوياتها، فيحدد الباحث تطورها واندثارها وانحسارها وصراعها مع اللغات الأخرى، وما آل إليه هذا الصراع" وذلك في مراحل زمنية مختلفة لبيان التغيرات التي لحقتها، وتحديد الأسباب والنتائج
ج ـ المكان: لا يحدد المنهج التاريخي المكان عكس المنهج الوصفي" فيبحث اللغوي في المنهج التاريخي على كل المصادر التي تذكر أو تتكلم عن اللغة في فترة من الفترات، فيأخذ الذين يعتمدون على هذا المنهج بكل ما هو موجود في المصادر مهما كان مكانها المهم أن تنتمي إلى اللغة المذكورة، فالوظيفة الأساسية في هذا المنهج هي أن يمر الباحث بالأزمان المتعددة، والأماكن التي عاشت فيها اللغة شرط عدم تجاوز المراحل الزمنية المحددة، ولا المكان والمستوى المحددين، لكي لا تضطرب النتائج".
خطوات المنهج التاريخي في دراسة اللغة:
من أهم خطوات المنهج التاريخي ما يلي:
1 تحديد موضوع الدراسة: يكون هذا التحديد وفقا لما هو متعارف عليه، لكن أهميته تعود إلى ضرورة تحديد مكان وزمان اللغة المراد دراستها، ومن ثمة تبنى بعض الفروض التي يجب إثباتها في حدود المنهج العلمي المعترف به.
2 الاستقراء: وهو جمع البيانات والمعلومات التي تتصل باللغة المدروسة، والمنهج التاريخي يبحث في كل ما ورد عن اللغة في النقوش والمصادر المكتوبة، ففي اللغة العربية يجب العودة إلى أمهات الكتب كما يمكن العودة إلى النقوش كالتي في حجر النمارة وأم الجمال، إضافة إلى مصادرها "القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر الجاهلي"
3 نقد مصادر المعلومات: إذ لا يكتفي الباحث في المنهج التاريخي بالمصادر والوثائق على أنها حقيقة ويقين مطلق، بل هو ملزم بنقدها خارجيا عن طريق توخي البحث عن صحة نسب الوثيقة والقول والمصدر، وداخليا بتحديد المضمون الفعلي للوثيقة، ومدى تجانسها وعدم تناقض محتوياتها.
4 الاستدلال واستخراج القوانين المطردة: بعد الانتهاء من عملية النقد يلجأ الباحث إلى تأليف المادة المتناثرة وجعلها في نسق متجانس، ويظهر في هذه الخطوة دور الاستدلال فيشرح اللبس برده إلى أصوله وعلله، ويكمل إن اقتضى الأمر ما تبقى من أجزاء حلقات اللغة إن لم يعثر على مادة موافقة لتلك الحلقة المفقودة من اللغة.