مفاهيم النص السردي المعاصر
السرد:
أ- السرد:
ماذا يعني السرد؟ ما هي مقوماته الأساسيّة، ما هي الأجناس الأدبيّة الأكثر توظيفا للسرد؟ إنها الرواية أو القصّة ومن هنا فالسرد في أبسط تعريفٍ له هو. "وسيلة اتّصال تعرض تتابع أحداث تسببت فيها، أو جربتها الشخصيّات"[1]. هو إذا الحكي واستظهار تتابع الأحداث، وتطورها من وضع إلى آخر باتّجاه انفراج العقدة والرسوّ عند حلٍّ. والذي يقوم بعمليّة السرد ويخبر عن الأحداث والشخصيّات يسمّى السّارد. والسؤال الآن، كيف يتجلّى السّارد من خلال الخطاب؟ هل له صوت؟ هل يتدخل في عملية الحكي؟ يمكننا تحسس صوت السارد، إذا كان لا يختفي وراء الشخصيّات، وفي السرد السير-ذاتي كذلك يطغى صوته. إننا نبحث عن صوت السارد من خلال السؤال: من يتحدّث؟ غير أن هذا الصوت يتفاوت وضوحه من نص إلى آخر. "يمكننا أن نقول أن السارد المتواري يجب أن يكون غير واضح وغير جليّ، وغير متميّز؛ السارد الذي يتوارى في الخلفيّة ربما يموه نفسه ويلوذ في الاختفاء"[2]. كيف يفعل ذلك؟ يحاول ألاّ يجلب الانتباه إلى حضوره.
تناول جيرار جينيت (1972) مصطلح السرد بالدراسة وسماه صوتا. أي الصوت السردي ويعني القائم بفعل السرد. السرد إذا "هو النشاط السردي الذي يضطلع به الراوي وهو يروي حكاية ويصوغ الخطاب الناقل لها"[3]. يميز جيرار جينيت بين فعل الكتابة الذي ينجزه الكاتب وهو فعل حقيقي، وبين فعل السرد الذي ينفذه الراوي وهو فعل متخيل. وينجم عن فعل السرد المتخيل الخطاب القصصي أو الروائي أو الحكاية. وفي السرد التخييلي لا نتحدث عن أحدهما بمعزل عن الآخر، فوجودهما متلازم. لا يوجد سردٌ لا يُنتج خطابا قصصيا مثلا أو نصا روائيا. إذا الخطاب القصصي يتشكّل من ثلاثة أركان ""هي السرد والحكاية والخطاب أو الملفوظ"[4]. السرد هو الحكي والقص والرواية أما الحكاية فهي الحبكة، أو مجمل الأحداث، والخطاب هو الوعاء اللغوي الذي يحتوي الحكاية.
بؤرة السرد:
هو مصطلح شائع في الدراسات السردية، وقد استعمله كلّ من "كلينث بروكس" و"روبرت وارن" ويقصدان به وجهة النظر الشخصيّة. "أي تلك التي تتعلق برؤيتها الداخلية الخاصة للأشياء. فكل ما يُسرد ويوصفُ نابعٌ من هذه الشخصيّة، ملونٌ بوجهة نظرها، حتى أن جانيت صاغ مصطلحه الخاص التبئير من مصطلح بؤرة السرد؛ إذ التبئير الخالص هو ذاك الذي يرتبط ببؤرة الشخصية مقابل التبئير الصفري الذي لا يرتبط بنقطة معينة، أو بؤرة مخصوصة ينظر منها إلى الأشياء"[5]. من حيث الجذر اللغوي للمصطلح فالبؤرة تعني الحفرة من الفعل بأر يبأر بؤرة أي حفر حفرة. واصطلاحا هي "عملية جعل العنصر أو المكون بؤرة في الكلام"[6]. أول من اقترح هذه الترجمة هو اللساني الوظيفي التداولي أحمد المتوكل، ثم شاعت من بعده بين اللسانيين العرب.
التبئير الداخلي هو أن تعرض الأحداث من وجهة نظر شخصيّة داخلية. ةوالتبئير أداة لاختيار وتقيد معلومات السارد، لرؤية الأحداث والحالات من وجهة نظر شخصٍ ما؛ ولمواجهة وسيط التبئير ولخلق رأي متعاطف أو ساخر من المؤبّر. "والمؤبر هو الوسيط أو الفعال الذي يوجّه وجهة نظر النص، ويرتكز النص على وجهة نظر المؤبر عندما يعرض أفكار المؤبر وانعكاساته ومعرفته وتخيلاته الإدراكيّة والفعليّة، وتوجهاته الإيديولوجيّة والثقافيّة"[7] يفضل جيرار جينيت أن يحصر التبئير في الشخصية الداخلية بينما يخالفة معظم علماء السرد في كون المؤبر يمكن أن يكون ساردا خارجيا. يشار إلى المؤبرين الداخليين ب: الشخصيات التبئيرية، وهي تلك التي تستعرض المواقف والوقائع من وجهة نظرها. فهي صاحبة زاوية الرؤية، مع توجيه القراء نحو هذه البؤرة بتركيز محكم.
[1] - يان مانفريد، علم السرد، ص12..
[2] -م نفسه، ص 19.
[3] - محمد القاضي، وآخرون، معجم السرديات، دار محمد علي للنشر بتونس، دار الفارابي بلبنان، دار تالة/الجزائر،دار الملتقى/المغرب، ط الأولى 2010، ص243.
[4] -م نفسه، ص نفسها.
[5] - محمد القاضي، وآخرون، معجم السرديات، ص 49.
[6] --يان مانفريد، علم السرد، ص 77.
[7] -م نفسه، ص79.