المحاضرة السادسة: أبعاد وعوامل تغير الروابط الاجتماعية
د. أيت عيسي حسين/ قسم العلوم الاجتماعية/ المركز الجامعي لتيبازة – 2023-2024
مقياس سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي1
السنة الثالثة – ليسانس علم الاجتماع/ السداسي الخامس
المحاضرة السادسة: أبعاد وعوامل تغير الروابط الاجتماعية
1. حتمية تغير الراوابط الاجتماعية:
إن التغير قانون ثابت يحكم كل المجتمعات والظواهر الاجتماعية، والروابط الاجتماعية هي الأخرى تتغير، ذاتيا وضمن بوتقة تغير المجتمع ككل. بحيث تخضع لميكانيزمات ذاتية، وايضا لتأثير عوامل خارجية، تتمثل في منحى ووتيرة التغيرات الثقافية-القيمية والاقتصادية-المهنية والحضرية-العمرانية والعلمية-التكنولوجية. إن التغير الذي نرصده عند مقارنة الحاضر بالماضي، يمثل دليلا على أن تغير هذه الروابط مستقبلا هو حتمية اجتماعية وعالمية، حيث لم تكن الروابط الاجتماعية أبدا ثابتة، أي على نمط أو خصائص أو وظائف أو حالة واحدة.
2. أبعاد ومظاهر ووجهة تغير الروابط الاجتماعية في المجتمع الجزائري:
يشهد المجتمع الجزائري، كغيره من المجتمعات عبر العالم، ظاهرة تنامي النزعة الفردانية والاستقلالية والتحرر من مختلف جماعات الانتماء الأولية وأشكال الضبط والرقابة الاجتماعيين، وكذا تسارع ظاهرة التحضّر وانتشار نمط الثقافة الحضرية كأسلوب حياة، وتعميم شبه مطلق لاستخدام تكنولوجيات الاتصال الحديثة عبر شبكة الانترنت، بما في ذلك، بل خاصة، استخدام الهواتف الذكية والادمان على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه المتغيرات الثقيلة تقدم لنا تفسير أولي لما نلاحظه من أن تغير الروابط الاجتماعية يتخذ وجهة شبه موحّدة على مستوى الأبعاد الأساسية والمتكاملة التالية:
1- على مستوى بعدي النمط والشكل: حيث يلاحظ أن العلاقات الاجتماعية تتحول تدريجيا من سيطرت العلاقات الأولية والمباشرة إلى تنامي العلاقات الثانوية وغير المباشرة، أي الممارسة عبر وسائط، وهي افتراضية أكثر فأكثر.
2- على مستوى بعدي القوة والعمق: حيث يلاحظ أن العلاقات الاجتماعية تتحول تدريجيا من سمات القوة والعمق والاستمرارية، إلى سمات الضعف والسطحية والتلاشي.
3- على مستوى أبعاد الكثافة والتنوع والنطاق: حيث العلاقات الاجتماعية صارت أكثر كثافة (كميا) وتنوعا واتساعا، مقارنة بعلاقات اجتماعية تقليدية كانت تتسم بالقلة والتشابه، أو التجانس، وكذا الانحصار ضمن رقعة جغرافية محدودة، كما هو الحال في الريف إلى يومنا هذا.
هذا ما يطرح تساؤل جوهري يتعلق ب مآل الروابط الاجتماعية في المستقبل.
3. العوامل المفسرة:
بالإضافة إلى ما سبق ذكره، فإنه لا يمكن لظاهرة ما أن تنشأ وتنمو في المجتمع، إلا من خلال تأثير متعدد المتغيرات، أي بفضل رزمة من العوامل، وليس أبدا بسبب عامل وحيد، وأيضا ضمن إطار سيرورة وتراكمات تاريخية. فما هي ابرز العوامل، أو فئات العوامل، التي يمكن من خلالها تفسير تغير الروابط الاجتماعية؟
أولا: العامل الثقافي- القيمي: العولمة الثقافية وتنامي قيم التحرر من الضبط والضمير الاجتماعي وكذا الاستقلالية والفردانية.
ثانيا: العامل الاقتصادي- المهني: (خاصة الانتقال من الاقتصاد العائلي المشاعي إلى العمل الفردي المأجور)
ثالثا: العامل الحضري- العمراني: فالتحضر المتسارع قد مارس تأثير عميق من حيث انحسار المبررات القيمية والضرورات المعاشية للروابط التقليدية، وكذا من خلال خصائص أسلوب الحياة في المدن، مثل التنوع الثقافي والمجهولية، التي خلقت روابط أكثر ثانوية وبراغماتية، أي نفعية، بمرجعيات ومعايير موجهة جد متعددة وكذا تنامي النزعة الفردانية لدى الإنسان الحضري.
رابعا: العامل العلمي- التكنولوجي: كما أن الاستخدام الواسع للتقدم التكنولوجي المذهل والسريع المتعلق بمجال الاعلام والاتصال يؤدي إلى بروز أشكال جديدة للروابط الاجتماعية، كما هو الحال بالنسبة للروابط غير المباشرة (بوسائط) وكذا الافتراضية، تلك التي قربت البعيد وخلقت بالمقابل ظاهرة العزلة الاجتماعية.