المحاضرة1: مفهوم وأهمية الرابط الاجتماعي
د. أيت عيسي حسين/ قسم العلوم الاجتماعية/ المركز الجامعي لتيبازة – 2022-2023
مقياس سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي1 السنة الثالثة – ليسانس علم الاجتماع / السداسي الخامس
المحاضرة1: مفهوم وأهمية الرابط الاجتماعي Le lien social
إن أولى خصائص مفهوم الرابط الاجتماعي تكمن في أنه كثير الاستخدام لكن نادرا ما يتم تعريفه بدقة. وهذا ما يزيد مهمة تعريفه بالنسبة لنا صعوبة وتعقيدا. من الناحية اللغوية، وكما هو موضّح بدقة من طرف الباحث السوسيولوجي (محمد بومخلوف)، فإن الروابط مشتقة من لفظ ربط، كما في لسان العرب: ربط الشيء، يربطه، فهو مربوط. والرباط هو ما يربط به، كما تشدّ به الدابة ونحوها. والمرابطة تعني ملازمة ثغر العدو، والرباط هو المواظبة على الأمر، قال تعالى:"اصبروا وصابروا ورابطوا".
وهكذا فالروابط هي كل ما يشد الناس بعضهم إلى بعض، سواء كانت ذات طابع مادي أو معنوي. ومن ثم فالروابط هي تلك الصلات والأواصر والالتزامات التي تجمع الناس وتشد بعضهم الى بعض، مهما كانت طبيعتها، دموية أو تقليدية أو حديثة، وتشعرهم بأنهم أعضاء جماعة واحدة، تجمعهم قيم وأعراف ومثل عليا مشتركة. طبعا بالإضافة إلى القوانين والمصالح المتبادلة.
كما يقدم لنا الباحث السوسيولوجي المتخصص في المسألة (رشيد حمدوش)، تعريف آخر موجز ودقيق، حيث كتب يقول: "نقصد بالرباط الاجتماعي تلك العلاقات الاجتماعية التي تتم وتجمع بين الأفراد في حالات التقابل، سواء أكانت علاقات شخصية أو لا شخصية".
إننا نعتقد أن كل هذه التعاريف متكاملة، وتنوعها نابع من خاصية تعقيد وتركيب مفهوم الرابط الاجتماعي. وبالإضافة إلى ما يبق، وربما حوصلة لذاك، فإن الرابط الاجتماعي، أو الرباط الاجتماعي، يعبّر عن مجموع عوامل وأنماط ومظاهر العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات ضمن مجتمع معين بحيث تصيّره متلاحما، أي متماسكا، كالقرابة والجيرة والصداقة والعمل والمواطنة. تعكس البعد الاجتماعي للفرد وتتحدد من خلال طبيعة المجتمع، أي بنمط ثقافته وأسلوب معاشه وأعرافه وتشريعاته وديمغرافيته ودرجة تحضّره وبيئته الطبيعية أيضا. فهي تبني المجتمع الذي يبنيها بدوره.
فهو مفهوم ليس بالبسيط، بل هو مركب، أي أنه متشعب في أبعاده ومستوياته، إذ يشير إلى "وقائع متعددة، تبدأ من مجموع العلاقات المحسوسة التي نباشرها مع الأسرة والأصدقاء والزملاء أو الجيران، لتصل الى الميكانيزمات الجماعية للتضامن، مرورا بالمعايير والقواعد والقيم والهويات التي نكتسب من خلالها الحد الأدنى من الانتماء الجماعي" .
إن البعد الثقافي للروابط الاجتماعية يتجاوز مجرد تأثير الثقافة المشتركة على التلاحم الاجتماعي، ليشمل تأثير مكونات الثقافة على تصورات وممارسات الروابط ذاتها، كالدين واللغة والقيم والمعايير والأعراف والقوانين والآداب والأذواق، فمثلا نظام الزواج والتبني الإسلامي يحدد روابط القرابة في مجتمعنا. ونمط الثقافة قد يكون إما داعما للروح الجماعية أو بالعكس للنزعة الفردانية. لكن الروابط الاجتماعية تنموا أيضا وتتغير عبر الزمن وتنتقل كما تتبدل عبر الأجيال وضمن إطار سياق تغير المجتمع ككل، فهي ليست ثابتة وإن كانت مستمرة، تتأثر بكل التغيرات الطارئة على الأوضاع الثقافية والاقتصادية والسكانية والسياسية والأمنية والعمرانية والتكنولوجية. غير أن منحى ووتيرة تغير الروابط الاجتماعية الذي نرصده عند مقارنة الحاضر بالماضي، يمثل دليلا على أن تغير هذه الروابط مستقبلا هو حتمية اجتماعية.
إن الرابط الاجتماعي ظاهرة اجتماعية كلية بامتياز، يستوعب كل المراحل العمرية لحياة الفرد كعضو ينتمي إلى مجتمع ما، من المهد إلى اللحد، أي من لحظة الميلاد إلى لحظة تشييع الجنازة، وهما لحظتان تخضعان لمنطق الاعتراف والانتماء والحماية وتعكسان قوة التماسك والتضامن الاجتماعي. وكما أنه، أي الرابط الاجتماعي، يشمل ويستوعب مختلف المؤسسات والحقول والمستويات الاجتماعية، من الأسرة إلى الدولة، من العلاقة الأولية المبنية على النسب البيولوجي الى علاقة المواطنة المبنية على الانتماء السياسي. وهو واحد ومتعدد، ثابت ومغير، ماكرو وميكرو اجتماعي.
لكن مفهوم وأهمية الرابط الاجتماعي لا يمكن أن تتضح من خلال هذه الأسطر، بل يتطلب الأمر الخوض في أبعاده وأنماطه ووظائفه وتحولاته الأساسية، كما هو حال كل المفاهيم المعقدة. وهو ما سوف نعرضه لاحقا. لكن قبل ذلك لا بد من توضيح دلالات عديد المفاهيم ذات الصلة الوثيقة بظاهرة الروابط الاجتماعية. يقول (رشيد حمدوش) مبرزا أهمية مسألة الرابط الاجتماعي، "لقد جاءت نشأة وبروز علم الاجتماع كعلم مستقل بذاته عن العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى، عقب تلك الأعمال والتأملات الفكرية التي عنيت بكل ما يربط الأفراد بينهم وكيف يمكن للأفراد أن يعيشوا سويا، وذلك خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومن بين الأعمال التي مهدت لهذه النشأة كتاب (الجماعة المحلية والمجتمع) لفرديناند تونيز، وكتاب (تقسيم العمل الاجتماعي) لإميل دوركايم، باعتبارهما مرجعين أساسيين ومؤسسين لعلم الاجتماع، حيث تم فيهما طرح مسالة التضامن الاجتماعي كمسألة محورية وأساسية للعلم الجديد، أي علم الاجتماع" . وفي ظل التحولات الاجتماعية الشاملة والعميقة والمتسارعة التي يتعرض لها مجتمعنا، سواء على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، وبالنظر الى كل الظواهر المرضية التي برزت على مسرح الحياة اليومية والعيش المشترك، تحت وطأة انتشار التحضّر و إكراهات العولمة وتطور استخدامات تكنولوجيا الاتصال بوجه خاص، فإن التفكير والبحث السوسيولوجي في مسألة الرابط الاجتماعي يكتسي أهمية بالغة ومتزايدة في مجتمعنا الجزائري.