المحاضرة الثانية عشر: التقييم النفسو عصبي والمعرفي للإضطرابات البرغماتية
التقييم النفسوعصبي و المعرفي للاضطرابات البرغماتية :
لقد سمح تطور البرغماتية في النصف الثاني من القرن العشرين بفتح افاق مهمة نحو دراسة الجوانب الوظيفية للغة التي كانت سابقا تفهم من خلال جانبها الشكلي فقط.
اشتق مصطلح البرغماتية من الكلمة اليونانية « Pragmatikos » و التي تعني الفعل ، وقد عرفها قاموس ويبستر العالمي) (Webster بأنها : تيار فلسفي أنشأه " تشارلز بيرس Peirce Senders Charles " و "وليام جميس
James Will " يدعو إلى حقيقة أن كل المفاهيم لا تثبت إلا بالتجربة العلمية ". ومنه ظهر التيار البرغماتي مع ظهور نظرية الاشارة )السيميولوجيا ( للفيلسوف الأمريكي Peirce و ذالك بداية القرن التاسع عشر "حيث جعل للعلامة ثلاث أبعاد و المتمثلة في Representamen و التي يقابلها في ثنائية ديسوسير الدال )صورة سمعية او بصرية للكلمة( و Interprétant و التي يقابلها المدلول في مصطلح دي سوسير )الصورة الذهنية (مضيفا الشيء أو المرجع Objet )الشيء الممثل بالإشارة في الواقع(. و في نفس الاتجاه نجد Morris سنة 1391 قد ميز بين ثلاث مكونات لنظرية اللغة "التركيب "و يدرس العلاقة بين العلامات و"الدلالة " التي تدرس العلامات و قواعد حملها دلالة معينة و "البرغماتيا" و تدرس العلاقة بين العلامات و مستخدميها.
حسب Coquet .2005 اول من ادخل مصطلح البرغماتية إلى اللسانيات كان العالم Benveniste سنة 1391محددا مفهومها في "دراسة اللغة من وجهة نظر العلاقة بين العلامات و مستخدميها" و نجد ان هذا التعريف منفصلة "عن النظرية الثنائية للعلامة )الدال /المدلول( لصاحبها ديسوسير ) 1311 (أين يتمركز التحليل على الكلمة "بمعنى يهتم بالكلام الذي فصله ديسوسير عن اللغة حيث اعتبر "ان اللغة شيء بمكن د ا رسته منعزلا(
و من هنا ميز من جهة "ما هو اجتماعي عن ما هو فردي"و من جهة اخرى "ماهو اساسي عن ما هو عرضي و غير مقصود" ،و مع ظهور ابحاث Austin سنة 1339 ،الأسس الحقيقية للبرغماتية ،وذلك من خلال استحداثه لمفهوم أفعال اللغة Acte de langage ،و بعدها أخذت البرغماتية مظهرا في نظريات اللغة الحديثة حيث أصبحت تعتبر "حقل للد ا رسة لمختلف التخصصات " و من بينها اللغة و التواصل.ليوسع بعدها Bates .1976 من مجالها لتعتبر استخدام اللغة في سياقها الاجتماعي و منه فهي تدرس العلاقة الموجودة بين السياق من جهة و الدلالة من جهة أخرى أي "ما سيتغير عند استخدام اللغة "و حسب هذا التوجه فان تغي ا رت الملفوظات ليست عشوائية و انما تتأثر بالعلاقات الاجتماعية بين المتحدثين و كذا حالاتهم النفسية .
و منه فالبرغماتية هي الدراسة المعرفية و الاجتماعية و الثقافية للغة و التواصل"(و هي بذلك تهتم بتفسير كيف توظف اللغة داخل المجتمع ،كما و يختلف موضوع البراغماتيا باختلاف العلوم فبالنسبة لعلم الاجتماع اللساني: ركزت الأبحاث فيها على وظائف اللغة و ليس أبنيتها حول السياقية. أما علم النفس اللغوي :فركزت البرغماتية على سيرورات المعالجة و اكتساب المعلومة . و في ما يخص العلوم المعرفية ،التي تقارن توظيف الجهاز العصبي الانساني بالألي ، فاعتبرت ان المعالجة البرغماتية للمعلومات تتوقف على النظام المركزي للفكر و تبين البرغماتية الاستنتاجية المسؤولة على تحليل السيرورات الاستنتاجية العامة و العالمية و غير الخاصة باللغة و المتدخلة في ترجمة الجمل )العلوم المعرفية و بصورة خاصة المنطق ،الاعلام الألي ،علم النفس المعرفي،اللسانيات ،فلسفة العقل ،الذكاء الاصطناعي ،العصبي_البيولوجي (.و يحاولون تفسير توظيف العقل و الدماغ و كذا التعرف انطلاقا من مفهوم الحالة العقلية على ميكانيزمات الاكتساب و تطور و استخدام المعارف.و من هنا يتضح ان ظهور العلوم المعرفية خلال سنوات 1311 ساهم في تطور البرغماتية .و منه تهتم البرغماتية المعرفية بالعلاقات بين اللغة و مستخدميها من خلال اعتبارها كمظهر من نظام أوسع لمعالجة المعلومات.
و لقد بينت عديد الدراسات أن البرغماتية تتطور قبل اكتساب اللغة عند الطفل و ذا بفضل سيرورات مبكرة جدا و يستمر نموها حتى سن الرشد .و بالنسبة ل Coquet .2005 "تعتبر المهارة البرغماتية مهارة تواصلية تتمايز والمهارة اللسانية ،هذه الأخيرة تعتبر كتحكم في الرمز اللساني"(و يعرف Hupet المهارة البرغماتية على أنها "قدرة الفرد على تنفيذ اختيارات سياقية تتناسب و المحتوى ،الشكل و الوظيفة
التقييم النفسوعصبي المع رفي للاضطرابات البرغماتية:
لقد تباينت الدراسات حول مظاهر الاضطرابات البرغماتية و سنعتمد في هذا العنصر على التحديد الذي وضعته Sainson Claire.2018 حيث بينت مظاهر الاضطرابات البرغماتية في : المظهر المعجمي الدلالي ،الاستدلالية،حوارية ،خطابية.
بالنسبة للمظهر الأول فقد و سبق و أشرنا إليه في العناصر السابقة لذلك سنحاول فقط تناول بقية المظاهر.
تقييم الاضطرابات الاستدلالية : تعتبر البرغماتية على أنها دراسة قد ا رت الأفراد على انتاج و فهم النوايا الاتصالية بحسب السياق ،إذ يتطلب تفسير الملفوظات سيرورات ترميزية )شكلية( و التي تحلل لسانيا و أيضا سيرورات استدلالية تعالج بواسطة التحليل البرغماتي فهي دوما ضرورية من أجل فهم جيد للمعنى الحقيقي لعدد من الملفوظات .يعتمد التعبير و الفهم على الاستخدام الصحيح للغة و أيضا القدرة على ادراك و تقييم كل العناصر الصريحة و الضمنية للملف وظات ،و يتوقف ادراك المعنى الدقيق للملفوظات الضمنية على أداء جيد في التفسير و تسمى هذه القدرة بالمنطق الاستدلالية.
و منه يعتبر المنطق الاستدلالي سيرورة تسمح بفهم الفرق بين ما قيل بطريقة حرفية أو صريحة و معناه الضمني.تقوم هذه الاستدلالات البرغماتية بدمج السياق و بصورة أشمل جميع العناصر المشكلة للتفاعل ،و التي من بينها العناصر الغير لفظية التي يجب معالجتها من أجل فهم وتفسير الملفوظات و منه فهي عملية تحليلية تبين أن السيرورات الضرورية لاستدعاء هذا المعنى )الضمني( دقيقة و تستدعي موارد معرفية هامة ومتنوعة.
هناك عدة أنواع مختلفة للاستدلال البرغماتي ميز Orecchioni . 1998 -Kerbrat نوعان هما الافتراضات les présupposés و المتمثلة في الملفوظات أو معلومات لم يتم التصريح بها ،و تفهم أليا انطلاقا من شكل الملفوظة و الايحاءات entendus-sous و تتضمن هي الأخرى نوعان و ذلك حسب Ducrot (1972) et Kerbrat-Orecchioni (2002) و هما الايحاء الاصطلاحي :و يتمثل في أفعال اللغة غير مباشرة الاصطلاحية ،و الايحاء الغير اصطلاحي و الذي يتمثل في المعلومات الغير صريحة في الملفوظ.و هنا الأخذ بعين الاعتبار السياق أمر ضروري لفهم الرسالة الم وجهة . بالإضافة إلى هذين النوعين نجد أيضا : الاستعارات و هي نوعان: الاستعارة الثابتة )اصطلاح تعبيري( و هي ترتبط بالمعارف المعجمية الدلالية أكثر من سيرورة استدلالية. والاستعارات الجديدة :و ترتبط بالسياق و تخلق ابتعاد غير مقبول عن المعنى.و هي صعبة المعالجة مقارنة والنوع الأول لأنها توظف سيرورات معرفية مكلفة ،و لقد بين Bohrn et al. (2012) أن الفص الأيمن هو المسئول عن معالجة الاستعارات الجديدة و لا يتدخل في الاستعارات الثابتة ..ومن بين اشكال الاستدلال: الدعابة ،السخرية ،الاسته ا زء)التهكم(
اضطرابات الاستدلال :يعاني بعض الأفراد صعوبات في انتاج و فهم الاستدلالات كالاستعارة و الدعابة والسخرية و الاستهزاء ويؤدي مجموع هذه الاضطرابات البرغماتية إلى اعاقة تواصلية و منه اجتماعية و منه تضم و تتفاعل الاضطرابات البرغماتية مع سيرورات معرفية يمكن لها هي الأخرى أن تكون مضطربة .تظهر الجداول العيادية متنوعة و متباينة للأعراض البرغماتية في حالة ما إذا ارتبطت بالإصابات التنفيذية و الانتباهية و الذاكروية و السلوكية.و لقد تم بناء بطاريات عديدة و مختلفة تسمح بتقييم المنطق الاستدلالي نذكر منها تسيير الضمنية (Duchêne May-Carle, 2000) اختبا ا رت البروتوكول MEC (Joanette et al., 2004) . و الطريقة الأكثر اعتمادا هو أن نطلب من المفحوص بتفسير مجموعة من الاستعارات أو خطاب معين،شرط أن يتضمن العناصر المذكورة سالفا )الاستعارة ،التهكم ،السخرية ،الدعابة ....(
تقييم الاضبات الخطابية :تسمح وضعية السرد للمختص الأرطفوني ملاحظة النفاذ إلى اللغة الوظيفية للحالات. و يعرف الخطاب على أنه "الملفوظة في بعدها التفاعلي ،قدرتها في التأثير على الآخر ،تسجيلها في وضعية التلفظ و تحمل على موضوع للتعبير ،واحد أو عدة متخاطبين ،زمان و مكان محدد" ومنه يسجل الخطاب ضمن سياق يشمل كل من الاطار الزماني المكاني و المعارف و الممي ا زت الفردية للمتحاورين ،ومنه مفهوم السياق أساسي لأنه و بدونه يفقد الخطاب كل معناه.
الخطاب برغماتي بصورة كبيرة : لأنه شكل من أشكال الأداء ،فعل لغوي يهدف لتغيير وضعية ما ،لا يمكن أن يكون له معنى إلا ضمن سياق.يحدد تحليل الخطاب تنظيمها في وحدات عليا وصولا إلى الجملة من خلال مفاهيم تتمثل في ) 7( التناسق و التي تشير إلى مجموع الشروط الدلالية و البرغماتية التي تجعل الخطاب يتماشى و السياق الذي بنتج فيه ،و) 4( التماسك و المتمثلة في العلامات المرفولوجية و التركيبية و المعجمية التي تسمح بربط بين عناصر الخطاب و تؤمن الاستمرارية الدلالية بمنح معنى لمختلف العناصر بالنظر و الملفوظ ككل .و عوامل التوحيد و انتظام بناءه و هو ضروري لوضوحه و فهمه ،ومنه فالخطاب عبارة عن تسلسل للملفوظات يسمح بنقل المعلومات وفق مخطط لساني مطور و منظم بواسطة علامات التناسق والتماسك و تركيب يشكل القصة و يشارك في وضوحها.و ينقسم الخطاب إلى خمس أشكال السرد ،الجدل،الوصف ،التفسير والمحادثة.
الخطاب و العمليات المعرفية :تلعب الوظائف المعرفية دورا مهما في بناء الخطاب ،فحسب Dreschler (2001) فان الموارد المعرفية تؤثر على نوعية الانتاج الخطابي .فعلى سبيل المثال يتطلب السرد النفاذ الى الذاكرة طويلة المدى و أيضا قدرات التنظيم و تخطيط مراحل القصة ،في حين يستلزم الخطاب الاجرائي اظهار سيرورة الأحداث في عدة عناصر ،تقييم التفاصيل حسب الأهمية ،تنظيم و تخطيط المراحل .ومنه فالإنتاج الخطابي يوظف الانتباه المستمر و ذاكرة العمل و كذا مجموع الوظائف التنفيذية (Rogalski et al., 2010).
الاضطرابات الخطابية :بينت بعض الدراسات أنه يرتبط ظهور الاضطرابات الخطابية بنوع المهمة الخطابية المطلوبة من المفحوص فدرجة تعقده يرتبط بنوع القصة المطلوبة و من بين مظاهرها نجد :اضطرابات التماسك
يظهر في شكل قلة الروابط المرجعية التي تؤدي الى خلط دلالي و الغموض و منه طلب المساعدة من المخاطب ، و كذا انتاج الكثير منن الروابط ايجازية)الحذفية( و أقل الروابط المعجمية و هذا ما يجعل خطابهم صعب الفهم و التفسير ،و اضطراب التناسق الذي يظهر في شكل اقتراحات غامضة حذف المعلومات المهمة ،كلمات الحشو ،تكرارات ،معلومات مطولة ،صعوبة في توظيف المعلومات لسير جيد للقصة وحتى أجزاء كاملة من السرد محذوفة. تقييم المهارات الحوارية : يعتبر الحوار الطريقة الطبيعية و الأمثل للدخول في علاقة "فهي أقل تقيدا و الأكثر مرونة من طرق التفاعل اللفظية" (Traverso, 1999). تتطلب تسيير أني للوحدات اللفظية و غير اللفظية،كما يحتل السياق مكانة أساسية و يتمثل في مجموع العناصر المكانية و الزمانية و كذا المشاركين )العدد،السن ،الجنس ،المهنة ،المستوى المعرفي ،الروابط الاجتماعية ،العاطفية ،....(كما يتحدد السياق من خلال الهدف من الحوار :ش ا رء ،استعلام ،أو هذف بسيط كالرغبة في الحوار معا ،و في سنة 7892 حدد Brossard et Cosnier ثلاث مستويات للحوار ،مستويات الملفوظة : و التي تتمثل في فعل التلفظ بمعنى المظهر الشكلي للحوار كالتركيب اللفظي ،التنغيم وتعابير الوجه ،الملفوظة :و تتمثل في سيرو ا رت بناء الخطاب ،البناء الداخلي للأفكار ،انطلاقا من أن الحوار متعدد الوسائط يستدعي المتحدث عدة عناصر من أجل تنظيم أفكاره و المعلومات المقدمة من أجل الفهم و التحاور بفعالية. و يبنى الخطاب الحواري وفق قواعد التماسك و التناسق ،و يشتمل أيضا على النظر و الايماءات و البرغماتية التفاعلية: ويتمثل هذا المستوى في الخطاب و علاقته بالمتحاور ،فالحوار لا يعني تبادل الملفوظات فقط و انما على المتحدث التأكد أن المعلومة وصلت ،بمعنى تقييم مدى فهم المستقبل و تفسيرها و يتقاسم معه
زمن الكلام .حسب Kerbrat-Orecchioni (1996) هناك قواعد تضبط تناوب أدوار الكلام خلال التحاور .
الاضطرابات الحوارية :و هي تمس مستوى الملفوظة و تتمثل في اصابة التركيب مع نقص في كمية و نوعية الملفوظات أو أخطاء تركيبية ،صعوبات تنغيمية و بروزودية هذا على المستوى اللفظي .أما المستوى غير اللفظي فنلاحظ اضط ا رب في الايماءات و كذا اضطراب الوضعية La posture .
كما نجد اضطرابات تمس سيرورة التلفظ و تتمثل بصورة خاصة في اصابات تمس التماسك و التناسق الحواري.
اضطرابات تمس مستوى السيرورة الب غرماتية و التفاعلية وتظهر بصورة خاصة في اضطرابات تناوب الأدوار الكلامية و كذا التحكم في التفاعل (Sainson Claire. 2018).
تقييم الاضطرابات الخطابية و الحوارية :هناك عدة بطاريات و كذا مهمات يمكن الاعتماد عليها في تقييم اضط ا ربات الخطاب و السرد و اكثر استخدامها في تخصص الارطفونيا هو بناء شبكة لتحليل الخطاب(المدونة( ، كما تضيف Coquet (2012) .يسمح تحليل المدونة اللفظية "تقدير مستوى اكتساب اللغة أو درجة تشكل الرمز لدى الطفل ،كما يهدف تحليل المدونة اللفظية إبراز المهارات اللغوية للحالة و كذا اضطراباتها من خلال الفصل بين السوي و المرضي .فيما يتعلق بالاضطراب فالمختص الأرطفوني يقوم بتصنيف الأخطاء المستخرجة و هذا سيساعده في وضع تشخيص و كذا خطة علاجية .و أكثرها اعتمادا في الوسط الجزائئري هي تلك التي أعدها الأستاذ نواني حسين.