مقدّمة:

        الحداثة في سياق هذه المحاضرة تعني أكثر من المدلول الزّمني، إنها نسق ثقافي وقيم جماليّة وفكريّة، وروح تسري في الثقافة بكلّ تشكّلاتها. وللحديث عن تجلياتها وتجسيداتها لا بدّ من العودة إلى التاريخ الحديث، تاريخ التحولات الجماليّة الكبرى للقصيدة العربيّة، علما أنّ هذه التحوّلات في مجال الشعريّة كانت نتيجة لتحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة أعقبت مرحلة الاستقلال السياسي للدول العربيّة، في مطلع القرن العشرين.

    لقد سبق القول أنّ رواد النهضة العربيّة انقطعوا عن ماضي الثقافة العربيّة، وتوجّهوا إلى الحضارة الغربيّة يلتمسون منها شروط النّهضة ومفاتيح الحداثة، وفي ذلك يكونون قد أخذوا بفكرة استشراقيّة  رائجة مفادها أنّ العرب إن أرادوا تحقيق النهضة العلميّة فلا بدّ أن يتخلوا عن موروثهم الثقافي ويأخذوا بالنّموذج الغربي الحديث. فسبب تخلفهم يكمن في ديانتهم المتحجرة وخرافاتهم وأساطيرهم. إنّ العرب مطالبون بثورة على الذّات، إن هم أرادوا خدمة الحضارة الإنسانيّة ولا بدّ أن يكون ذلك تحت جناح المركزيّة الغربيّة. هذا ما كان رواد النهضة بيمينهم ويسارهم يروجون له في مطلع القرن العشرين، فقد درس جيل الاستقلال في مصر عند أساتذة تكونوا على أيدي مستشرقين فرنسيين وإيطاليين وروس. ومن ثمار هذه المثاقفة غير المتكافئة أن النخبة المثقفة وجدت نفسها موزعة بين معسكر ليبيرالي منحاز لفرنسا، بزعامة طه حسين، ومعسكر شرقي منحاز للاتحاد السوفياتي بزعامة كوكبة من الماركسيين العرب من أمثال محمود أمين العالم، وسلامة موسى وسمير أمين وحسين مروة. وفي مجال الشعريّة ظهرت جماعة الديوان ومن قبلها ظهرت نخبة المحدثين من أمثال نازك الملائكة والسياب، وشعراء الأرض المحتلة الذين كان أغلبهم منحازا إلى اليسار السياسي.

    لقد تأثّرت الطّبقة الشعريّة الأولى التي جسّدت الحداثة الشعريّة بأحداث العصر التي ميّزت النصف الثاني من القرن العشرين، والمتمثّلة في احتلال فلسطين من قبل الجماعات اليهوديّة الوافدة من أوروبا ومن كلّ بقاع الأرض بدعم من بريطانيا. وقد اعترفت أوروبا وأمريكا وروسيا بإسرائيل بمجرد الإعلان عن إنشائها. وانطلقت عمليّة امتصاص الأرض العربيّة وطرد السكان الفلسطينيين منها، إلى يومنا هذا، في ظلّ صمتٍ غربي وعربي غامض. لقد انهزم العرب في كلّ حروبهم مع دولة إسرائيل، وبخيانة من شخصيّات قياديّة، سياسيّة وعسكريّة في الأنظمة العربية المتاخمة لإسرائيل. هذا الواقع المرير أثّر تأثيرا دراميا في الشعر العربي الحديث والمعاصر، وظهر هذا التأثّر في بنية القصيدة المعاصرة. وهذا هو موضوع هذه المحاضرة.


Vous avez terminé 0 % de la leçon
0%