القصيدة العموديّة المعاصرة
توطئة:
لا يزال النص الشعري راسخا في الذّاكرة الثقافيّة والجماليّة للمثقف العربي بكلّ تصنيفاته، رغم الاكتساح الذي عرفته الرواية الوافدة من الغرب الحديث. وأكثر من ذلك فإنّ الشكل العمودي للقصيدة كما ورثناه عن الرواد الأوائل لا يزال محلّ اهتمام وتذوق واحتفاء من قِبَلِ القرّاء. فالأشكال الجماليّة لا تختفي كليّة إلاّ إذا استنفذت شروط وجودها وعوامل حياتها وانتشارها. وقد تختفي هذه الأشكال، أو يقلّ الإقبال عليها من حينٍ لآخر، ثمّ تعاود الظّهور لأسباب قد تبدو مبهمة، لدى عامّة الناس ولكنها معلومة لدى الخاصة من محترفي الشعر. يتعلّق الأمر بهويّة ثقافيّة تقبعُ في القاع الأسفل من اللاشعور ويحرّكها ماضيها الغابر لاسترجاع ملامحها الجماليّة، وبذلك تستعاد على مستوى الممارسة الثقافيّة بشكل ملفت للانتباه. إنّ كثيرا من الشعراء اليوم يؤكّدون استمرار الشكل العمودي للقصيدة، وجدواه من حيثُ علاقته بالهويّة الفنيّة للإبداع. بل ويفضّلونه على قصيدة التفعيلة التي تعبّر عن تفكك الذّائقة الجماليّة للعرب بفعل الهجوم المتوحّش للحداثة الغربيّة التي دمّرت بُنى الثقافات المحليّة لمستعمرات أوروبا وشوّهت الوعي الأدبي للمبدع وللقارئ، فلا هما قادران على محاكاة النّموذج الغربي والحلول فيه، ولا هما قادران على استرجاع الهويّة الثقافيّة والجماليّة للذّات المتشظّية.