القصيدة العموديّة المعاصرة
القصيدة العموديّة المعاصرة:
إنّ إصرار شعراء الحداثة المتأخرة على الشكل العمودي للقصيدة، لهو رمزٌ من رموز المحافظة على الهويّة الثقافيّة من خلال الأشكال الجمالاتيّة للإبداع. يحقق الشكل العمودي عودا على الذاكرة النّقديّة للمبدعين وللمتلقين. وفيما يلي نستعرضُ مقاطع لقصائد عموديّة، ونحاول من خلالها مراقبة البنية الفنيّة التقليديّة وما تحققه من إضافة لروح شعر المقاومة. فإذا كان الشكل العمودي هو مجال تحقق الذأت الشعريّة الأصيلة، فلا بدّ أن يكون ذلك بما لا يتوفّر لقصيدة التّفعيلة.
من قصائد المقاومة الفلسطينيّة قصيدة (المطر والفولاذ) لسميح القاسم، حيثُ يقول:
وينتصب المصنع المارد إلها...كلانا له عابدُ
وتدوي الدواليب مزهوة ويدوي بنا شوقنا الصامدُ
فيا سحب الغيث مدّي يدا سحابُ مداخننا صاعدُ
وصبي الحياة على شرقنا فقد هيّأ المنجلُ الحاصدُ
وآلتنا وعدت طفلنا بكعكٍ...فهل يكسف الواعدُ؟
***
تهلّل بنا ياغدا لام يكن سوى مطمحٍ...فالسنى عائدُ
تهلّل ! ستخضرّ أشواقنا وينبض شريانها الخامدُ
ففي كلّ أفق لنا مشرقُ وفي كلّ دربٍ لنا رائدُ
ومغزلنا بعد طول انتظارٍ تحرّك منواله الباردُ
وضمّ غيوم البحارِ وغيم ال مصانع ...منهجنا الواحدُ
إذا مات من يأسه عاجزٌ فإنّ الرّجاء .. بنا خالدُ
تجليات الحداثة في القصيدة:
أول ما يمكن أن نلاحظه هو تردّد بعض الرموز الشّعريّة المحسوبة على الجماليّات الماركسيّة. وهذه أولى تجليات الحداثة الشعريّة، فالاتّجاه الإيديولوجي في الشعر، وبالخصوص إذا تعلق الأمر بالفكر الماركسي، هو من أدبيات شعر المقاومة الفلسطينيّة. فقد راج عن روح الإيديولوجيا الماركسيّة تعاطفها مع المعذّبين في الأرض، ومناصرتها لقضايا التحرر في العالم. ولئن كان هذا الشعار السياسي الذي يتبناه الكرملين زمن الاتّحاد السوفياتي، فإن النصوص الأصليّة لماركس كانت مساندة للاستعمار الأوروبي، وقد بيّن ماركس في أكثر من موطنٍ أنه متمركز حول أوروبيته.
من بين الرموز الشيوعيّة جملة من المفردات، ومن أهمها: المصانع؛الدواليب، وهما يرمزان للطبقة الكادحة، التي تختزل معاناة العمال الفلسطينيين. وتُعتبر عبارة المنجل، رمزا شعريا بليغا يدل على الفلاح وما يكابده من مشقّة. المنجل أداة حصاد ورمز للمشقة والمقاومة، والصبر والجلد. إنه أداة حياة بالنسبة للفلاح من المنظور الماركسي. وعبارة المغزل هي الأخرى رمزٌ لعمل المرأة ومقاومتها للمصنع الرأسمالي، ولوضع المرأة البائس في المجتمعات الرأسماليّة. العبارة الأخرى التي تحيلنا على روح العقيدة الماركسيّة هي عبارة الرجاء. في تأتي في سياق روح التفاؤل التي تلازم المقاوم الماركسي، والشاعر الذي يعبّر عن قضيّته القوميّة والوطنيّة.
من خلال هذه الملاحظات المركّزة نتبيّن ملامح الحداثة الشعريّة في القصيدة الحديثة والمعاصرة، لدى أحد أهم شعرائها وهو سميح القاسم. الشعر الإيديولوجي، والرمزيّة المكثّفة، مع المحافظة على الشكل العمودي للقصيدة بوصفه الملمح الجمالي الذي يصلُ الشاعر بأصوله الثقافيّة.
*****
لنأخذ الآن مقطعا من قصائد درويش العموديّة بعنوان "لا مفر".
وطني ! يعلمني حديد سلاسلي عنف النسور ورقّة المتفائل
ما كنت أعرفُ أن تحت جلودنا ميلادُ عاصفة ...وعرس جداول
سدّوا علي النور في زنزانة فتوهّجتْ في القلب شمس مشاعل
كتبوا على الجدران رقم بطاقتي فنما على الجدران ...مرج سنابل
رسموا على الجدران صورة قاتلي فمحت ملامحها ظلال جدائل
وحفرت بالأسنان رسمك داميا وكتبت اغنية العذاب الراحل
أغمدت في لحم الظلام هزيمتي وغرزت في شعر الشموس أناملي
والفاتحون على سطوح منازلي لم يفتحوا إلاّ وعود زلازلي
لن يبصروا غلاّ توهّج جبهتي لن يسمعوا إلا صريرسلاسلي
فإذا احترقت على صليب عبادتي أصبحتُ قدّيسا ..بزيّ مقاتل