المحاضرة السادسة: مناهج البحث اللغوي في التراث1
المحاضرة السادسة: مناهج البحث اللغوي في التراث
المحاضرة السادسة: مناهج البحث اللغوي في التراث
مناهج البحث في التراث
يعد المنهج الموجه والمحرك الأساسي لموضوع البحث، إذ يستحيل بدونه الوصول إلى نتائج دقيقة ويقينية، وعليه كان لزاما على كل باحث أن يحدد منهج بحثه مسبقا، ليتحدد بحثه، ومن هنا يتبادر إلى الأذهان كيف كان التراثيون أو العلماء القدامى يتعاملون مع البحث اللغوي؟ وما هي طبيعة المناهج المستخدمة قديما في البحث اللغوي عموما، وعند العرب خصوصا ؟ وماهي ملامحها وخصائصها؟
البدايات الأولى لاستخدام المنهج في البحث اللغوي:
عند الأمم غير العربية: تشير الدراسات ومن بينها دراسة محمود سليمان ياقوت في كتابه" مناهج البحث اللغوي إلى أن الهنود كانوا السباقين في احتضان الدرس اللغوي عبر دراسة لغتهم الهندية القديمة "السنسكريتية" التي هي لغة كتابهم المقدس "الفيدا"، وهي أقدم الدراسات التي وصلت إلينا والتي تعود بداياتها إلى القرن السابع قبل الميلاد، حيث اهتموا بوصف لغتهم وتسجيلها وتحليلها كما وردت في نصوصهم، فدرسوا أصواتها واشتقاق الكلمات، ونحوها، ومعجمها وغيرها، ووصلوا إلى نتائج مهمة ودقيقة فيما يخص قوانين لغتهم وخصائصها. وأثارت استحسان علماء اللغة المحدثين، وعيه يعد الهنود الأمة السباقة إلى وضع ملامح المنهج الوصفي الذي نادى به سوسير فيما بعد قرون.
الإغريق: طغت الدراسة المعيارية على لغتهم، ومن خصائص دراساتهم أنهم كانوا ينظرون إلى لغتهم نظرة مثالية، وأنها أفضل لغات العالم، فرسموا لها معايير كما يجب أن تكون لا كما هي عليه بالفعل في الواقع، حتى لا تفقد صورتها المثالية، فحددوا لها ضوابط صارمة لحمايتها من أشكال الانحراف، وكانوا ينظرون إلى لغتهم على أساس كونها ثابتة لا تتطور ولا تتغير، لأن التطور في رأيهم يؤدي إلى فساد، وبالتالي لا يسمح لأحد بتغيير نظامها الثابت، فضبطوا نحوها بقواعد منطقية مبنية على نماذج لغوية محددة، لا يجب الخروج عنها، وبالتالي كانت ملامح المنهج المعياري واضحة في دراستهم للغة، وعموما كان هذا المنهج طاغيا في الدراسات التقليدية عند الأمم بما فيها اليونانيون في تلك الفترة التي اهتمت بالجانب المكتوب على حساب المنطوق.
بعدها سادت الدراسات التاريخية والدراسات المقارنة في فترة ما قبل انبثاق منهج سوسير الذي اتخذ توجها جديدا في دراسة اللغة، وقد أنجزت بعض البحوث التاريخية، وأخرى مقارنة بهدف مقارنة اللغات، حيث اهتم اللغويون بدراسة نصوص اللغات القديمة كاليونانية واللاتنية، وأهملوا بذلك اللغات الحديثة كونها معرضة للتغير، لاعتقادهم بأن اللغات المكتوبة تمتاز بالثبات ما يسمح بدراستها على المنوال الصحيح، ولقد شهدت فترة نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر تطورا ونضجا كبيرا في مفاهيم وآليات المنهج التاريخي وخصوصا على يد العالم "غريم"، ويختص هذا المنهج بدراسة التطور اللغوي عبر فترات وأزمنة متعددة ومختلفة، ورصد التغيرات التي طرأت على البنى الداخلية للظاهرة والبحث عن أسبابها وتفسيرها.
وبالتزامن مع الدراسات التاريخية ، نشطت الدراسات المقارنة التي كانت مصاحبة لها لحاجتها إليها، وسرعان ما تطورت ولقيت رواجا كبيرا في القرن التاسع عشر حيث عرفت نهضتها الحقيقية بفضل الدراسات الجادة التي قام بها وليام جونز. الذي كان قاضيا في المحكمة العليا في البنغال "الهند"، وهذا حين كشف الغطاء عن السنسكريتية القديمة ودرسها، فاكتشف وجود صلة وثيقة بينها وبين اللغات الأوربية واليونانية، وبفضل ذلك تمكن العلماء من تقسيم اللغات المختلفة إلى فصائل وأسر لغوية لوجود أوجه تشابه كبيرة بينها، فافترضوا وجود أصل مشترك "لغة أصل" أو "لغة أم" تفرعت منها تلك اللغات عبر مرور الزمن، أصل هندي اوربي بالنسبة لفصيلة اللغات الهندأوربية، وأصل سامي بالنسبة لفصيلة اللغات السامية.