النموذج الإحيائي:

    من الطّبيعي أن ينهض بعض الشعراء العرب، من الّذين لا يزالون مشدودين إلى البناء العمودي للقصيدة العربيّة، والراضين لتدمير هذا الهيكل الراسخ في الشعريّة العربيّة لمجرّد الأخذ بأسباب الحداثة الغربيّة، من الطّبيعي أن ينهض هؤلاء باستحضار الشكل العمودي للقصيدة في تجاربهم الإبداعيّة. هؤلاء الشعراء، ورغم التحولات العميقة لبنية المجتمع العربي، وللثقافة العربيّة المهجّنة بفعل المثاقفة القسريّة، وذات الاتّجاه الواحد ، ورغم تغير موضوعات القصيدة بتغير وعالم الواقع الحضاري للعرب، رغم كلّ ذلك، حافظ هؤلاء الشعراء على أوزان الخليل. وأهمّ ما يلاحظ على هؤلاء تأثّرهم بالرومنسيّة الغربيّة، فكانت أشعارهم رجعا لهذا المذهب من حيثُ الموضوعات. ومن أهم هؤلاء الشعراء يخطر بالبال الشاعر المصري سامي البارودي الذي كرس كل قصائده الرومنسية في وصف جمال الطبيعة، مع مسحة دراميّة مؤثّرة، على غرار قصيدته (أخذ الكرى بمعاقد الأجفان)، وهذا مطلعها:

أَخَذَ الْكَرَى بِمَعَاقِدِ الأَجْفَانِ                ****                   وهفا السُّرى بأعنة الفرسان

وَاللَّيْلُ مَنْشُورُ الذَّوَائِبِ ضَارِبٌ            ****                   فوق المتالع والربى بِجِران

لا تَسْتَبِينُ الْعَيْنُ فِي ظَلمَائِه                  ****                   إلاّ اشتعال أسنّة المُّرانِ[1]

    "إنّ قصائد البارودي لا تعرفُ البناء الاستطرادي الساذج، وإنما هي مزاج بين استطرادية ممتزجة بعناصر درامية؛ وفي كثير من قصائد الحنين،، نجد أن دراميّة قصائده تطغى على جانبها الاستطرادي"[2]. يذهب الناقد العربي سامي بدراوي إلى التّأكيد على التوجه الرومنسي للبارودي في الرؤية الفنية والتعبير اللغوي، علما أنّ المذهب الرومنسي وافدٌ على الحداثة الغربيّة. غير أنّ الناقد عبد القادر القطّ ينتقد هذا التوصيف. فقد "جرى العرف عند كثيرٍ من الدّارسين على أن يسمّوا هذا الاتّجاه الوجداني في شعرنا الحديث بالحركة الرومنسيّة، مستعيرين هذا المصطلح الأوروبي، لما لمسوه من وجوه شبه عديدة بينه وبين تلك الحركة، في دواعي نشأتها وصورة أدبها"[3]. ويجبُ الإشارة هنا أنّ ما هو مستعارٌ عن النقد الغربي هو الرومنسيّة بوصفها مصطلحا نقديّا، وتسمية لاتجاهٍ في الشعر، أما الرومنسيّة من حيثُ التجليات والملامح التخييليّة واللّغويّة، فهي موجودة في الشعر العربي، منذ أنْ وُجد، قديما. ولطالما نغنى شعراء الأندلس بجمال الطّبيعة وسحرها.

    تحدّث الناقد المغربي الحديث محمد مفتاح عن أجناس الشعر العربي، وذكر منها الغنائي والملحمي والمأساوي. وكل نوع شعري من ذلك "يتّسمُ بطابع تعبيري خاص؛ فالشعر الغنائي يميّزه الفعل المضارع المسند إلى ضمي المتكلّم، والشعر الملحمي يعبّرُ بضمير الغيبة وبالافعل الماضي، ويحيل على أشياء أو أدوات أو أحداث، والشعر المأساوي يتّجه نحو  المخاطب للالتماس منه القيام بعمل أو حضّه عليه، ويستعملُ الصّيغ المستقبليّة. وإنّ هذه الأنواع جميعها موجودة ولا ينكرها إلاّ مكابر عنيدٌ"[4]. لا يقبل محمد بنيس هذه الوثوقيّة التي يتحدّثُ بها مفتاح، خصوصا أنّ هذا الأخير لا يحيل على مرجع ولا على مثال من واقع الشعريّة العربيّة. بل إنّ معلم الشعريّة الأول أرسطو لا يقولُ بمثل هذه الأزمنة، وكلّ ما يدلي به هو: "إذ يمكن بنفس الوسائل ولنفس الموضوعات أن نحاكي عن طريق القصص (إما أن نقصّ على لسان شخص آخر، كما يفعل هوميروس، أو يحكي المرء عن نفسه)، أو نحاكي الأشخاص وهم يفعلون"[5].

    نجد تقسيم الشعر إلى أجناس عند أوستن وارين وريني ويليك، غير أنّ جيرار جينيت يستبعد اقتران الأجناس بالأزمنة الصرفية التي أقر بها مفتاح.

    يذهب الكثير من نقاد الشعر العرب المحدثون إلى أنّ القصيدة العربية المعاصرة خرجت من طور الغنائية إلى الدراميّة والملحميّة. كتبت الناقدة العربية خالدة سعيد في هذا الشأن حول تجربة القصيدة المسرحية لأدونيس، مشيرة إلى تجاربه وفق تسلسلها التاريخي، وفي دراة ثانية راحت تدرس الطابع الملحمي، حيثُ تتجلى ملامح الحداثة الشعريّة.بجلاء. "والحداثة العربيّة المعاصرة كسرٌ لهذا الاستيهام النهضوي الذي ظل يقاوم السقوط حتى هزيمة 1967 التي كانت بشكل ما هزيمته، ولأنها مواجهة الأزمة والتصدّع. من هنا كان طابعها المأساوي، وغلبة المراثي، وملاحم الموت والانبعاث، أو ملاحم الّسّقوط على نتاج مبدعيها الكبار"[6]. استيقظ الشعر العربي الحديث على سلسلة من الهزائم مع الاستعمار الغربي، ومن بعده الاستعمار اليهودي الذي اغتصب فلسطين بتواطؤ من الامبريالية العالمية، أمام عجز نظام عربي عقيم، مشبع بالعمالة والخيانة والنفاق السياسي. وقد انعكس هذا الواقع البائس على الشعر، وطبعه بمسحة من المأساويّة والانكسار والشعور بالموت في الذّات. لقد ظهر التوتّر على الشاعر المعاصر المصدوم من واقعه. غير أنّ روح الانكسار لم تكن اللازمة الوجودية والوجدانية لكل الشعر العربي الحديث والمعاصر. بل لقد ظهر شعراء مقاومون وثوريون مشبعون بروح التحدّي. ونخص بالذّكر شعراء الأراضي المحتلة، وشعراء الأنظمة المستبدّة، الذين تمرّدوا على الأصوات المداهنة والمدجّنة، والأصوات المتواطئة مع المؤسسة الرسميّة. ونخص بالذكر درويش وسميح القاسم من الأرض المحتلّة، ومظفر النواب من العراق في رائعته ّوتريات ليليّة". فكانت الأرض والشجرة والبندقيّة والسيف، والدمّ، والصّراخ، من مفردات الشاعرين، أما شعر مظفر النواب فكان إدانة للأنظمة المهزومة والعميلة، سخرية من وكلاء الاستعمار الذين يتظاهرون بما لا يضمرون.



[1] -ديوان البارودي

[2] -محمد بنيس، الشعر العربي الحديث/ بنياته وإبدالاته، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط الثالثة 2014، ص15.

[3] - محمد بنيس، الشعر العربي الحديث/ بنياته وإبدالاته، ص 17.

[4] -م نفسه، ص 22.

[5] - م نفسه، ص 24.

[6] -م نفسه، ص27.


لقد أكملت 0% من الدرس
0%