المحاضرة3. لمحة عن نشأة وتطور علم اجتماع التربية (سوسيولوجيا التربية أم سوسيولوجيا المدرسة)
محاضرات على الأرضية الرقمية/ د. أيت عيسي حسين/ قسم العلوم الاجتماعية/ المركز الجامعي مرسلي عبد الله – تيبازة – 2021/2022
مقياس نظريات علم اجتماع التربية1
السنة الأولى – ماستر علم اجتماع التربية - السداسي الأول
المحاضرة3. لمحة عن نشأة وتطور علم اجتماع التربية (سوسيولوجيا التربية أم سوسيولوجيا المدرسة)
1. نشأة وتطور علم اجتماع التربية:
يقول (أسعد وطفة) في كتابه (علم الاجتماع المدرسي)، أن "هذا الفرع العلمي قد تأسس في مطلع القرن العشرين، على أيدي مفكرين عمالقة مبدعين في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، مثل إميل دوركايم وماكس فيبر وكارل ماركس وجون ديوي. وشهد نهضته العلمية في أواسط القرن العشرين، أي بعد الحرب ع2".
لكن لا ينبغي في نظرنا أن نغفل فضل مؤسس علم العمران، العلامة ابن خلدون، الذي كان له السبق الزمني في إدراك وتحليل الظواهر التربوية والتعليمية برؤية اجتماعية، حيث عقد في كتابه الشهير (المقدمة) فصولا باهرة وإبتكارية حول عديد مواضيع ومسائل التربية والتعليم، بنظرة كلّية وعميقة ومقارنة وموضوعية. وقد أنجزت عديد الدراسات العلمية حول فكره التربوي.
وعلى كل حال فإن المساهمة الأهم في تأسيس هذا التخصص هي مساهمة إميل دوركايم، الذي قدم رؤية عميقة ومتكاملة ومنهجية، في إطار أكاديمي، عن الأبعاد والوظائف الاجتماعية للتربية، والعلاقة بين التربية والمجتمع، وخاصة عن التربية الأخلاقية. لقد تأسس علم اجتماع التربية، كتخصص علمي أكاديمي مستقل، في فرنسا على يد إميل دوركايم. ثم تطور بسرعة استجابة لمجمل الرهانات والمشكلات والتساؤلات التي تمخضت عن تعميم وتوسيع التعليم، خاصة على المستوى الاقتصادي والسياسي.
في فرنسا، علم اجتماع التربية هو مجال بحث قديم وجديد نسبيا في آن واحد. قديم، لأنه منذ نهاية القرن 19 فإن دوركايم جعل من مسألة الاندماج الاجتماعي الموضوع الأساسي للسوسيولوجيا، ما أضفى أهمية محورية على عمليات التنشئة الاجتماعية للأفراد ، خاصة من خلال المدرسة. وقد تأخر علماء الاجتماع الفرنسيون الى غاية ستينات القرن20 لكي يشرعوا في إنجاز دراسات ميدانية حول النظام التعليمي. بينما تمكن زملاؤهم الانكلوساكسون من الانتقال الى ذلك بمجرد نهاية الحرب، أي في الاربعينات، خاصة في بريطانيا العظمى، بفضل الاهتمام والتحفيز والتمويل الحكومي. (فان زانتان، ص)
لقد كان الهدف من التحقيقات الاحصائية الكبرى لسنوات 60 - 70 ، التي اجريت في فرنسا، هو الاستجابة للانشغالات الاجتماعية والسياسية التي كانت مطروحة آنذاك، مثل دور التربية في النمو الاقتصادي، دمقرطة التعليم .. إلخ. لكن هذه التحقيقات قد كشفت عن الفوارق الاجتماعية أمام الالتحاق بالتعليم وكذا النجاح الدراسي. ومع مطلع السبعينات برزت عديد القراءات النظرية، خاصة البنائية وذات المنحى الماكرو اجتماعي، من أجل فهم ماذا يجري في المدرسة، خاصة بالنسبة لظاهرة تفاوت حظوظ النجاح الدراسي. ثم تواصل سعي علماء الاجتماع إلى فتح هذه (العلبة السوداء)، لكن باتجاه فهم العمليات والتفاعلات التي يتم من خلالها انتاج التفاوت الاجتماعي أمام المدرسة، من خلال مقاربة ميكرو اجتماعية تهتم بالبرامج الدراسية والتفاعل داخل الأقسام وطبيعة العلاقات ضمن المدرسة (التوافق/ الصراع والعنف)، وكذا اندماج المدرسة في بيئتها الاجتماعية، وغيرها من زوايا ومواضيع الاهتمام الجديدة التي تزامنت أيضا مع توسع تطبيق المناهج الكيفية في الدراسات السوسيولوجية. برزت ايضا أطر نظرية ومفاهيم جديدة، كالهابيتوس و الاستراتيجيات والعلاقة بالمعرفة والخبرة المدرسية .. إلخ، بما أن الفاعلين قد صاروا في قلب التحليل السوسيولوجي. (فان زانتان،)
2. علم اجتماع التربية أم علم اجتماع المدرسة ؟
عبارة علم اجتماع التربية (Sociologie de l’éducation)، المستخدمة غالبا من طرف علماء الاجتماع الفرنكفونيين (الذين يؤلفون باللغة الفرنسية)، هي ترجمة حرفية لعبارة (Sociology of education)، في حين نجد أن أغلبية الدراسات المنجزة ضمن هذا الحقل لا تتعلق سوى بالمؤسسات التعليمية، بل بأنماط التكوين الأساسي حصريا. فالتعليم المستمر والاشكال اللامدرسية للتدريب والتعليم لم تحظى إلا باهتمام قليل جدا. (فان زانتان، ص)
إن علم اجتماع تربية حقيقي، بالمعنى الدقيق لكلمة التربية، من شأنه أن يشمل حقلا شاسعا جدا. ذلك لأن الآليات التي ينقل من خلالها المجتمع إلى أعضاءه مجموع المعارف وأنماط الوجود والسلوك، الضرورية لاستمراره، هي آليات لا متناهية التنوع. سيكون بالأحرى علم اجتماع للتنشئة الاجتماعية (une sociologie de la socialisation) ، مهتما بكل بيئات حياة الطفل والراشد، غير مقتصر على المدرسة. (فان زانتان، ص)
وذلك ما ذهب إليه أيضا الباحث في علم اجتماع التربية (محمد شرقاوي)، في مقدمة كتابه (Sociologie de l'éducation)، فقد كتب يقول: " إذا أخذنا بعين الاعتبار المعنى اللاتيني الاشتقاقي لمصطلح التربية أو التثقيف (Educere) ، الذي يعني جعل كائن غير اجتماعي يصبح اجتماعيًا ، فسيكون علم اجتماع التربية مجالًا واسعًا جدا بحيث يشمل جميع الأنشطة البشرية تقريبًا. ولكن المعنى المعتمد هو المعنى الضيق للكلمة، المستعارة من اللغة الإنجليزية (Sociology of Education)، والذي يقصد به علم اجتماع الانظمة التعليمية"، أي علم اجتماع التعليم أو علم اجتماع المدرسة. (شرقاوي، من المقدمة)
علم اجتماع التربية يدرس المدرسة باعتبارها مؤسسة اجتماعية، تتسم بأنها سابقة في الوجود عن الفاعلين [أي التلاميذ والمعلمين والادرايين والاولياء]، تؤدي وظائف أوسع من مجرد التعليم، تتمثل في التنشئة الاجتماعية والتحضير لعالم الشغل والادماج الاجتماعي. (فان زانتان، ص)
نستنج أن موضوع علم اجتماع التربية ، بالمعنى الضيق، هو التعليم المدرسي أو التمدرس (la Scolarisation)، بينما هو بالمعنى الواسع يتمثل في التنشئة الاجتماعية(une sociologie de la socialisation) .، التي تتجاوز بطبيعتها الاطار المدرسي. ولذلك نجد بعض علماء الاجتماع الذين يتبنون المعنى الأول يستخدمون عبارة أو تسمية علم اجتماع المدرسة.
وعلى كل حال فإنه لا يمكن ضبط موضوع البحث لعلم كعلم الاجتماع، يعيد تحديد ذاته باستمرار كلما رصد مواضيع جديدة. (فان زانتان، ص)
..........................