الحداثة في الشعر المعاصر
التوظيف الأسطوري في القصيدة المعاصرة:
لكلّ أمّة أساطيرها ومروياتها ومحكياتها، توظّفها في أشعارها ومساردها من أجل أن تحفظ في ذاكرتها الثقافيّة، ولتشكّل معلما من معالم هويتها الثقافيّة والأدبيّة. ولقد تعلم الشعراء العرب توظيف الأسطورة منذ الحداثة الباكرة، وفي طليعة هؤلاء السيّاب، ونازك الملائكة ومعظم شعراء الأرض المحتلة وصلاح عبد الصبور، وغيرهم كثير. وتوظّف الأسطورة باعتبارها رمزا لاتاريخيا، للدلالة على ما هو معاصر وأبدي وإنساني.
نبدأ أولا بتعريف الأسطورة، فهي مادّة تراثيّة مستوحاة العصور البدائيّة للحضارات القديمة، وتعود بنا إلى طفولة العقل البشري، وفيها يمتزجُ الواقع بالخيال والعلم بالسحر، وعالم الغيب بعالم الشهادة. وعادة ما تعبّر الأساطير الموظّفة عن الولادة والانبعاث والتجدّد. تبدو الأسطورة وكأنها تشبّثٌ بالحياة واستبعادٌ للموت، وتجاهلٌ للزمني. إنها معرفة لاتاريخيّة، تتخطّى أبعاد الزّمان والمكان، وتروم الممكن غير المشروط، وتتمتّع بمنطق داخلي مفارقٌ لمنطق البشر. وفيها من العجائبي ما يؤسّس لجماليّات لا تتوفّر للشّعر الواقعي.
ويعد استحضار الأسطورة في الشعر العربي الحديث من أجرأ المواقف الثورية فيه، وأبعدها آثاراً حتى اليوم، لأن ذلك استعادة للرموز الوثنية التي تحضرها الحساسية الدينية، واستخدامها في التعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر هو من تجليات الحداثة المستدامة. وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام، حتى أن التاريخ قد حُوّل إلى لون من الأسطورة. ومن أسباب هذه الظاهرة التناصية ـ التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ من الأسطورة ـمن القديم ـ سداه ولحمته، ولكن منذ دراسة جيمس فريزر (في «الغصن الذهبي») للأسطورة، ومنذ دراسات فرويد ويونغ لدورها في اللاوعي الإنساني، انهارت الحواجز التي كانت تقوم دون تقبلها في الشعر العربي الحديث، أضف إلى ذلك كله أن للأسطورة جاذبية خاصة، لأنها لا تصل بين الإنسان والطبيعة وحركة الفصول وتناوب الخصب والجدب، وبذلك تكفل نوعاً من الشعور بالاستمرار، كما تعين على تصور واضح لحركة التطور في الحياة الإنسانية، وهي من ناحية فنية تسعف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر، والربط بين الماضي والحاضر، والتوحيد بين التجربة الذاتية والتجربة الجماعية، وتنقذ القصيدة من الغنائية المحض، وتفتح آفاقها لقبول ألوان عميقة من القوى المتصارعة، والتنويع في اشكال التركيب والبناء.
لهذه الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث ـ في توق محموم ـ يبحث عن الأسطورة، ويعتمدها أنى وجدها، لا يعنيه في ذلك أن تكون بابلية (عشتاروت وتموز) أو مصرية (أوزوريس) أو حثية (آتيس) أو فينيقية (أدونيس، فينيق) أو يونانية (أورفيوس، بروميثيوس، عولس/ أوديس، إيكار، سيزيف، أوديب…إلخ) أو مسيحية (المسيح، لعازر، يوحنا المعمدان)، بل إنه ذهب إلى بعض الحكايات الجاهلية ورموزها الوثنية (زرقاء اليمامة، اللات) وعامل القصص الإسلامية على المستوى نفسه مثل قصة الخضر وحديث الإسراء والمهدي المنتظر (صاحب الزمان)، واتخذ من كل ذلك رموزاً في شعره، تقوى أو تضعف بحسب الحال، وبحسب قدرته الشعرية، وحين اضطر إلى مزيد من التنويع ذهب إلى خلق الأقنعة والمرايا والاستعانة بالأدب الشعبي.
من بين الشعراء الذين استحضروا الأسطورة نورد بعض أبيات البياتي إذ يقول
يموت راعي الظّأن في انتظار دميته جالينوس
يأكل قرص الشمس أو قيس
تبكي على الفرات عشتاروت
تبحث عن مياهه عن خاتم ضاع
تندب تموز فيا زوارق الدّخان
يوظّفُ أدونيس أسطورة سيزيف للتعبير عن حالات وجوديّة تحلّق بالخيال في عوالم عجائبيّة تنسينا الواقع النثري المتناقض والمنحطّ. يقول:
أقسمت أن أكتب فوق الماء
أقسمت أن أحمل مع سيزيف
صرخته الصّمّاء
أقسمت أن أظلّ مع سيزيف
أخضع للحمى وللشّرار
أبحث في المحاجير الضّريرة
عن ريشة الأخيرة
يكتب للعشب وللحدّ خريف
قصيدة الغبار
أقسمت أن أعيش مع سيزيف