مفاهيم النص السردي المعاصر
علم السرد:
هو علمٌ حديثٌ قد نتج عن ثورة دو سوسير الألسنيّة، وهو "دراسة القص واستنباط الأسس التي يقوم عليها، وما يتعلق بذلك من نظم تحكم إنتاجه وتلقيه"[1]. للقصّ إذا أسس يقوم عليها. فهو أداة تواصل بين منتج للخطاب ومتلقٍّ له.
صاغ فلاديمير بروب هذا المصطلح لأول مرة سنة 1969 في كتاب تحت عنوان قواعد الديكاميرون، كما سمّى هذا العلم أيضا بعلم القصّة. وتتالت بعد ذلك المؤلفات في هذا العلم الذي شاع وعرف عصره الذّهبي في الستينات من القرن الماضي. فكتب كلّ من تودوروف وغريماس وبارت نحو القصة، وكتب جيرار جينيت وبال وستانزل حول علم السرد المرتكز على الخطاب. وتتالت الدراسات النقديّة لدراسة الخطابات الروائيّة والقصصيّة على أساس المنهج البنيوي، في عصره الذّهبي. وقد انتشر هذا المذهب لاحقا، وإن في زمن متأخر، في الوطن العربي، في البداية كان ذلك من خلال رسائل أكاديميّة، ثمّ ما لبث أن شاع في كل الدراسات النقديّة بمختلف مرجعياتها. لنذكّر أولا أن المنهج البنيوي قد شاع استعماله في كلّ العلوم الإنسانيّة كالانثروبولوجيا والفلسفة والتاريخ وغير ذلك.
لم يبق علم السرد حبيسا على الدراسات الأدبيّة وإنّما تعدّى نشاطه إلى التاريخ إذا، والدّين والصحافة والدّراسات القانونيّة. "إنّ الواقع كما نعرفه ليس معطى مدركا بالحواس، بل إنه بناءٌ ذاتي: يبدو أنّ السّرد في كلّ مكانٍ حولنا، لأنّ بناء التّمثيلات السّرديّة هو أحد الوسائل التي نعطي بها شكلا ومعنى للواقع الذي ندركه. السرد بعبارة أخرى هو طريقة أساسيّة للتفكير"[2]. والدراسة العلميّة للسرد تمكّننا من السّيطرة على العالم واحتوائه وفهمه. كل شيء موجودٌ إذا بداخل الخطابات. لسنا في حاجة إلى الحفر خارجها. الدلالة موجودة ثمّة بداخل البنية اللغويّة، وليس أبعد من ذلك. إننا نضيع الوقت ونظلل القارئ باتّجاهنا إلى خارج النصوص.
يقتضي علم السرد جهازا مفاهيميّا يحلل من خلاله موضوعه، كما يحتاج إلى أدوات نقديّة تمكنه من مباشرة النقد والتحليل، وليس التأويل. وسنعرض لأهمّ مفاهيم ومصطلحات هذا العلم كما شاعت عند أهل الاختصاص الغربيين.
[1] -سعد البازغي وميجان الرويبلي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط الثالثة 2002، ص 174.
[2] - يان مانفريد، علم السرد، ترجمة أماني بورحمة، نينوي للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق-سوريا، ط الأولى 2011، ص7.