المحاضرة الخامسة: الاستدلال والاستشهاد

الاستشهاد والاستدلال ‍

الاستشهاد:  وهو الإتيان بالشواهد العلمية من مصادرها المختلفة، والمتمثلة في القرآن الكريم، الحديث النبوي، كلام العرب شعره ونثره، وهذه الشواهد كان علماؤنا اللغويون العرب يستندون عليها في تأسيس العلوم اللغوية وتقعيدها، وقد عرفت تلك الفترة في تاريخ اللغة العربية بفترة الفصاحة العربية أي فترة النقاء اللغوي، وسميت كذلك بعصر الاحتجاج، لأن العلماء كانوا يتخذون من الاستشهاد أداة أساسية للاحتجاج من أجل وضع قوانين العربية، أي أنهم كانوا يحتجون بالشواهد النقية كأدلة لوضع الأحكام والقواعد وإثباتها.

وبالتالي كان الاستشهاد في فترة الاحتجاج من أجل بناء القاعدة، وبانتهاء عصر الاحتجاج، الذي حدد من منتصف القرن الثاني بالنسبة للحضر" المدن" إلى نهاية القرن الرابع بالنسبة للمدر "أعراب البوادي" صارت وظيفة الاستشهاد هو تدعيم الحكم وإثبات صحته أو دحضه، وصار معيارا للتصويب والتأييد أو المعارضة والمخالفة.

ومع تقدم الزمن صار للاستشهاد  تسمية شبه مرادفة له، وهي الاقتباس وهو مصطلح يستخدم بكثرة في منهجية البحث في يومنا هذا، وهو عملية أخذ  أو نقل النصوص باختلاف أنواعها من الكتب (المصادر والمراجع) مع مراعاة شروط منهجية وعلمية حددها المختصون في البحث الأكاديمي منها:

_ عدم الإفراط في الاقتباسات (كثرة الاقتباسات) أثناء تحرير البحث حتى لا تسقط منه سمة الباحث، فيصير مجرد ناقل أو جامع للنصوص وهذا مخل للمنهجية.

_ عدم تجميع النصوص في المتن دون هدف يخدم البحث، أو دون علاقة تربط بينها وتبرر حضورها، لأن الهدف من النصوص المستشهد بها، هو تدعيم الأفكار أو تفنيدها، وكذا إثراء التحليل والاستنتاج.

_ الالتزام بالأمانة العلمية أثناء الاقتباس أو الاستشهاد بالنصوص عبر إحالتها إلى أصحابها.

وحتى لا تختلط النصوص المقتبسة أو المستشهد بها باللغة التحليلية للباحث تم وضع منهجية شكلية خاصة بالاقتباس وهي:

_ وضع علامة التنصيص الدالة على الاقتباس وهي الشولتين " " أو المزدوجتين        «» .

الإحالة: وهي إسناد النص المقتبس إلى صاحبه، وأمام الباحث طريقتين للإحالة

 أ _ إحالة خارجية: وهي إسناد النص المقتبس من خلال توثيق المعلومات الخاصة بكتابه مصدرا كان أو مرجعا في الهامش (ذكر كل معلومات النشر).

ب إحالة داخلية: وتنقسم إلى قسمين:

1 إحالة صريحة مباشرة: وهي ذكر صاحب النص المستشهد به مباشرة في المتن، أي التصريح باسم صاحب النص أثناء الاستشهاد بالنص وكتابته، ومثال ذلك: يقول عبد الرحمن الحاج صالح عن نظريته الخليلية الحديثة: "....." أو نقول ويرى تمام حسان:" .......

2 إحالة ضمنية غير صريحة: وتتم بدمج النص المستشهد به بلغته أو بفكرته فقط بجانب لغة الباحث دون التصريح بصاحبه، ويتم ذكرها فقط في الهامش.

4الاستدلال: من استدل أي استدل بشيء على آخر، بمعنى وجد في الشيء ما يدل عليه، أما في ميدان البحث، فهو آلية من آليات المنطق، أي أن الباحث يصل إلى استنتاج فكري منطقي بعد سلسلة من العمليات الاستدلالية في المنهج الاستدلالي ككل، فقد تكون العملية الاستدلالية المنتهجة  في البحث عن طريق الاستقراء، للوصول إلى بناء النتيجة، أو وضع القانون، وقد تكون العكس باعتماد الاستنباط، وقد تحتاج بعض القضايا أو الظواهر إلى ضم الشكلين معا للوصول حقائقها، بحيث قد تكون نتائج الاستقراء عبارة عن منطلقات للمنهج الاستنباطي، وقد يكون العكس، كما قد يتخذ الاستدلال شكلا آخر في سعيه لإقامة الدليل، وهو المنهج الإحصائي كاعتماد بيانات رياضية رقمية للوصول إلى استنتاج رقمي كمي في البحوث الميدانية مثلا.

                                   فالاستدلال إذن عملية فكرية شاملة لعدة عمليات منتهجة تتخذها كأشكال استدلالية للوصول إلى الحقائق العلمية للظواهر، وحل المشكلات بطريقة منطقية مقبولة، وينتقل من نتائج معروفة ومعلومة للوصول إلى نتائج كانت مجهولة وغير معروفة.