المحاضرة4: بيار بورديو - نظرية إعادة الانتاج والرأسمال الثقافي
قسم العلوم الاجتماعية- المركز الجامعي تيبازة –2022/2023
مقياس نظريات علم اجتماع التربية2 - السنة الأولى ماستر - علم اجتماع التربية
الأستاذ / أيت عيسي حسين
المحاضرة4: بيار بورديو - نظرية إعادة الانتاج والرأسمال الثقافي
1. تعريف بعالم الاجتماع (بيار بورديو):
بيار بورديو Pierre Bourdieu ، 1930 – 2002، هوعالم اجتماع فرنسي، كان أستاذا في معهد collège de France. ذاع صيته في العالم بأسره بفضل نوعية وعمق وإبداعية مقارباته ومفاهيمه السوسيولوجية, وقد انصبّت أعماله، التي ألقت ظلالها على العلوم الاجتماعية ككل، على كشف الأشكال والآليات الخفية للهيمنة. وتتنظم رؤيته الفكرية حول مفاهيم محورية ومتكاملة (الهيبيتوس، الحقول، رأس المال الثقافي والاجتماعي، إعادة الإنتاج، العنف الرمزي..)، التي نحتها ووظفها في تحليل مجالات وقضايا عديدة مثل التعليم والسياسة والفن والمعرفة... وغيرها )أنظر: ف كابان). تعتبر سوسيولوجيا (بورديو) الحوصلة المعرفية للمدارس النظرية السوسيولوجية الثلاث الكبرى، المتمثلة في كل من كارل ماركس وماكس فيبر وإميل دوركايم. وتلك هي إحدى عوامل قوة مقاربته النظرية وعمق تحليلاته السوسيولوجية التي تشمل مختلف مجالات وقضايا البحث في علم الاجتماع، بل تتجاوزه الى علوم اجتماعية وإنسانية أخرى، كالفلسفة والانثروبولوجيا والتاريخ والإقتصاد والعلوم السياسية.
يقول الباحث المغربي جميل حمداوي: لقد "أغنى (بيار بورديو) السوسيولوجيا المعاصرة بمفاهيم لا يمكن تجاوزها، مثل: العنف الرمزي، وإعادة الإنتاج، والحقل الاجتماعي، والهابيتوس، والرأسمال الثقافي، والبنيوية التكوينية، والمدى الحيوي، والتمايز، وسوق الخيرات الاجتماعية. وهو من أهم ممثلي المقاربة الصراعية الماركسية، وكذلك من أهم رواد البنيوية التكوينية (Structuralisme constructiviste) الذين جمعوا بين الفهم والتفسير، بين الذاتية والموضوعية، بين الماكرو والميكرو، بين الحتمية والفاعلية... علاوة على ذلك، تنبني نظريته السوسيولوجية على دراسة المجتمع باعتباره فضاء للصراع والمنافسة والهيمنة، مع تحليل تراتبية مختلف الطبقات الاجتماعية، وتبيان الدور الذي تقوم به الممارسات الثقافية داخل الصراع الذي يحدث بين هذه الطبقات الاجتماعية بشكل واع أو غير واع، ثم استجلاء الكيفية التي تعيد بها المدرسة إنتاج التفاوت الاجتماعي وعلاقات الهيمنة" .
ترك بورديو إنتاج علميا غزيرا وتنوعا، عشرات الكتب ومئات المقالات والمحاضرات التي ألقاها في أرقى جامعات العالم. نذكر من بين أشهر مؤلفاته:
-Bourdieu Pierre et Passeron Jean-Claude, Les héritiers : les étudiants et la culture, Pierre Bourdieu et Alain Darbel, L'amour de l'art : Les musées et leur public
-Bourdieu Pierre, Chamboredon Jean-Claude et Passeron Jean-Claude, Le métier de sociologue
-Bourdieu Pierre et Passeron Jean-Claude, La reproduction : Éléments d’une théorie du système d’enseignement,
-Bourdieu Pierre, La Distinction. Critique sociale du jugement,
-Bourdieu Pierre, Le Sens pratique,
-Bourdieu Pierre, Questions de sociologie,
-Bourdieu Pierre, Ce que parler veut dire : l'économie des échanges linguistiques,
-Bourdieu Pierre, La misère du monde . (1 460 p)
-Bourdieu Pierre, La domination masculine
2. كتاب الورثة (1964) - الدراسة التأسيسية:
ذكرنا في محاضرة سابقة أن النظرة الليبرالية تبشر بالانتقال من مجتمع يرث فيه الأبناء عن الآباء امتيازات الغنى والوجاهة الاجتماعية الى مجتمع يتبوأ فيه فيه هؤلاء الأبناء مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية بناء على جهدهم الفردي. فأيديولوجية الاستحقاق تعني بان الانتقاء المدرسي شرعي لأنه مبني على مقاييس علمية وموحدة وموضوعية.
لقد تعرض مبدأ الاستحقاق إلى انتقادات شديدة مدعمة بدراسات علمية أثبتت بأنه لا يعدو ان يكون وهمي وتضليلي، إذ لا شيء يخدم النظام الرأسمالي الطبقي القائم أكثر من الاختبارات التي لا يرقى إليها شك، بينما هي تنتج التمييز لصالح الفئات المحظوظة حينما تبنى على وهم تجانس جمهورها. إن إضفاء الشرعية على النتائج التعليمية، من خلال وهم الاستحقاق الفردي، يعتبر الاكتشاف الذي توصل اليه (بورديو) بمعية (باسرون) في كتاب (الورثة) الذي صدر سنة (1964) ثم في كتاب (إعادة الانتاج) الذي صدر سنة (1970). فالانظمة التعليمية في البلدان الرأسمالية تقوم بوظيفة اعادة انتاج بنية الهيمنة والتفاوت الطبقيي ، بل تعزيزها من خلال اضفاء الشرعية عليها : و تبعث هذه الدراسة دراسات اخرى مشابهة جرت في بلدان اخرى و لا سيما في الولايات المتحدة الامريكية، ومن ابرزها دراسة (جنكس و رفاقهjenks :c ) بعنوانinequality سنة 1972.
في هذا العمل العلمي الذي نُشر عام 1964 ، يخلص (بيار بورديو وجون كلود باسرون) إلى إثبات وجود مجتمعات فرعية، ضمن المجتمع العام، لديها وضعية مختلفة حيال الثقافة والتعليم. وفي هذا الكتاب يقدم عالمي الاجتماع تحليلا للمدرسة باعتبارها مؤسسة تعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي. ذلك لأن شروط ومعايير النجاح في النظام التعليمي تلعب ضد أبناء الطبقات المحرومة.
وبحسب النتائج المتوصل إليها والتفسيرات التي قدمها (بورديو وباسرون) فإن المدرسة، التي دائما ما تقدم نفسها باعتبارها كأداة ديمقراطية للحراك الاجتماعي، تقوم بوظيفة كامنة تتمثل في إضفاء الشرعية على تفاوت الحظوظ التعليمية والاجتماعية، وبالتالي إدامتها. فمن خلال توظيفها لمعايير التقييم الخاصة بها فإنها تقوم بتحويل امتيازات التلاميذ والطلبة، التي هي في الحقيقة محددة وموروثة اجتماعيا، إلى جدارة ومواهب شخصية.
فاستنادًا إلى الإحصائيات التي تقيس تفاوت الفرص في الالتحاق بالتعليم العالي وفقًا للأصل الاجتماعي والجنس واستنادًا إلى الدراسة الميدانية لإتجاهات الطلبة والأساتذة، وكذا تحليل قواعد اللعبة في الحقل الجامعي، غير المكتوبة غالبا، فإن (بيار بورديو) وزميله (جون كلود باسرون) تمكّنا من تسليط الضوء، إلى جانب تأثير عامل التفاوت الاقتصادي، على الدور الحاسم للرصيد الثقافي، كرأسمال خفي يتكون من المعارف وأنماط التصرف والكلام (savoirs, de savoir-faire et de savoir-dire) ، الذي يدين به أبناء الطبقات المحظوظة (العليا) لبيئتهم الأسرية.
3. كتاب إعادة الانتاج (1970) – بلورة النظرية:
كتاب (إعادة الانتاج) (La Reproduction. Éléments pour une théorie du système d'enseignement) الذي صدر سنة 1970، هو امتداد معرفي وتنظيري للأفكار والتحليلات التي طرحت من قبل في كتاب (الورثة) ، ففي (إعادة الانتاج) يقوم بورديو وباسيرون ببلورة نظرية عامة حول النظام التعليمي، من خلال توظيف مفهوم بالغ الاهمية، هو: العنف الرمزي المشروع (la violence symbolique légitime) ، بالإضافة إلى مفهوم الرأسمال الثقافي.
فالعنف الرمزي هو ترويض حذق للعقول، يقوم على اساس جعل التمثّلات المهيمنة (الدوكسا) تمرر إلى ذهن الناس على أنها طبيعية. (فيليب كابان، ص 221). إن المدرسة، بتعبير بورديو، تنتج أوهامًا، لكن آثار تلك الأوهام ليست وهمية.
« L’École produit des illusions dont les effets sont loin d’être illusoires »
4. مفهوم رأس المال الثقافي ودوره في إعادة الإنتاج:
لقد ميّز بيار بورديو، في إطار مقاربته السوسيولوجية لظاهرة إعادة إنتاج تفاوت الحظوظ الاجتماعية أمام التعليم، وانطلاقا من رؤية بنيوية وتجاوز النزعة الاقتصادية المفرطة في التحليل الماركسي، بين ثلاثة أبعاد أو أنماط أساسية ومتكاملة للرأسمال، الذي قد يمتلكه أو يفقده الفرد باعتباره عضوا وفاعلا ينتمي إلى هذه أو تلك من الطبقات والأوساط الاجتماعية، وهي تتمثل في كل من:(الرأسمال الاقتصادي (المادي والمالي)- الرأسمال الاجتماعي - الرأسمال الثقافي- الرأسمال الرمزي).
فإذا كان الرأسمال، بمفهومه التقليدي أي بمعنى الرأسمال الاقتصادي كامتلاك ثروات مادية أو مالية، عنصرا مهما في التكوين الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، إلى الحد أنه يضع بالقوة الأغنياء مقابل الفقراء، فإن غيره من أنواع الرأسمال تلعب دورا لا يقل أهمية في الديناميكا الاجتماعية. وفي موقف معارض للرؤية الاقتصادية المفرطة، يطرح بورديو لهذا الأنواع الأخرى من الرأسمال التحليل الماركسي الذي يؤسس العلاقات الاجتماعية، وكذا النزاعات الناتجة عنها، حول حيازة ومضاعفة الثروة. (معجم بورديو، ص 162).
لقد أثبت بيار بورديو أن الغنى الثقافي للعائلة يشرط الحظوظ التعليمية للأبناء أكثر من غناها المادي، مرددا مقولته الشهيرة: "الثقافة لم تثقف أبدا ولن تثقف أبدا إلا من هم مثقفون".
في مقال له بعنوان « Les trois états du capital culturel » فإن بورديو يحدد الأشكال الأساسية التالية للرأسمال الثقافي:
أولا: الحالة المستبطة: استعدادات ومعارف ومهارات، تؤسس في مجملها لهابيتوس خاص.
ثانيا: الحالة المجسدة: ممتلكات ثقافية (لوحات فنية، كتب، قواميس، أجهزة.. إلخ)
ثالثا: الحالة المؤسسية: شهادات تعليمية.
ان العلاقة التفاعلية بين عامل داخلي (نموذج ثقافي مدرسي)، وبين عامل خارجي (نموذج ثقافي عائلي) هي التي تقف من وراء تفاوت الحظوظ في النجاح التعليمي للأبناء، وان المدرسة لا تقوم فقط بتسجيل الفروق التي تسبقها وانما تضيف الى ذلك تحويلها الى فروق دراسية.
دور العوامل الثقافية دور حاسم من الناحيتين العائلية والمدرسية، وفي كلا الحالتين لابد من فهم الثقافة فهما واسعا. فمن الناحية العائلية تشمل الثقافة الرأسمال الثقافي بمفهومه الدقيق (شهادات الأولياء أي مستواهم التعليمي، مكتبة العائلة، ممارسات ثقافية (زيارة المسرح أو المتحف..) وأيضا العادات والملكات والمثل، وبالأخص الآمال والطموحات المتعلقة بالتمدرس (والذي يقاس بالأهمية المولاة للمشروع المدرسي، ودرجة الثقة في المدرسة كجسر نحو الارتقاء الاجتماعي)، هذا من جهة العائلة، أما من جهة المدرسة فإن الثقافة تشمل: كيفية ومعايير وجوانب تقييم التلاميذ والطلبة من طرف الأساتذة. في هذا الاطار تظهر المقارنة أن ثقافات الفئات الشعبية (الطبقة الدنيا) تعتبر بدون مردودية في الحقل المدرسي، وذلك لأن طريقة نقل الثقافة في المدرسة هي طريقة تتسم بالرمزية.
لكن خطورة الإنتقاء المدرسي – في نظر بورديو طبعا- تتمثل في أنه يبدو في الظاهر شرعيا ومبنيا على مقاييس علمية وموضوعية، وأنه بالتالي ثمرة ونتاج الجهد الفردي للتلاميذ، أو تقاعسهم، فالكل يأخذ ما يستحق وهذه هي إيديولوجية الإستحقاق، التي تضفي شرعية وهمية على الحكم المدرسي. وإن الإنتقاء المدرسي المبني على الهوية الاجتماعية المتباينة للمتمدرسين بالإضافة إلى إضفاء الشرعية عليه بواسطة إيديولوجية الإستحقاق، يمثلان ركني نظرية إعادة الإنتاج.
« Les inégalités sociales face à la réussite scolaire ne tiennent pas tant à des différences de richesse qu’à des différences de culture. Selon Bourdieu, un ( privilège culturel ) caractérise les étudiants issus des classes les plus favorisées
(les fameux héritiers ) »
إن نظرية بورديو تنطوي على إمكانات نظرية في توضيح وإجلاء العلاقة بين التربية والبنية الطبقية في المجتمعات المعاصرة، ويرى هذا العالم السوسيولوجي أن تحقيق المساواة في الحظوظ التعليمية لن يتحقق ما دام التفاوت الاقتصادي والإجتماعي قائما. وبالرغم من غياب دراسات شمولية ونسقية حول المرحلة التي تعقب التخرج من المدرسة نحو عالم الشغل، فإن (بورديو) يعتبر بأنه توجد علاقة جد وطيدة بين نوعية الشهادة وحظوظ التوظيف وقيمته أيضا، كما يلفت الانتباه إلى أن الشهادات التي كانت لها قيمة إجتماعية سابقا في عالم الشغل، تفقد قيمتها تدريجيا كلما تمكنت الفئات الاجتماعية المحرومة من إحرازها أكثر فأكثر، وأنه حتى مع حصول أبناء الفئات الاجتماعية المحرومة على الشهادات التي تضمن مركزا إجتماعيا مرموقا، فإن الوصول الفعلي إلى هذا المركز يتطلب اكتساب رأسمال من نوع آخر، هو الرأسمال الاجتماعي (العلاقات، المعارف، والشبكات) وهو رأسمال متمركز خاصة لدى الفئات الاجتماعية العليا.
............................. انتهى