تخطى إلى المحتوى الرئيسي
منصة التعليم عن بعد
  • الصفحة الرئيسية
  • التقويم
  • Tous les cours
    Recherche de cours
    Catégories
  • Mobile app
  • Liens-Utiles
    منصات التعليم عن بعد Messagerie Site Web
  • المزيد
العربية ‎(ar)‎
English ‎(en)‎ Français ‎(fr)‎ العربية ‎(ar)‎
أنت الآن تدخل بصفة ضيف
تسجيل الدخول
منصة التعليم عن بعد
الصفحة الرئيسية التقويم Tous les cours طي توسيع
Recherche de cours Catégories
Mobile app Liens-Utiles طي توسيع
منصات التعليم عن بعد Messagerie Site Web
توسيع الكل طي الكل
  1. لوحة التحكم
  2. MCM37
  3. المحاضرة الأولى: تشكل القصيدة العربيّة المعاصرة/البدايات الأولى
  4. تشكل القصيدة العربيّة المعاصرة/البدايات الأولى

تشكل القصيدة العربيّة المعاصرة/البدايات الأولى

متطلبات الإكمال

المحاضرة الأولى في مقياس "نص أدبي معاصر"

تشكل القصيدة العربيّة المعاصرة/البدايات الأولى

مقدّمة:

مع صدمة الحداثة الغربيّة التي تركت ندوبا وجروحا في جسد الثقافة العربيّة، فقد الشعر مساحات شاسعة من اهتمامات القرّاء والنّقاد، ولم يعد مهيمنا على الوعي الجمالي للمهتمّين بالشّأن الأدبي. فقد افتكّ النثر بمختلف أجناسه انتباه القرّاء، تماشيا مع طبيعة المرحلة، وانسجاما مع التحولات العميقة في بنية المجتمعات العربيّة الحديثة بفعل الاستعمار الأوروبي، وما أحدثه في أنماط الإنتاج وتقسيم العمل، وما انجرّ عن ذلك من أشكال جديدة لاستهلاك الثقافة.

لم يعد الشعر ديوان العرب، كما كان من قبل، بل أضحى جزءا من الدّيوان والذّاكرة الجماليّة للعرب، في زمن أقفرت فيه ذاكرة الشّعوب العربيّة من كل ما يذكّرها بأصولها وهويّتها وأسلافها. كان الشعر يشكل وهج الذّات العربيّة وإشراقتها لماّ كان الفضاء منفتحا على المطلق، ولم تظهر المدينة الحديثة سليلة الرأسماليّة الغربيّة، بكلّ تناقضاتها وصراعاتها، وأوساخها وأوجاعها. استقطبتْ المدينة في البلدان العربيّة النشاط الثقافي الهجين، والمستوحى من التراث الغربي، كالرواية والقصّة والمسرحيّة. وبقي نطاق القصيدة حسيرا، لتغيّر الذّوق الأدبي للمثقّف العربي، وانصرافه إلى هموم الشأن المادّي.

إذا كان الاستعمار في لحظة من لحظاته عمليّة مثاقفة مع المحليين، فإنّها مثاقفة بالإكراه، لأنّها ليستْ متكافئة، ولم يُستَشَر فيها العرب. ولذلك كانت في اتّجاهٍ واحدٍ. فكان العرب الجانب الضّعيف الذي امتهن ثقافته الخاصّة وازدراها، ورأى في الثقافة الغربيّة خلاصه، ونهضته. وقد شمِلتْ هذه الحالة قطاعا عريضا من الشباب العربي الذي تجاوب مع دعوات التّحديث التي أطلقها روّاد النّهضة الأوائل على غرار طه حسين وحسين مروة وجماعة الدّيوان الدين تشبّعوا بالنقد الإنجليزي وتشيّعوا له، وأسسوا مدرسة نقديّة استوحت مناهج النقد الحديثة المشتهرة في الغرب، كالرومنسيّة والواقعيّة والوجوديّة ومدرسة التحليل النفسي والنقد الإيديولوجي. وبموجب هذا الإرث النظري تغيّر مفهوم الشعر لدى العربي، وتغيّرت أنماط صناعته، وطرائق تذوّقه. وآمن القارئ العربي بجدوى هذه التحولات، وبأنّه لا سبيل لتحقيق النهضة الفكريّة والأدبيّة إلاّ من خلال النموذج الغربي، وهي فكرة استشراقيّة لطالما ردّدها المستشرقون في وجه العرب. والواقع أن البعثات العلميّة التي استفاد منها الأكاديميون العرب في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين –وأخصّ بالذّكر جيل طه حسين-قد درسوا عند مستشرقين في جامعات غربيّة شهيرة، وعندما عادوا إلى بلدانهم أبدوا حماسة لا نظير لها لنشر مبادئ التفكير الغربي، وراح جزء آخر من المثقفين الذي درسوا في الاتحاد السوفياتي سابقا يعلون على نشر الفكر الماركسي في كل مجالات الثقافة والحياة. وهكذا ضاعت الأصالة والوفاء لثقافة الذّات بعد صدمة المثاقفة مع الغرب ومع الشرق الشيوعي. وفي هذا الجوّ المشحون بالتحولات العميقة في العقل العربي، بدأت ملامح التّجديد في القصيدة العربيّة تبزغ إلى الوجود. وبغض النّظر عن موقفنا من هذه التحولات، فقد كانت التّعبير البليغ للتطور الذي كان يحصل في البنية الاجتماعيّة والسياسيّة والإيديولوجيّة في البلدان العربيّة.

بدايات الحداثة الشعريّة:

قبل الخوض في النصّ الشّعري بكلّ خصوصيّاته الجماليّة والفكريّة، يتعين علينا المرور على إشكاليّة المصطلح الذي يُعدّ مفتاحا معرفيّا، لهذا الحقل الشّائك. ما المقصود بمصطلح نص؟ وهل هو مفهوم حديث أم قديم، أم أنه ما بعد حداثي؟ إنّنا لا نفكّر في مصطلح النص بوصفه وحدة نحويّة، ولكن باعتباره وحدة من نوع آخر، إنه وحدة دلاليّة، متشكّلة من وحدة المعنى في المقام والنسيج الذي يعبّرُ عن الحقيقة التي يخبر عنها باعتبارها راجعة بتمامها إلى المحيط الذي رُسِمتْ فيه.

عندما نتحدّث عن النصّ الأدبي، فإنّنا نحيل إلى أفق أو فضاء خاص، له حدود معيّنة. وتتجلّى في هذا الفضاء -بطرق متفاوتة -مجموعة من الدلالات التي يسمح بها النص؛ وهي دلالات يتعيّن على القراءات النقدية تحديد مكوناتها، وكشفها وتفسيرها بمنظور أسلوبي أو بنيوي أو سيميائي؛ فأدبيّة النصّ لا يتمّ القبض عليها إلاّ من داخل النص.

هناك سببان جعلا من النص قضية إشكاليّة: الأول هو عدم استقراره كمفهوم نقدي؛ والثاني محاولة كلّ حقل من حقول المعرفة استغلاله لأهداف إجرائيّة منهجيّة.

يؤكّد صلاح فضل على تعدد التعاريف التي تحدد مفهوم النص، ويرى أنّ هذه التعريفات تنقسمُ إلى قسمين: منها ما يهتمّ بالنصّ باعتباره منتوجا لغويّا وبناء مخصوصا؛ ومنها ما يهتمّ بالنصّ الأدبي باعتباره ممارسة لغويّة نوعيّة وكيفيّة في التعامل مع اللغة والأشكال الجماليّة. في نفس السياق المصطلحي يتساءل محمد مفتاح عن معنى النص الأدبي، معتبرا أنّ أهمّ ضابط له هو الانسجام والاتّساق ومفهوم التّنضيد الذي هو المرحلة الأولى لمعاينة النصّ. إنّه العلاقة بين الجمل: واو العطف، الفاء السببيّة، وغير ذلك من الحروف للمحقّقة للانسجام النصّي. أمّا الاتّساق فهو العلاقة الدلاليّة بين الجمل. وبخصوص الانسجام فيمكن أن يكون أعمّ من العلاقات النصيّة الدّاخليّة، فقد يُقصَدُ به انسجام النصّ مع العالم. ومهما يكن فالشائع لدى النقاد "أنّه شكلٌ لغويٌّ يمتاز بطولٍ معيّنٍ كأن يكون قصة أو رواية أو مقامة أو معلّقة أو كتابا". إنّه متتالية من الجمل المتصلة ببعضها لتشكّل دلالة أو دلالات.

معالم الحداثة في النص الشعري:

التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة التي مسّتْ المجتمعات العربيّة بفعل عنف المثاقفة مع الاستعمار الغربي أحدثتْ أثرها على المستوى الثقافي، وفي حقلي اللّغة والأدب بشكلٍ خاصٍّ. والذي يعنينا في هذه المحاضرة تحديدا هو النصّ الشعري. ما هي تجليات الحداثة في هذا النصّ؟ ما هو الأثر الذي أحدثه الاحتكاك بالغرب في القصيدة العربيّة على مستويي الشكل والمضمون؟ هل استجاب القارئ العربي لهذه التحولات، أم انّه لم يستسغها، خوفا على أصوليّته وذاكرته الجماليّة؟ ذلك ما نودّ اكتشافه من خلال هذا البحث.

لقد كانت مرحلة الإحياء واستحضار بنية القصيدة العربيّة التقليديّة في الوعي الأدبي الراهن مرحلة ضروريّة لانطلاق عمليّة التّحديث بشكل عقلاني، لا يُفضي إلى عمليّة انسلاخ عنفي وفجائي عن الذّاكرة الجماليّة للمبدع وللقارئ على حدٍّ سواء. وعند ذلك، سيكون الانطلاق في عمليّة التجديد عمليّة طبيعيّة تنمّ عن تطور عفوي وناعم وواعي، نحو مقتضيات التطور الطّبيعي للبناء الشعري، دون أن نحدث خدوشا أو كدمات في الوعي الأدبي للمبدع، ودون أن نصدم القارئ بما لم تألفه ذائقته القرائيّة التي اكتسبها عبر تجارب عديدة ومديدة. إنّ الانتقال من الشكل العمودي إلى القصيدة الحرّة هو أهم التحولات الحداثيّة التي عرفتها القصيدة العربيّة. فالتحرّر من البحر ومن البيت كوحدة صوتيّة دنيا يُعادلُ التحرر من قيود المجتمع التّقليديّة ومن كثيرٍ من الأعباء الأخلاقيّة والسياسيّة التي لم تعد مقنعة. إنّ تحرر المجتمع من ثقافة الخرافة والأسطورة، والغيبيّات التي لا علاقة لها بالدّين الصّحيح ولا بالعقل الحصيف هي المعادل الخطابي للتحرر من قيود القافية والروي والوزن.

لقد عبّر المثقف العربي عن حاجته لتحرير قلمه من القيود الموروثة، في مجال الإبداع والنقد على حدٍّ سواء تأسّيا بالمسيرة الغربيّة في الحداثة الشعريّة. لقد شعروا أن كثيرا من معاير جماليات القصيدة العربيّة لم تعد تنسجم مع روح العصر. ولا هي تتوافق مع الفلسفات الجديدة في مجالي الفكر والثقافة ونمط المعيشة والبُنى السياسيّة للمجتمعات العربيّة. لقد كانت حياة العرب تسيرُ باتّجاه الغربنة. وكان طه حسين وجماعة الديوان ومحمود أمين العالم وسلامة موسى، على اختلاف مشاربهم الإيديولوجيّة يدعون صراحة إلى تنكب خطى الغرب من أجل صناعة منظور جديد للقصيدة الشعرية، والتخلص من كلّ ما يشدّها إلى الماضي. ليس فقط من حيث البناء الفني، ولكن أيضا من حيثُ الموضوعات والأغراض الشعريّة.

لقد ظلّتْ القصيدة العربيّة منذ نشأتها في العصر الجاهلي تصاغ على شاكلة واحدة، باستثناء التّحديث النسبي الذي أقرّه وفرضه المولدون في العصر العباسي الأول. وكان الدافع إليه نشأة المدينة وما انجرّ عنها من تحضر ومدنيّة واجتماع. كما كان للمثاقفة مع الأجانب دورٌ فاعلٌ في التوجه نحو الحداثة. غير أنّ هذه الحداثة لم تطل عمود الشعر، وإنما مسّت بعض جوانب البناء كاستبدال المقدّمة الطّلليّة بالمقدّمة الخمريّة، ودخول معجم لغوي جديد إلى الذّاكرة الجماليّة للشاعر. فاللغة الجاهليّة لم تعد لها علاقة مع بيئة المدينة النّاشئة.

يشير النقاد العرب المحدثون إلى التّجديد الحاصل في بنية القصيدة العربيّة في الأندلس. والواقع أنّ الشعر الأندلسي كان يُنظَرُ إليه في فرادته وتميزه عن المشرق في موضوعاته وبنيته الجماليّة. لقد كانت الموشحات استجابة لروح الأندلس والحضارة الناعمة والناشئة هنالك، على غفلة من الشرق العربي المحافظ. وقد كان الموشح مستجيبا لروح القصيدة الهجينة على التّخوم من أوروبا، ولم يكن امتدادا للشعريّة العربيّة التقليديّة. فتلك لم تتأثّر حتّى بالترجمات التي شملت النقد والفلسفة اليونانيين.

لقد تطور الخطاب النقدي العربي تأثّرا بالترجمة عن الثقافة اليونانيّة، ولكن شكل القصيدة بقي وفيّا لأصوله الجماليّة المحافظة، إلى غاية العصر الحديث، حيث أحدث لقاء الشر ق بالغرب ثورة حقيقيّة على عمود الشعر، أدّت إلى ظهور القصيدة الحرّة وطُرِحتْ موضوعات لم تكن في متناول قدماء الشعراء. كانت القصيدة الحرة إذا، قصيدة التفعيلة استجابة لمتطلّبات التّحديث والتّجديد. فظهرت نازك الملائكة في العراق بقصيدة "الكوليرا"، المنشورة في تشرين الأول سنة 1947، وظهر السياب في قصيدته "هل كان حباً" في ديوانه "أزهار ذابلة"، الصادر في كانون الأول سنة 1947. فاستحقا أن يكونا رائدي قصيدة التفعيلة في الوطن العربي. وتعتبر هذه القصيدة بوصفها بنية صوتيّة حديثة وإيقاعا مستحدثا يترجم الوعي الأدبي الهجين للشعرية العربيّة.

وكانت قضية بناء القصيدة العربية وضرورة ملاءمتها لتطور الحياة واحدة من القضايا الثقافية الادبية التي طرحها النقاد والشعراء العرب على حد سواء ، ويعد الشيخ حسين المرصفي من أوائل النقاد العرب الذين عنوا بمفهوم الوحدة العضوية للقصيدة في عصر النهضة ، اذ رأى أن القصيدة وحدة ينبغي أن تترابط أجزاؤها ، وتتصل أبياتها حتى لا يمكن تقديم بيت أو تأخيره من دون أن يؤثر هذا التقديم والتأخير في سياق القصيدة.

وبذلك حاول النقد العربي الحديث أن يحاكي التراث النقدي الغربي في مراحل تطور الشعر وازدهاره، في محاولة منه لبعث القصيدة العربية من جديد بما يلائم تطور الحياة.

ومع تلك المحاولات دخل عنصر ثان الى عوامل التجديد ويتلخص في اطلاع بعض المثقفين العرب على الاداب الاوربية والعمل على الافادة من التطورات التي أصابت تلك الاداب عامة والشعر بصفة خاصة، وكان الشيخ نجيب الحداد واحدا منهم، فكتب في عام (1897م) مقالا في مجلة البيان المصرية قال فيه: أن الاوربيين يصلون بين البيت الأول والثاني في المعنى واللفظ جميعا، بأن يجعلوا الفاعل قافية للبيت ويضعوا مفعوله في أول البيت الثاني ، بحيث يضطر القارىء له الاّ يقف عند القافية بل يصلها بما بعدها في الإلقاء.

ويذهب الدكتور محمد حسين الاعرجي الى أن المثقفين العرب في عصر النهضة بدأوا يسمعون عن أقسام الشعر الاوربي، ويفهمون أن منها ما يسمى بالغنائي، ومنها ما يسمى بالملاحم، ومنها ما يسمى بالتمثيلي، ومنها ما يسمى بالقصصي ، ومنها ما يسمى بالتعليمي، كما ظهر تأثير الادب الغربي على الشعراء المهجرييين، اذ وقع أمين الريحاني تحت تأثير الشاعر الامريكي والت ويتمان، فحاول كتابة الشعر المنثور باللغة العربية لما وجد فيه من فلسفة وخيال وجدة، كما يذكر، وكان هذا الانموذج الجديد غير قادر على مقاومة نمط البناء الذي ساد القصيدة التقليدية في عصر النهضة ، ويعلل الدكتور عبدالواحد لؤلؤة ذلك بقوله أن "أوراق العشب" بخلوها من الوزن والقافية لا يمكن أن تسمى شعرا حسب المفهوم العربي للشعر.

تجليات الحداثة الشعريّة من حيثُ الموضوعات:

ممّا لاشكّ فيه أن مستجدّات القرن العشرين في العالم العربي هامّة وخطيرة، وكان تأثيرها حاسما على الحياة الثقافيّة والأدبيّة. وأهمّ ما ميّز ذلك القرن هو أنّ عددا كثيرا من الدول العربيّة كان واقعا تحت الاحتلال الغربي. ويعني ذلك التماس المباشر مع أشكال جماليّة غربيّة وهيمنتها على الذّائقة العربيّة. فالهيمنة لم تكن سياسيّة فقط وإنما تعدّت تلك الحدود بمسافة كبيرة. وفي مقابل ذلك ظهر الاتّجاه القومي في الفكر العربي الحديث، وكان النظام الكولونيالي يغضّ الطّرف عن نشوء الفكر القومي لكون هذا الفكر قادرا على القضاء على الرابطة الإسلاميّة. ومن تبعات التيار القومي مطالبة العرب بالاستقلال السياسي عن الحكومات الغربيّة. فظهرت هذه المواضيع في الشعر العربي، إذ تغنى الشعراء العرب بالحريّة وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة. وهي موضوعات لم تكن مألوفة في الشعر العربي القديم. كما ظهر شعر التحرّر في فلسطين، تحت مسمّى شعر المقاومة. ومن رواده سميح القاسم وتوفيق زياد ودرويش.

من الموضوعات الحداثيّة أيضا توظيف الأسطورة في القصيدة العربيّة، بوصفها ذات حمولة رمزيّة عالية الخصوبة. وقد تبلورت هذه الظاهرة الجمالية عند السياب كثيرا، من أجل إغناء فكرة الخصوبة والانبعاث والولادة الجديدة، وما شابه ذلك من أفكار فلسفيّة سليلة الحداثة. ووظّف درويش أيضا أساطير يونانيّة وبابليّة كثيرة لخدمة فكرة الثورة والأرض، والإنسان. ومن روائعه التي يوظف فيها الرمز بكثافة نذكر هذه الأبيات من أنشودة مطر:

عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحر (تكرّر المد ثلاث مرات).

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر (3).

عيناك حين تبسمان تورق الكروم (2)

وترقص الأضواء كالأقمار في نهرْ (2)

أتعلمين أي مزنٍ يبعثُ المطر (1)

وكيف يشعرُ الوحيد فيهِ بالضياع (2)

بلا أنتهاء كالدم المراق، كالجياع (3)

كالحب، كالأطفال، كالموتى هو المطر (1)

من الناحية البنيويّة تبدو القصيدة متتالية من الجمل الشعريّة المتناسبة من حيث الطّول، ومن حيث الإيقاع الذي يعمّق الشعور بالفقد والاكتئاب، ويعزّز هذه العاطفة حرف المدّ في كل المقاطع الصوتيّة، التي تبدو ملونة. إنّ تكرار حرف المدّ من شأنه أن يحدث أثرا عميقا في نفس المتلقي. إحساس عميقٌ بالفقد والمأساويّة.

وعند صلاح عبد الصبور نلمس الإحساس بمأساويّة الوجود، وهو شعورٌ سببه الوضع المأساوي للأمّة العربية والهزائم التي مُنِيتْ بها في معاركها ضدّ إسرائيل. لم يعد الشعر إذا خادما للملوك والأمراء والطّبقات النبيلة، بل تحوّل إلى حاملٌ لقضايا الأمّة وعاملا مثوّرا.

المحاضرة الثانية في مقياس "نص أدبي معاصر"/ماستير2نقد

القصيدة العموديّة المعاصرة

توطئة:

لا يزال النص الشعري راسخا في الذّاكرة الثقافيّة والجماليّة للمثقف العربي بكلّ تصنيفاته، رغم الاكتساح الذي عرفته الرواية الوافدة من الغرب الحديث. وأكثر من ذلك فإنّ الشكل العمودي للقصيدة كما ورثناه عن الرواد الأوائل لا يزال محلّ اهتمام وتذوق واحتفاء من قِبَلِ القرّاء. فالأشكال الجماليّة لا تختفي كليّة إلاّ إذا استنفذت شروط وجودها وعوامل حياتها وانتشارها. وقد تختفي هذه الأشكال، أو يقلّ الإقبال عليها من حينٍ لآخر، ثمّ تعاود الظّهور لأسباب قد تبدو مبهمة، لدى عامّة الناس ولكنها معلومة لدى الخاصة من محترفي الشعر. يتعلّق الأمر بهويّة ثقافيّة تقبعُ في القاع الأسفل من اللاشعور ويحرّكها ماضيها الغابر لاسترجاع ملامحها الجماليّة، وبذلك تستعاد على مستوى الممارسة الثقافيّة بشكل ملفت للانتباه. إنّ كثيرا من الشعراء اليوم يؤكّدون استمرار الشكل العمودي للقصيدة، وجدواه من حيثُ علاقته بالهويّة الفنيّة للإبداع. بل ويفضّلونه على قصيدة التفعيلة التي تعبّر عن تفكك الذّائقة الجماليّة للعرب بفعل الهجوم المتوحّش للحداثة الغربيّة التي دمّرت بُنى الثقافات المحليّة لمستعمرات أوروبا وشوّهت الوعي الأدبي للمبدع وللقارئ، فلا هما قادران على محاكاة النّموذج الغربي والحلول فيه، ولا هما قادران على استرجاع الهويّة الثقافيّة والجماليّة للذّات المتشظّية.

 

 

 

 

 

 


هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد
أنت الآن تدخل بصفة ضيف (تسجيل الدخول)
ملخص الاحتفاظ بالبيانات
احصل على تطبيق الجوّال
مشغل بواسطة مودل