تاريخ المعتقدات
Section outline
-
مقياس تاريخ الأديان والمعتقدات القديمة
الأستاذة: بصال مالية
سنة ثانية تاريخ
برنامج المقياس
- مدخل لتاريخ الديانات ( النظريات الفلسفية)
2- ظهور الدين في الحضارات البدائية الأولى.
3- الأساطیر الدينية وظهور المعتقدات.
4- الديانات الوثنية في الشرق الأدنى.
أولا: ديانة بلاد ما ببن الرافدين.
ثانيا: الديانة الفرعونية.
ثالثا: الديانة الفينيقية.
5 – نماذج من ديانات الشرق الأقصى.
أولا: الهندوسية.
ثانيا: البوذيــــــــــة.
6- الديانة الإغريقية.
7- الديانة الرومانية.
8- ديانة بلاد المغرب القديم.
9- الديانات السماوية.
أولا: اليهوديـــــــة.
ثانيا: المسيحية.
ثالثا: الإســـــــــلام.
-
تمهيد: الدين في أي وضع من أوضاعه قديم قدم الجنس البشري ذاته، وكل محاولة لفهم نشأة الدين في العالم، تقتضي حتما التسليم بأن في قلب الإنسان وروحه وكيانه، نزعة روحيه ومطلبا يتعدى حاجات كيانه الجسماني ومطالبه. فالإنسان فكر وتصور وصمم على أن يكمل دائرة تفكيره بالعقيدة، لتساعده على مواصلة الحياة والاستمتاع بها، في ظل قوة الآلهة ورحمتها، متجنبا غضبها حتى لا ينال عقابها في الدنيا وفي الحياة ما بعد الموت.
1/ مفهوم الدين: يعد الدين من جملة الموضوعات التي يصعب وضع تعريف لها، ويعود ذلك إلى كثرة الأديان وتنوعها في المجتمعات البشرية.
أولا/ لغة: من الفعل دان الذي يعني الاستعباد والطاعة، والدين هو الجزاء والمكافئة والحساب، أي العبادة والورع والتقوى، حيث جاء في القرآن الكريم ﴿ إنَّ الدِينَّ عِنْدَ الله الإِسْلاَم ﴾ سورة آل عمران، آية 19.
الدين طاعة، وقد دنته ودنت له أي أطعته، والجمع أديان، يقال دان بكذا ديانة وتدين به، فهو دين ومتدين. ودان يدين عز وذل وأطاع وعصى، ودينه تدينا وكله إلى دينه.
وجاء في لسان العرب: والدِّين الجزاءُ والمكافأة، ويوم الدينِ : يوم الجزاء، وفي المثل: كما تَدينُ تُدَانُ، أي: كما تُجَازِي تُجَازَى، أي تُجازى بفعلك، ويحس بما عملتَ، وقيل: كما تَفعل يُفعل بك، فالدِّين الجزاء، والدِّين الحساب، والدِّين الطاعةُ، والدِّين العادةُ، والدِّين الحالُ، والدٍّينُ: الورعُ، الدين: القهر والدِّين: المعصيةُ.
فلفظُ "الدينِ يُطلقُ في لغة العربِ على جميع ما ذكرَ من معانٍ، وهي مع تعددها يمكن جمعها إجمالاً في معنيين:
الأول: العملُ وفيه يدخل: الانقياد، والذل، والطاعة، والورع، والعادة، والحال، والمعصية.
الثاني: الجزاء على العملِ، وفيه يدخل: الحساب، والمكافأة، ومن لوازمه: السلطان، والقهر.
فيتضح بهذا وجه الجمع بين تلكم المعاني التي أوردها أئمة اللغة في كتبهم.
وقد تعددت معان الدين في اللغة وهي تنحصر في إيجاد علاقة بين طرفين، الطرف الأول يتمتع بالسلطان والقوة والملك، والطرف الأخر يتصف بالخضوع والطاعة والعبادة.
ثانيا/ اصطلاحا: ليس بين مؤسسات البشرية مؤسسة تضاهي الدين في سيطرته على نفسية الفرد وزجره وكبح جماح شهواته، سواء أكان الفرد بدائيا أو متمدنا، فالدين بني كيانه منذ نشأته على الحلال والحرام، فالحرام مالا يجوز مسه أو التقرب منه، وحمل الفرد على الاعتقاد بأن من يخالف هذا التحريم يأثم ويستحق العقاب.
كما أن الدين هو عبارة عن أوامر ونواهي يحظر بعضها أفعالا معينة، ويأمر بعضها الآخر بالقيام بأعمال أخرى. ومن يمعن النظر في هذه الأوامر والنواهي يجد أنها في جملتها إنما جاءت لخير البشر وتحقيق مصالحهم ودفع المفاسد عنهم، ولاسيما الأديان السماوية الغير محرفة.
وقيل في تعريف الدين أنه الاعتقاد بأمر مقدس، قيل هو الإيمان بموجودات روحانية، كما قيل إن الدين عبارة عن الاعتقاد بقوة أو قوى فوق البشرية ينبغي إطاعتها وعبادتها.
وهو اعتقاد قداسة ذات، ومجموع السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلا وحبا ورغبة ورهبة
ويبدو أن الدين هو ما اعترف به البشر طيلة تاريخهم، منذ وجود الخليقة بأنهم مدينون به للآلهة وقرارات الغيب وإرادات الآخرين غير مرئية، إن مفهوم الدين والدَيْن يرقيان إلى ذلك الإصرار الذي اعتمدته الشعوب المختلفة، على اعتبار أن علة وجودها تتعلق بشيء آخر مغاير لها هي مدينة له في وجودها وصيرورتها.
2/ مفهوم الدين عند العلماء:
أ/ عند علماء الغرب: تباينت تعريفات وآراء الغربيين للدين، وانطلقوا في تعريفاتهم من نظرتهم إلى الكنيسة الكاثوليكية وتاريخها .
تباينت تعريفات وآراء الغربيين للدين، تبعا لاختلاف أيديولوجياتهم، والجانب الذي نظروا من خلاله إلى الدين. وقد تأثرت معظم تعريفات الدين بالمعتقدات الشخصية والآراء المذهبية والفلسفة السائدة، وفيما يلي سوف نذكر نماذج تعبر عن النظرة الغربية للدين.تعبر عن النظرة الغربية للدين.
يعرف ماكس موللر (Muller Max) في كتابه (نشأة الدين ونموه) على أن الدين هو: « السعي إلى إدراك ما لا يدركه الإدراك، والتعبير عما لا سبيل للتعبير عنه والجنوح إلى اللامتناهي ». بينما يعرفه "شلاير ماخر" (Schleir macher) في كتاب (مقالات عن الديانة): « أن قوام حقيقة الدين هو شعورنا بالحاجة والتبعية المطلقة». بينما يعرفه الأب شاتل(Abbé Chatel) في كتاب (قانون الإنسانية) قائلا: «أن الدين هو مجموعة واجبات يقوم بها المخلوق نحو الخالق».
أما روبرت سبنسر(Robert Spencer) فقد عرف الدين في كتاب (المبادئ الأولية) على أنه : «الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمنية ولا المكانية، هو العنصر الرئيسي في الدين».
ويقول ايميل برنوف(Emile Burnouf) في كتاب (علم الديانات) أن: «الدين هو العبادة، والعبادة عمل مزدوج فهي عمل عقلي به يعترف الإنسان بقوة سامية، وعمل قلبي أو انعطاف محبة، يتوجه به إلى رحمة تلك القوة».
ويقول ريفيل (Revil) في كتاب (مقدمة تاريخ الأديان) أن: « الدين هو توجيه الإنسان سلوكه، وفقا لشعوره بصلة بين روحه وبين روح خفية، يعترف لها بالسلطان عليه وعلى سائر العالم ويطيب له أن يشعر باتصاله بها».
بينما يذكر سالومون ريناك(Salamon Reinach) في كتاب (التاريخ العام للديانات) أن: «الدين هو مجموعة التورعات التي تقف حاجزا أمام الحرية المطلقة لتصرفاتنا».
ويقول ميشيل ماير(Michel Mayer) في كتاب (تعاليم خلقية ودينية) أن: «الدين هو جملة العقائد والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكما مع الله، ومع الناس وفي حق أنفسنا».
أما إدوارد تايلور(Edward Tayler) فيقول في كتاب )المدنيات البدائية( أن: «الدين هو الإيمان بكائنات روحية»[4].
هذه التعريفات تمثل وجهات نظر الرئيسية للدين في الغرب وهي تتلخص في أربع اتجاهات هي:
الأول ينكر الدين والإله أصلا، والثاني يلجأ إلى الدين عند الحاجة الضرورية، والثالث يفهم الدين من الناحية الروحية والخلقية، والرابع يرى أن الدين هو كبح للحرية الإنسانية.
ب/ عند علماء المسلمين:
يعرف المسلمين الدين على أنه وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول. ويقال أيضا أنه وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات.
يقول منعم جاد الله: الدين ليس إيمانا ومعرفة فحسب، بل هو فوق ذلك التفاف روحي متبادل، وهو رباط من الطاعة والولاء والرعاية بين المتدين وبين الحقيقة العليا التي يؤمن بها، والتي يجوز أن يطلق عليها "التجربة الدينية" التي تشمل الجانب الداخلي الباطني لعلاقة الإنسان بالله وتفكره فيه وتوجهه إليه.
ويرى مالك بن نبي في كتاب "الظاهرة القرآنية" أـن الدين ليس مجرد حدث تاريخي عارض، إننا هو سجل كوني للإنسان وحضارته الممتدة من العهود الأولى لوجوده إلى انتهائه.
ومن خلال ما سبق يتضح الفرق في مفهوم الدين بين العلماء الغربيين وبين علماء الإسلام، فعند علماء الغرب خاضع لنظرة الشخص، إلى ما يعتقد، بينما هو عند علماء المسلمين نابع من مفهوم الدين نفسه، ومن هنا حار علماء الغرب في إعطاء تعريف شامل للدين بينما اتفق علماء المسلمين على إعطاء مفهوم للدين وإن اختلفت التعبيرات اللفظية أحيانا.
ثم إن الملاحظ في تعريفيات الغربيين أنهم أبهموا فكرة الألوهية لأنها تترك كثيرا من المعتقدات خارج دائرة تعريف الدين، فلم يهتموا بوضع تصور دقيق للإله، بل جعلوه ضمن عالم الغيب الخفي المقدس الذي شملته نظرتهم إليه، بينما فكرة الألوهية عند علماء المسلمين واضحة ووضوحها جاء من خلال ما أتى به الرسول r.
ثم إن تعريف المسلمين للدين أخرج كل الأديان ما عدا الدين السماوي غير المحرف من مفهوم الدين الحق، فتعريفهم قاصر على الدين المنزل فقط وليس على أي دين، وبهذا فقط خرج بتعريفهم كل الأديان الوضعية، وسموا الأمم التي تدين بالدين الصحيح (أهل الملل) كما سموا معتنقي الأديان الباطلة (أهل النحل).
3- النظريات الفلسفية حول الدين
تعددت النظريات المفسرة لنشأة الدين بتعدد الموجهات الثقافية والحضارية، وكذلك بتعدد التأثيرات الدينية التي يخزنها الباحث في داخله تبعا للقناعات الإيديولوجية والفلسفة، وأيضا للأدوات المنهجية والمعرفية المستخدمة من قبل هذا الباحث أو ذاك. وتستند هذه النظريات إلى جملة مقدمات بحثية ودراسات ميدانية تاريخية وحضرية وأثرية، وإلى الملاحظات العلمية ومن أهم هذه النظريات نجد:
3-1 النظرية الأنتريولوجية: تستند هذه النظرية على دراسة الأنتربولوجيون للمجتمعات البدائية، وأقدم نظرية أنتربولوجية تلك التي جاء بها "هربرت سبنسر"(Herbert Spencer) الذي رأى أن البشرية في أولى مراحلها لم تعرف الدين، ثم بدأت بتقديس أرواح زعمائهم الراحلين، تحولت تدريجيا مع مرور الزمن أرواح أسلافهم المبجلين إلى آلهة تمركز الدين حولها وابتدأ بها.
ولكن إدوارد تايلور(Edward Taylor) طور هذه النظرية وأدخل عليها فكرة الأرواحية، حيث رأى أن الإنسان القديم كان يتأمل في حياته وفي ما يحيط به من موجودات طبيعية، وكانت الأحلام هي مصدر اعتقاده بوجود أرواح تحل في كل شيء، فالأحلام عندما تأملها الإنسان البدائي أوصلته إلى فرضية وجود الروح، إذ فسر زيارة الميت له في نومه بأن روح الميت قد زارته. ومن ذلك أدرك أن هناك كائن آخر غير الجسم يستطيع أن يترك الجسم وتنتقل إلى عالم الأحياء فيصيبهم بالنفع أو الضر، لذلك بدؤوا بأداء طقوس خاصة تجاه نفوس الأموات، لأن الموت هو الذي حول النفس الانسانية إلى روح مقدسة، فإن أول عبادة إنسانية في نظر تايلور إنما اتجهت إلى عبادة الموتى، وكانت الطقوس الأولى طقوسا للموت. وأولى القرابين هي قرابين غذائية تشبع حاجات الموتى، وأول الأماكن التي تقدم عليها هذه القرابين هي القبور واللحود.
وعليه فحسب رآى أصحاب هذه النظرية فإن أقدم معتقد ديني ظهر إلى الوجود هو الاعتقاد بالأرواح وعبادتها، وأولى الآلهة المشخصة حسبهم هي تقديس الأسلاف وتشخيصهم في تماثيل ومعبودات مختلفة.
3-2 النظرية الطبيعية: يرى ماكس مولر (Max Muller) أن تأمل الإنسان القديم في الظواهر الطبيعية حمله على الدهشة، التي دفعته إلى التفكير بأنه محاط بقوى مستقلة عن إراداته. فظهر لديه عالما خياليا ملئ بالكائنات الروحية التي أصبحت محرك الطبيعة وجوهر المعتقد الديني. بينما يرى جيوفنوس (Jovons) أن الظواهر الطبيعة العادية غير كافية لإيقاظ هذه المعتقد الديني، لأن عرضها يتكرر على الحواس فتألفها النفس فلا تحتاج إلى طلب تفسيرها. إنما تثيرها الحوادث الطبيعية المفاجئة والعوارض النادرة والتي يضطرب بها النظام العادي كالبرق والرعد والعواصف والصواعق والخسوف والطوفان والزلازل وغيرها.
فكان من الطبيعي أن تزعج هذه الحوادث الفجائية من يشاهدها، وتحفزه إلى السؤال عن مصدرها، إذ كان لا يرى لها سببا ظاهرا، واضطر عقليا أن ينسبها إلى شيء خفي ذي قوة هائلة، وهذه القوة هي التي تسير العالم، ولابد من العمل على إرضائها بتقديم الهدايا والقرابين والأضاحي.
وفي هذا الصدد يقول هنري برجستون(Henri Bergson): «والواقع أن الطبيعة قد وهبت الإنسان ملكة خاصة، تشبه الخيال من بعض الوجوه تلك هي الوظيفة الأسطورية أو الملكة الخرافية التي بمقتضاها يستطيع الإنسان أن يخترع شخصيات خيالية، وهذه الشخصيات قد تكون أرواحا بادئ الأمر ثم تتحول فيما بعد إلى آلهة».
والملاحظ من خلال عرض رأي أنصار هذه النظرية فإن حسبهم كل الأديان التي أوجدها الإنسان وصاغها كانت نتيجة النظر إلى عجائب الكون المادي. ويرون أن العبادة الأولى كانت عبادة مظاهر الطبيعة.
3-3 النظرية الاجتماعية: يترأس إيميل دوركايم (Émile Durkheim) المدرسة الاجتماعية في تفسير نشوء الأديان، ويوجه في بادئ الأمر نقدا للنظريات السابقة لخلق الفكرة الدينية، فالاثنان حسب رأيه تهريان بالدين عن حقيقته الاجتماعية باعتباره جزءا منها، وقد أسهب دوركايم في دراسة المجتمعات البدائية (الطوطمية)، حيث كان الدين بالنسبة له تعبيرا مجازيا عن المجتمع نفسه.
معروف أن العشيرة هي النواة الصغرى في المجتمع، قوامها وحدة اللقب المشترك بين أفرادها، وهو لقب يشتق في الغالب من اسم حيوان أو نبات وفي النادر جماد، أو كوكب من الكواكب، وتعتقد العشيرة أن لها بمسمى هذا الاسم صلة قديمة حيوية أو روحية ، إما كان حليفا أو حارسا لجدها الأعلى أو نحو ذلك، لذلك تعظمه وترسم صورته على مساكنها وأدواتها وأسلحتها وراياتها، بل يتخذ الأفراد منه وشما يطبعونه على أجسادهم، كأنه بطاقة شخصية لتحقيق انتساب كل منهم إلى عشيرته، وهذا النظام يسمى الطوطم أو اللقب الأسري، وهذا الطوطم هو الرمز الذي تتخذه العشائر البدائية لنفسها، ويعتقد أفراد العشيرة أنهم منحدرون فعلا من هذا الطوطم، وهذه العشائر في تعظيمها لألقابها تعظم في نفس الوقت مسمى تلك الألقاب.
معنى هذا أن القرابة لا تقوم على أساس وحدة الدم، وإنما تقوم على أساس اشتراكهم في اتخاذ الطوطم اسما لهم واشتراكهم في نفس العادات والتقاليد والطقوس الدينية، التي يلتزمون بأدائها نحو الطوطم، وتقوم الديانة الطوطمية على أساس تقديس طوطم العشيرة ويحرم لمسه إلا في المناسبات الدينية الخاصة، بقصد التبرك وقضاء حاجات المجتمع والتكفير عن الخطيئة أو رفع كارثة أحاطت بالمجتمع، وعلى هذا اعتبر دوركايم الديانة الطوطمية أقدم الأديان على الاطلاق، وأنها أصل الأديان البدائية، وإنها متصلة بكل تكوين اجتماعي تكون العشيرة أساسه، بل وأن العشيرة في أبسط صورها لا يمكن أن توجد بدون طوطم.
يضيف دوركايم أن الدين هو قوة اجتماعية يحافظ المشاركون فيها على أداء طقوسه داخل المجتمع الواحد، حيث يري أن الإنسان عندما كان يشترك مع مجموعة في عبادة كائن معين، فهو إنما يعني بذلك عبادة المجتمع الذي ينتمي إليه، فالدين في نظر دوركايم هو المجتمع، فقد قدمت الحياة الاجتماعية مادة أولية أساسية لنشوء الأديان ودليله على ذلك أن ليس هناك أديان فردية بل ظهرت الأديان مع ظهور المجتمعات. ولقد قدمت الطقوس واجراءات التحريم مهدا اجتماعيا لنشوء الأديان.
لكن المتأمل في جوانب النظرية الاجتماعية وما قيل فيها في أصل نشأة الدين، يجد أن هذا المذهب بعيد كل البعد عن الواقع.
3-4 النظرية العاطفية: تتعارض هذه النظرية مع سابقتها، ولا تعزو نشأة الدين إلى الأرواح أو الطبيعة أو المجتمع بل إلى العاطفة، حيث يري أنصار هذه النظرية أن هناك عاطفتين أساسيتين وراء نشوء الدين هما الخوف والطمع، وبما أن أقصى مخاوف الإنسان خوفه من الموت، وأقصى طمعه هو الاستقرار والخلود بعد الممات. هاتان العاطفتان تقودان إلى معتقد يقسم الإنسان إلى كيانين واحد مادي وآخر روحاني، يزول الكيان بالموت، أما بالنسبة للكيان الروحي فانه سيتجاوز واقعة الموت ويترك سكنه المؤقت إلى عالم آخر للوجود يتمتع فيه بالحياة الأبدية، ويرجع مالينوفسكي (Malinovsky) نشوء الدين إلى الاحتياجات العاطفية، ويرى أنها طريق الإنسان لمواجهة الحالات التي لا يستطيع السيطرة عليها.
أما ظهور الآلهة فقد كان نوعا من أنواع الخلاص الذي ابتكره الإنسان لكي يشير به إلى فكرة الخلود أثناء الحياة، ويضمن به فكرة البقاء بعد الموت من خلال رضى الآلهة ومساعدتها.
3-5 النظرية الفلسفية: طرحت الفلسفة منذ بدايتها تصورات عن الدين ونشأته، ولكن أوضح نظرية فلسفية حول نشأة الأديان تلك التي قال بها الفيلسوف هيجل( Hegel)، حيث يرى أن نشأة الدين وتطوره على أساس أن الدين مرحلة ضرورية في التطور الجدلى للروح، ويري هيجل أن الدين ليس مسألة لا شعورية لدى الإنسان، وإنما فيها قدر كبير من الوعي الشعوري ومن الفكر، فالدين عند الإنسان نتاج الفكر ويدلل على ذلك بأن الفكر هو ما يميز الإنسان عن الحيوان، وبما أن الإنسان هو الكائن الوحيد المتدين، كما أنه هو المبدع الوحيد للقانون والأخلاق، فالدين لديه إذن نتاج درجة من درجات الفكر والوعي، من ذلك فإن وجود الدين ليس محض صدفة، وليس وسيلة خالصة، وإنما هو عمل ضروري من أعمال العقل في العالم، ويذهب إلى أن الدين عبارة عن تجل للمطلق في إطار الفكر التصوري، وقدم للدين ثلاث مراحل كبرى هي:
أ- الديانة الطبيعية: ويدرج فيها تلك الديانات التي لم تستطع فيها الروح السيطرة بعد على الطبيعة، مثل الديانة الهندوسية والبوذية والصينية.
ب-الديانة الفردية الروحية: هي ديانة ترى الآلهة ذات أرواح ولم تعد جوهرا. وتضم الديانات التالية اليهودية والإغريقية والرومانية.
ج-الديانة المطلقة: مضمون هذه الديانة حسب تعبير هيجل هو الحق المطلق الذي اعتبره المسيحية، حيث يكشف الإله عن نفسه.
3-6 النظرية النفسية: حيث يري سيقموند فرويد(Sigmund Freud) أن الدين ينبع من عجز الإنسان في مواجهة قوى الطبيعة في الخارج والقوى الغريزية داخل نفسه، وينشأ الدين في مرحلة مبكرة من التطور الإنساني عندما لم تكن الإنسان يستطيع أن يستخدم عقله بعد في التصدي لهذه القوي الخارجية والداخلية، فالمعتقدات الدينية القائمة اليوم تحمل معها طابع الأزمان الأولى التي أنتجتها عندما كانت الثقة، فالدين في هذه الحالة هو مرحلة في تطور الحضارة ينبغي تجاوزها، تماما كما يتجاوز الفرد أحوال الطفولة العصابية في طريقه نحو النضج، وبتعبير آخر فإن الدين ظاهرة عصابية على المستوى العام تعادل الظاهرة العصابية على المستوى الخاص، وأنه نوع من العصاب الاستحواذي الذي يصيب الجماعة.
وبناء على هذا يكون الدين في رأي فرويد تكرار لتجربة الطفل، ويتعامل الإنسان مع القوى المهددة له بنفس الطريقة التي تعلم بها وهو طفل، وأن يتعامل مع شعوره بعدم الأمان. كما يرى أن الدين هو عبارة عن ناتج عارضي للاضطرابات السلوكية المؤدية إلى الكآبة والسوداوية، وإن هذه النظرية تسلط الضوء على الدوافع النفسية التي تقف وراء الحاجة إلى الدين والمعتقدات.
-
تمهيد: عاش الإنسان أول أمره حياة بدائية محاطة بمئات الأخطار والأسرار، وحملته مدهشات الكون وأعاجيبه التي لم يستطع إدراكها إدراكا علميا لأن يتوهم لها تفسيرا، ويتخيل أصولا ووقائع يرتاح إليها تزيل حيرة نفسه، وكان أول ما ملأ رأسه تلك الخوارق التي تحيط به، فاعتقد بوجود قوى مسيطرة خالقة عاقلة ذات قدرة أسمى من قدرة العناصر والكائنات، وبدأ الإنسان يتأمل في تلك القوى، ويجسم كل شيء خارق منها يحسه ولا يستطيع التحكم فيه أو الوصول إليه، فيجعله إلها ويعمل على استرضائه بتقديم الأضاحي والقرابين وممارسة طقوس، فالنار والرياح والشمس والقمر والبرق والرعد وغيرها كلها آلهة طفق الإنسان يعبدها، وينسج حولها الأساطير ويتناقلها خلفا عن سلف وجيلا عن جيل.
1- مفهوم الأديان البدائية
هي الأنواع البسيطة من الأديان التي بقي أغلبها في إطار الأديان والعقائد السحرية، سواء ما كان منها قديما أو معاصرا، وينتمي أغلبها إلى الأديان الفتيشية، الأرواحية والطوطمية، وتمتاز الأديان البدائية عامة بأنها غير منزلة ويدخل السحر في عناصرها.
2- ظهور الدين في الحضارات البدائية الأولى
يرى الباحثون في علم الأديان أن الدين ظهر منذ عصر مبكر، تمثل في النزوع إلى عبادة الطبيعة، وقد شوهدت اليوم نماذج من هذا النزوع عند جماعات بدائية تقطن في بقاع بعيدة ونائية من العالم، وتجلى في تعظيم القوى الطبيعة واستمداد عطائها وإحسانها، وتؤدي الجماعات البدائية في عصرنا الحاضر طقوسا دينية خاصة، يرتدون خلالها ملابس عجيبة وغريبة، ويصغون أقنعة على الوجوه، وينتظمون في رقصات معينة ملتمسين في ذلك العون من القوى الطبيعية، فتراهم مثلا يخاطبون السحاب بإنزال المطر والأنهار والجداول بإرواء الأراضي المجدية بعيدا عن طغيان الفيضانات، والأرض بالخصوبة والمزارع بالبركة في المحاصيل وأمثال ذلك .
3- العناصر المشتركة بين الأديان البدائية
على الرغم من انتشار الأديان البدائية في العالم، وصعوبة العثور على صلة تجمعها إلا أن الغريب حقا هو أن تلك الأديان تتشابه في معتقداتها ويمكن تلخيص عناصرها المشتركة على النحو التالي:
3-1 الاعتراف بآلهة عليا: لا بد أن يعلم أن أصحاب الديانات البدائية يؤمنون بإله عظيم هو فوق تصور البشر ذي علم وقدرة غير متناهيتين فإن ورد في النصوص الدينية خلاف ذلك فلابد من تأويله، ونرى في كثير من المجتمعات البدائية اعترافا بوجود إله خلق كل الأشياء، الإنسان الأرض والبحر والسماء، وهو يرقب من مسافة بعيدة كل شؤون البشر، ولئن يرى أحيانا مالا يقبله من التصرفات، فإنه لا يتدخل في شؤون الناس، وقد كان هذا الاعتقاد واضحا في قبائل البدائية مثل الأقزام الإفريقية، وأهل الغابات في أستراليا، ومن عقائد تلك القبائل أن الإله المتعالي عاش يوما على الأرض، وعلم الناس الشرائع الاجتماعية والأدبية، ثم تقاعد في علم الجو، حيث يرقب بعينه من بعيد تصرفات الناس وأحيانا يوقع بهم صارم العقاب على انحرافهم، فالبرق سلاحه، والرعد زئيره، ولكنه لا يُرى أبدا.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن المشركين كانوا يؤمنون بالله، وهو من الجلالة والعظمة والتنزيه والتقديس بمكان، بحيث يصبح وكأنه بمنأى عن العالم المادي، ومن هنا يجب -في اعتقادهم- التوسل بالأرباب والشركاء الذين أوكل إليهم مهمة تدبير هذا العالم والرجوع إليهم بدلا عنه وهذا ما يشبه إلى حد كبير الرجوع إلى الأسباب التي توفر حاجاتهم المعيشية، وقد زيف الأنبياء والرسل عليهم السلام هذا الاعتقاد، وأكدوا أنه لا حيلة ولا قدرة للشركاء على التوسل، ودل التاريخ على أن الشرك بالله ظهر منذ عصور سحيقة، وفي العصر الحاضر ما يقرب من نصف سكان المعمورة من هندوس وبوذية وأديان بدائية مازالوا يعبدون الأوثان.
3-2 عبادة الأسلاف: أسفر الخوف من الموت عن ظهور خرافات سادت أوساط الجماعات البدائية التي كانت تذعن بوجود ارتباط بين الأموات والأحياء، وقد ساور الخوف من رجوع الأموات عند الجماعات البدائية قديما إلى تقييد الموتى واحكام القبور للحيلولة دون عودتهم مرة أخرى إلى عالم الأحياء، ومع مرور الوقت تبدلت تدريجيا إلى عبادة الأسلاف.
فقد كانت المجتمعات القبلية تقدس الموتى البارزين وتقوم بتأليههم، إذ كانوا موضع التوقير والخشية في حياتهم على الأرض، فإن أرواحهم قد أكرمت بعد موتهم وقدمت لها الأضاحي والقرابين، وقامت حولهم أوضاع العبادة[6]، وما عبادة التماثيل إلا رموز لها.
3-3 السحر: إن السحر في الأديان البدائية يختلف عما نتصوره، ففي تلك الأديان يعد السحر طقوسا تقام لأجل الاستمداد من قوى الطبيعة والاستعانة بها، ويدير دفتها السحرة الذين لا يتميزون عن الآخرين في العلم بل بحلول قوى دفينة فيهم كما يعتقد بذلك الناس، ويستغل السحرة تلك القوى لمعالجة المرضى، ويطلق على هذا الصنف من السحرة اسم شامان (Shaman).
3-4 القرابين: إن الفكرة البدائية في الذبائح والتقدمات تعني تقديم أو إحراق شيء ما من الجمادات أو النباتات أو الحيوانات أو الإنسان لحمل الروح الشريرة على مغادرة الجسد إلى عالم الأرواح والآلهة، وأبسط أنواع الذبائح هي التقدمات ذات القيمة لمراضاة الروح الشريرة، وقد شملت هذه التقدمات في أولى أطوارها- الذبائح الحيوانية بل البشرية أيضا، وذلك لأن الأرواح الشريرة مثلها مثل الإنسان تفتقر إلى الحيوية والقوة الكامنتين في الحياة وفي الدم، وحين يكتشف البدائي أن قوى معينة تلك ملكا غير عادي أو تحيد عن الطريق المألوف- كما يحدث في حالات المرض أو القحط أو المصائب الأخرى، يعمد إلى تقديم الذبائح للقوى التي يعجز عن قهرها، وهذه ذبائح استرضائية، وحين يحس أنه أساء إلى القوى بتصرفاته يعمد إلى تقديم ذبائح للتكفير وهذه ذبائح كفارية، يكفر عنها عن سوء حاله، أو قد يأمل البدائي أن يفتح الطريق لكي تنساب إلى نفسه قوى خارقة للطبيعة، وهذه هي الذبائح السرية المقدسة، مثل إقامة وليمة عشاء مقدس للقوى الروحية، وكل هذه الذبائح تحمل سمات الدين، ولكن السحر منطو أيضا في ثناياها.
3-5 الأرواحية: إن بين القبائل البدائية- حتى في هذا العصر- تسليما عاما أن كل الخلائق الحية المتحركة أو الثابتة لها أنفاسا وأرواحا، وأن لكل مخلوق بشري نفسا أو أنفسا تغادر الجسد مؤقتا أثناء الأحلام، وتغادره نهائيا عند الموت، ويعتقدون أن لهذه الأنفاس والأرواح شكلا وفكرا وإحساسا وإرادة، وهي تحب وتكره تعتدي وتتشاحن أو يتعكر مزاجها لذلك فهي تحب المداهنة والإخلاص لها والولاء في خدمتها لنيل مرضاتها. والفكرة الهامة لدى الشعوب البدائية هي أن الطبيعة كلها تتملكها وتسيطر عليها، وتتزاحم فيها كائنات روحية يقيم لها البدائي وزنا كبيرا لأنها مشحونة بالقوة التي تؤثر على مصير الإنسان ومصالحه.
3-6 عبادة الأحجار والأشجار والحيوان أو المنا: قد شاع عند القبائل البدائية توفير الأحجار كثيرة أو صغيرة، منفردة أو متكدسة، كما نالت النباتات والأشجار نوعا من التقديس والتبرك بما تملك من قوة إنتاجية هائلة لا ينصب معينها، وهي تقدير طبيعي لقوى الطبيعة الغامضة التي تمنح النماء والإكثار. فالأشجار تكثر نتاج قطعان الماشية، أما عبادة الحيوانات فهو ناجم عن القرابة بين الإنسان والحيوان، وقد ساقت هذه القرابة شعوبا كثيرة إلى الاعتقاد بأن نفس الإنسان عند الموت قد تجوز إلى جسد حيوان.
3-7 التابو: عبارة عن محرمات القبيلة مثل مقررات الزواج فقد يكون الزواج عند قبيلة مباحا بين أفرادها، وعند قبيلة أخرى حراما، فالمحرم كان ذائعا في الأديان البدائية، وهناك أشياء يلحقها التحريم المؤقت مثل المرآة عند الولادة، والمرأة التي ترملت حديثا، المشتركون في الحفلات الدينية، كل هؤلاء وغيرهم، يلحقهم التحريم المؤقت، وليس هذا كل ما في الأمر، فهناك أعمال وأشياء وأماكن يشملها التحريم، فالأسلحة الحادة والدم والأظافر المقصوصة(لأن بها بعض الروح) وأطعمة معينة والعقد والخواتم وغيرها كثير قد يشملها التحريم.
3-8 الطوطم: هي عقيدة دينية بدائية، حيث قدست المجتمعات البدائية بعض الحيوانات كطوطم معتقدين أنهم منحدرين منها، والطوطم هو الحيوان المقدس، واعتبر الإله لدى الإنسان القديم، ويراد بالطوطمية كائنات تحترمها بعض القبائل حيث اعتقد الإنسان لعلاقة تنشأ بينه وبين واحد منها وهو يحميه، ومن أجل ذلك حرم قتل هذا الحيوان أو لمسه.
ومن يلق نظرة على أي جماعة بدائية، يشعر لأول وهلة بقدسية المكان، أو الشخص أو الشيء أو الطقس أو الحدث الذي يتخذه موضوعا لعبادته، وينظر البدائي إلى هذه الأشياء نظرة اكبار وتقدير تختلف تماما عن نظرته إلى رمحه أو أفراد أسرته، وهذه القدسية التي ترهبه وتأسره مستمدة في نظره من قوة فائقة، فيها الحياة أو الموت، وفيها الخير أو الشر، وكل شيء مقدس يحمل في ثناياه نفعا أو ضرا حسب الحالة، ولا يمسه إلا الأخصائيون كالزعماء أو الكهنة أو رؤساء القبائل والاقتراب منها مشحون دائما بالرهبة والخشية والتوقير والاحترام، أشبه بمخافة الرب في الأديان الأخرى.
3-9 الأساطير: إن رواية الأساطير شائعة بين الجنس البشري كله، وهي عند البدائيين متصلة بحياتهم كلها، وذلك لأن الأساطير وسيلة لدى البشر لتعليل العادات والعقائد والممارسات والاحتفالات، وتوطيد سلطانها على النفوس، فالبدائيون كثيرا ما يجدون أنفسهم أمام عادات وطقوس يصعب عليهم تأويلها، وفهم معانيها، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أن يحاولوا تأويلها بالقول: إن آباءنا لقنونا هذه الأشياء-ثم يعودون إلى الوراء إلى أصول بعيدة، إلى آباء لا يذكرونهم، وإلى أبطال أسطوريين، أو إلى آلهة عليا- كل هذا لكي يثبتوا قوة وصلاحية هذه العادات والطقوس الموروثة المتواترة، - والأساطير من هذه الوجهة إنما هي لتزكية العادات والتقاليد، من الأساطير التي كان لها شأن في تاريخ الأديان البدائية هي الأساطير التعليلية أي التي حاول من خلالها تعليل الخليفة و غيرها من أنواع الأساطير
خلاصة: لقد خضع الإنسان البدائي لمشاعره وإحساساته التي تولدت فيه من اتصاله بظواهر العالم الخارجي، ومن الاختبارات التي استمدها من أسلافه في الحياة القبلية والتقاليد والعقائد التي تواترت جيلا بعد جيل، وهو يقبلها كلها كقضايا مسلمة لا يجادل ولا يناقش فيها مهماكان فيها من الخيال والبعد عن الحقائق العلمية. لقد تبلورت صور العقيدة الدينية وفكرة المحظورات أو المحرمات، وفكرة النواهي والزواجر، ثم نشأة الكهانة والسحر، وظهور القرابين، وقد شكلت هذه الأفكار أصول الديانات في نشأتها الأولى.
-
مقدمة: لقد سعى الإنسان منذ أن وجد نفسه في هذا الكون إلى تحقيق ذاته وإسعادها، وتيسير كل سبل العيش السعيد، لذلك كان أمام عجزه يهرب إلى الخيال متصورا أشياء تساعده على تجاوز كل المحن والعقبات، وكان هذا ديدن الإنسان ولازال، ولأن الغاية تبرر الوسيلة فإن بحث الإنسان لا ينقطع ولا ينتهي، إلا بانتهاء هذا الكون ورجوعه إلى خالقه، فلا أحد ينكر ما قدمته الأسطورة للأدب ولمختلف العلوم والآداب ـ فقد ساعدت الأسطورة الإنسان على الإبداع، كما ساعدته كذلك على الاختراع والابتكار.
نالت الأسطورة اهتماما كبيرا من قبل الباحثين وقاموا بدراستها دراسة جادة وواعية بغية الوقوف عند المفاصل الأساسية لبنائها الداخلي، وفي القرن التاسع عشر ظهر علم جديد عني بدراسة الأساطير وتفسيرها عرف بالميثولوجيا (Mythology).
1-1 لغة: الأسطورة في اللغة العربية هي الأحاديث المنمقة أو المزخرفة التي لا نظام لها، فهي مشتقة من سطر من الشيء بمعنى الصف من الكتاب والشجر والنحل ونحوها، وسَطر: إذا كتب كما ورد في قوله تعالى: ﴿نُ والقَلمِ ومَا يَسْطرُونَ﴾سورة القلم، الآية 01. وسطرها بمعنى ألفتها، وسطر علينا أي أتانا بالأساطير.
وقد وردت في القرآن الكريم استعمالات للمصطلح بمعنى ما ليس له من أصل من الأحاديث في قوله تعالى: ﴿ إذَا تُتلَى عَلَيهمْ آَياتُنَا قَالُوا سَمعْنَا لَو نَشَاءُ لقُلنا مثلَ هذَا إنَّ هَذَا إلاَّ أَسَاطيرُ الأَولِينَ﴾سورة الأنفال، الآية 31. وفي قوله تعالى:﴿ قَالُوا أَساطِيرُ الأَولينَ أَكْتتبُهَا فَهِي تُملَى عَليهِ بُكرةً وأَصِيلاً﴾سورة الفرقان، الآية 5..
1-2 اصطلاحا: هي نظام فكري متكامل، استوعب قلق الإنسان الوجودي وتوقه الأبدي لكشف الغوامض التي يطرحها محيطه، والأحاجي التي يتحداه بها التنظيم الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه. وهي التفكير في القوى البيئية الفاعلة الغائبة وراء هذا المظهر المتبدي للعالم، وكيفية عملها وتأثيرها وترابطها مع العالم والحياة، وأنها أسلوب في المعرفة والكشف عن الحقائق، ووضع نظام معقول للوجود يقنع به الإنسان ويجد مكانه الحقيقي ضمنه، وإنها الإطار الأسبق والأداة الأقدم لتفكير الإنسان المبدع الخلاق.
وعلم دراسة الأسطورة يدعى (Mythology)، ويتكون هذا المصطلح من مقطعين: الأول هو "ميت" (myth) المشتق من الجذر اليوناني(muthas) ويعنى قصة أو حكاية، أو من الجذر(mythos ) ويعنى قصة غير واقعية، والثاني هو(logy) ويعني العلم أو الدراسة العلمية، وهو مشتق من الجذر(logos) الذي كان يشير في الفلسفة إلى المبدأ العقلي. وبذلك تكون المثيولوجيا هي الدراسة العلمية للأساطير وفحصها وفق القواعد العلمية المتبعة، وقد كان أفلاطون أول من استعمل تعبير(muthologia) للدلالة على فن رواية القصص، وبشكل خاص ذلك النوع الذي ندعوه اليوم بالأساطير.
وتعرف الأساطير على أنها حكايات مقدسة يؤمن أهل الثقافة التي أنتجتها بصحة وصدق أحداثها، وتعد تراث الإنسان في كل مكان وزمان، ومنبع الإلهام الأدبي، وكانت دواعي ظهور الأسطورة في التراث الإنساني هو محاولة فهم المجهولات الكثيرة التي تحيط به، ولوضع قاعدة معرفية يفسر من خلالها وجوده، فمثلا يحاول أن يفسر خلق الكون والإنسان فيقول مرة أن الكون جاء من بيضة كونية أو أنه ولد من جوف نعامة بعد أن قتلها الإله مردوخ، أما الإنسان فقد ولد من دموع الآلهة، والأمراض وجدت نتيجة تلاعب الأرواح الشريرة بالبشر أو لعقاب البشر على أعملهم السيئة.
2-آراء حول الأسطورة
حظي مفهوم الأسطورة باهتمام العلماء الباحثين على اختلاف مشاربهم وتخصصاتهم من علماء علم الاجتماع، نفسانيين، أنثروبولوجيين وفلاسفة، فتعددت آراؤهم حول الأسطورة باختلاف مشارب أصحابها.
2-1 آراء الغربيين:
يرى كارل غوستان يونغ (Gustav Jung) أن الأسطورة تنير جوانب النفس الإنسانية، وأن المجتمع الذي يفقد أساطيره بدائيا كان أم متحضرا يعانى كارثة أخلاقية تعادل فقدان الإنسان لروحه.
أما الفيلسوف الألماني "أرنست كاسيرر" (Ernest Cassirer) فيؤكد أن الأسطورة تمثل قوة أساسية في تطور الحضارة الإنسانية، عبر الإنسان من خلال رموزها عن اهتماماته وتطلعاته، وقد وجد أنها تكون مع اللغة والفن والدين صورا حضارية تبدعها طاقة الإنسان الرمزية. بينما يرى مالينوفسكي(Malinovsky ) أن الأسطورة في حقيقتها ليست تعبيرا تافها ولا تدفقا عشوائيا لخيالات عقيمة، ولكنها قوى ثقافية هامة تشكلت بصورة محكمة .
يرى هوستن سميث (Huston Smith) الأسطورة على أنها مزيج من كل شيء، فهي حكاية خالصة مستوفاة من حوادث التاريخ، وهي قصة سردية حول تاريخ الآلهة والأبطال، وأجداد وهي سيرة حيوانات.
2-2 آراء العرب:
يذكر سليمان مظهر أن الأسطورة تمثل عقائد أصحابها، ومثلهم وعاداتهم وتتضح من خلالها نظرتهم وفلسفتهم في الحياة، وبالتالي ما من أمة هان أو علا شأنها إلا ولها أساطير بكل أنواعها. ويعرفها في مؤلف أخر له على أن الأسطورة قصة تحكمها مبادئ السرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات، محافظة على ثباتها مند فترة طويلة تتناقلها الأجيال، زيادة على الطابع الجماعي الذي تتمتع به أو ما يعرف بالخيال المشترك للجماعة، كما تلعب الآلهة وأنصاف الآلهة الأدوار الرئيسية فيها، بحيث تجري أحداثها في زمن مقدس غير الزمن الحالي، تتمتع فيه بسلطة وقدسية على عقول الناس ونفوسهم.
أما فراس السواح الذي خص مفهوم الأسطورة بالدراسة والبحث فيرى أن الأسطورة على أنها حكاية مقدسة، ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون.
بينما يرى خليل تادرس أن الأسطورة هي الأحداث الواقعية الخارقة التي لا يصدقها العقل، ولكنها حقيقة واقعية قد حدثت بالفعل، وإنها تحلق بك لتأخذك على أجنحة الخيال، كما تثير دهشتك وتنقلك إلى أجواء مدهشة رائعة.
فملاحظ أن الأسطورة مثلت الوعاء الفكري الذي استوعب قلق وشوق الانسان حول ما يحيط به، فانتج لنا فكرا راقيا هو مزيج بين الخيال والواقع عبر فيه ما يختلج صدره من خوف وقلق وتساؤلات.
3- الفرق بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية
قد يظن ضان أن الأسطورة ترتبط بالخرافة واعتبارها شيئا واحد، لكن الحقيقة أن الأسطورة تختلف تماما عن الخرافة، فلئن كانت الخرافة نتاجا للخيال الصرف الذي لا يستند على أية مرجعية واقعية، فإن الأسطورة تفتقد مصداقيتها ومجالها إذا هي لم تسند في الأصل على ذلك الواقع الموجود بالفعل، ثم بعد ذلك تلجأ إلى الخيال العميق في صياغتها لذلك الواقع. وقد عالجت الأسطورة مواضيع جادة كالخليفة ونشأة الكون والخلود وغيرها. كما أن أبطال الأسطورة هم من الآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال المؤلهين، أما الخرافة فتكون على لسان الحيوانات أو شخصيات خرافية.
أما الحكاية الشعبية فهي تخلو من أي دور مركزي للآلهة، فهي حكاية عادية لا تحمل طابع مقدسا أو دينيا، بل هي حكاية دنيوية بسيطة تعتني بالأمور اليومية، وتخلو من الموضوعات المصيرية الكبرى التي تعتني بها الأسطورة، إن السمة المميزة للأسطورة تكمن في جديتها، وإن كلمة أسطورة تنطوي على التمجيد في حين أن الحكاية الشعبية شيء أقل شأنا.
4- أنواع الأساطير
ليست كلّ الأساطير تشير إلى موضوع واحد، أو تقصد هدفا واحدا، وعلى الرغم من اختلاف موطن الأساطير وأزمنتها إلا أنّه يمكن تصنيفها حسب موضوعها وغرضها ووظيفتها الأساسية بغض النظر عن مصدرها، ويتم تصنيفها كالتالي:
4-1 الأسطورة الطقوسية: تمثل الجانب الكلامي لطقوس الأفعال، وارتبطت بعمليات العبادة بمختلف أشكالها. والأساطير الطقوسية في حقيقتها هي مجموعة أحداث تاريخية ومناسبات أريد لها الحفظ والتذكير، فهي تعتبر كمدونات تاريخية يستخدمها علماء الأساطير بعد توضيحها وإعادة ضبطها.
4-2 الأسطورة التعليلية: يحاول من خلالها الإنسان البدائي أن يعلل ظاهرة تستدعي نظره وتشغل تفكيره، لكنه لا يجد لها تفسيرا لذلك فهو ينسج حكاية أسطورية تشرح سر وجود هذه الظاهرة.
4-3 أسطورة التكوين: هي التي تصور عملية الخلق. وتفسر هذه الأسطورة المسائل الأكثر ابهاما وغموضا، كما تحاول توضيح الحياة وما مرت به من مراحل.
4-4 الأسطورة الرمزية: تتضمن رموزا تستدعي التفسير، وألفت في مرحلة فكرية أكثر نضجا من تلك التي ألفت فيها النماذج السابقة مثل الثعلب رمز الخداع، الكلب رمز الوفاء.
4-5 أسطورة البطل الإله: هي التي يتميز فيها البطل بأنه مزيج من الإنسان والإله، بحيث يحاول التميز بصفات إلهية للرقي إلى مصاف الآلهة، إلا أن صفاته الإنسانية تشده دائما إلى الأرض. وهذا النوع من الأسطورة مكننا من التعرف على مفهوم البطولة عند الشعوب القديمة وطبيعتها وارتباطها بعالم الآلهة في السماء والقوى الربانية.
5- دور الأسطورة في ظهور الديانات القديمة
تعد الأسطورة أحد الأشكال الرمزية التي صورت في فترة من الفترات التاريخ الإنساني أفكار البشر وأحلامهم، قبل أن يتمكن الإنسان من التوصل إلى المعرفة بشكلها ومعناها الواضح والمباشر، والأساطير ليست مجرد قصص خرافية، ولكنها تحمل مضمونا فلسفيا يتوافق مع رؤى وأفكار وظروف المجتمع الذي نشأت فيه، وهي بهذا تعد مجالا خصبا يستثمره الباحثون في إدراك العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وكيف كانت المجتمعات القديمة تربط بين ظواهر الطبيعة المختلفة وبين شتى الأفكار والروايات، ويمكن أن نجد تعريفا محددا للأسطورة في أنها محاولة الإنسان البدائي لفهم وتطويع الطبيعة وتفسير الظواهر التي تتعلق بها.
هذا التفسير يوضح لنا كيف نشأ السحر ونشأت معه الرموز أو الطواطم(عبادة الأوثان) التي استخدمها الإنسان لجلب الحظ، ثم تطورت لتصبح رمزا لكل قبيلة أو طائفة، ونشأت عنها أيضا العبادات والآلهة القديمة، وظهرت الأديان التي كانت تقوم حول الأساطير والآلهة الأسطورية المستمدة أساسا من قوى الطبيعة المخالفة، ومن أساطير أولية، ثم اكتملت فكرة الدين بعد ذلك حين اكتشفت المجتمعات البدائية فكرة الروح وانتقال الإنسان إلى العالم الآخر.
ولعل أبرز ما يميز الفكر الأسطوري، هو ذلك الارتباط الوثيق بالدين، فقد كانت الأسطورة في أبسط أشكالها، وأشد مظاهرها فطرية، وتتضمن بعض الدوافع التي تعد بمثابة تباشير لمثل دينية عليا.
خلاصة: فالأسطورة ظهرت نتيجة لخيال مر به الإدراك البشري، أما الدين ظهر نتيجة مرور الإدراك بحالة من الخضوع والتأمل الروحي الجاد. وللأسطورة أهداف عديدة إذ كانت الوعاء الذي استوعب شوق الإنسان ودهشته، فضلا على أنها كانت ردا على أسئلة الإنسان القديمة الذي حاول فهم الظواهر الكونية القديمة وأسرارها المحيطة بها، وتفسير الأمور الغامضة في حياته للوصول إلى عالم الحقائق الذي تحيطه الكثير من الخيالات، ولا يمكن أن نغفل أن الأسطورة ارتبطت بمصير الإنسان وتفسير الكون وأصول العقائد والأماكن المقدسة، والأفراد البارزين، وبالتالي ابتدعت الحكايات الدينية والقومية.
-
أولا: ديانة بلاد الرافدين.
1/ ملامح الفكر الديني لبلاد الرافدين: كان سكان بلاد الرافدين قوم اعتقاديين منذ الأزل، وتعد حضارتهم القديمة من الحضارات الأصيلة الأولى، التي تضمنت ابتكارات وإنجازات حضارية، وأفكار أساسية تميزت بها، وقد تأثرت بها الأمم الأخرى، ظهرت المعتقدات الدينية في هذه الحضارة العريقة بوضوح، وقد لعب الدين أدوارا مهمة في حياة سكان بلاد الرافدين، وأثّر في كل جانب من جوانب حياتهم، وكان الدين منذ بداية العصور التاريخية يتصف بالنضج والتكامل، حيث كان لكل عنصر من عناصر الطبيعة والحياة إله خاص ومتميز. وكل حدث من خير أو مصيبة تحل بالبلاد، كانت تعزى إلى إرادة الآلهة وغضبها، وكان لابد من ترضيتها بتقديم النذور والضحايا والقرابين، لذلك كان المعبد مسكن الآلهة مركز الحياة الثقافية في المدن ومحور الحركة والعمل، ومظهر نشاط المجتمع في مختلف مجالات الحياة.
2/ آلهة بلاد الرافدين: لعل من الأمور الملفتة للنظر في ديانة وادي الرافدين كثرة الآلهة، حيث وجدت نصوص دينية، تتضمن قوائم بأسماء الآلهة وصل عددها إلى نحو 2000-3000 إله. ويجدر الإشارة إلى أن معظم هذه الآلهة تحمل أسماء سومرية، فلا بد أن السومريون هم الذين تخيلوها وأوجدوها، وأن هذا العدد من الآلهة كان من الأزمنة الموغلة في القدم، حيث كانت كل مجموعة بشرية ما تزال مستقلة، ولها مجمع آلهة خاص بهاأ/ آلهة الكون: هي الآلهة الكبرى التي انتشرت عبادتها وتقديسها في جميع بلاد الرافدين، ولم تقتصر على مدينة معينة، كما أنها استمرت عبر جميع أطوار التاريخ، ويأتي على رأسها الثالوث الإلهي المؤلف من ثلاثة آلهة عظام وهي:
* آنو-آن(An- Anu): إله السماء ورئيس الآلهة السومرية مقره في السماء، يرمز له بنجمة ذات ثمانية رؤوس في إشارة إلى جهات الكون، كان يحتل مركز الصدارة بين معبودات بلاد الرافدين، وقد وصف بأبي الآلهة وملكهم[1].
* الإله أنليل (Enlil –Elil): يتكون اسمه من مقطعين "أن" تعني السيد و"ليل" تعني الريح أو الهواء، فيكون معنى اسمه سيد الريح أو سيد الهواء، وهو ابن الإله "آنو"، مقره في أعالي الجبال الشامخة التي تفصل الأرض عن السماء. يأتي في المرتبة الثانية بعد المعبود "آنو" إله السماء، ولقد لقب بالعديد من الألقاب فلقب بمالك السماء والأرض، ومالك البلدان. إليه يعزى خلق البشر والإنسان من كتلة من الطين نفخ فيها نسمة من الحياة، وإليه يعود شرف إنقاذ البشرية من الطوفان حسب الأسطورة.
* أنكي - أيا (En - Ki–Ea): إله الأرض، وسيد المياه الجوفية، اعتبرته النصوص المسمارية إله الحكمة أيضا، وبحوزته القوى الإلهية يأتي في المرتبة الثالثة في مجمع آلهة بلاد الرافدين.
ب/ آلهة الفلك( آلهة الكواكب): عبارة عن ثالوث كان يضم الكواكب التالية:
* نانار أو سين(Sin): يقع بعد أنكي في ترتيب المعبودات، رقمه الحسابي ثلاثين ويعنى تمثيل الشهر كاملا، وهو بذلك سيد الشهر، وقد مثل إله القمر بهلال وحده أو بهلال مع صورة إنسان.
* شمش (Shamsh): إله الشمس عند السومريين، هو ابن الإله "نانار" إله القمر، وإله العدل والحق والشرائع، هو الذي أوحى لـ "حمورابي" الشريعة. كما عرف باسم "أوتو" ومعناه الضوء والنور واليوم، كان يمثل على هيئة قرص له أربعة خطوط تنبعث منها أشعة.
* عشتار( إنانا):(Ishtar, Innina): هي آلهة سومرية سميت "إنانا"، بمعنى سيدة السماء، في الأكادية "عشتار"، كانت من أكثر المعبودات انتشارا في العالم القديم، واشتهرت بكونها آلهة الحب والحرب، وكان رمزها كوكب الزهرة. يرمز لها بنجم تنبع منه ثمانية خطوط من الأشعة، أو ستة عشر داخل الدائرة.
ج/ الآلهة الوطنية: تعتبر أركان بارزة في هيكل معتقدات سكان بلاد الرافدين، إلا أنها ترمز بالدرجة الأولى إلى السلطة السياسية أكثر من رمزيتها إلى السلطة الدينية.
* الإله مردوخ: (Marduk) عبد في بابل في أول الأمر، وحين تولى "حمورابي" الملك رفع من شأنه، وانتشرت عبادته في جميع أنحاء بلاد الرافدين. كان الإله "مردوخ" بالدرجة الأولى رمزا للسلطة السياسية البابلية، وأسندت إليه الكثير من المهام، فقد أشارت النصوص المسمارية إلى أنه إله الحكمة، وإله طرد الأرواح الشريرة، وشافي المرض وسيد القنوات والحقول، والإله الحاكم والمجلب للضياء.
* آشور: الإله القومي للأشوريين: اقتصرت عبادته في أول الأمر على مدينة آشور، ولكن بعد قويت شوكة الأشوريون وأسسوا إمبراطورية، عظم شأن الإله "آشور"، وأصبح على رأس الآلهة الأشورية، وخصص له دور فعال في شؤون الكون، حيث خلق الأشياء والإنسان، وشيدت له المعابد في أشور وغيرها من المدن الأشورية.
بالإضافة إلى آلهة أخرى كل واحدة مختصة بمهمة أو مظهر طبيعي مثل "دموزى" (Dumuzi) إله الخصب، "نياسابا" (Nissaba) إلهة الحبوب إلى غير ذلك.
ثالثا/ المعابد: يعتبر المعبد أحد العناصر المعمارية في حضارة وادي الرافدين، أخذ يتطور حتى أصبح على صورته الكاملة حوالي 3000 ق م. وكان المعبد مسكن الآلهة ومكان عبادتها، وإقامة الطقوس والشعائر الخاصة بها كالاحتفالات الدينية. كانت تقام في وسط المدن، وكانت ذات شكل وحجم مختلفين، فبعضها كانت مجرد مصليات صغيرة، تتكون من صف من الدور، وتشمل على فناء مكشوف يظم محاربا وقاعدة للتمثال المقدس، البعض الآخر كانت تضم عدة أقبية وغرف، وثم أقيمت المعابد الضخمة ذات التركيبات المعقدة مثل الزيقورات وتخص الإله الأعظم، وكانت تضم غرف لإيواء الكهنة والعاملين في المعبد. وكافة المعابد الرئيسية كانت تشترك في خصائص معينة، حيث اشتمل كل منها على فناء كبير تحيط به غرف صغيرة، تستخدم للإقامة أو مكتبات، ومدراس للكهنة وورش ومخازن وإصطبلات.
مما اختصت به حضارة بلاد الرافدين العمرانية الصرح المدرج أو البرج أو الزقورة، وهي كثيرة ومتنوعة وقد وبني السومريون معابد عرفت باسم "الزقورات"، وكانت هذه الأخيرة غنية جدا؛ حيث كانت تزين جدرانها العالية برسوم حيوانية وبشرية ملونة تعد أقدم رسوم جدارية في تاريخ الفن[3]، بالإضافة إلى أعمدة وأفاريز من النحاس، ومطعمة بمواد شبيهة بالأحجار الكريمة، كما تزين أحيانا بتماثيل للآلهة والحيوانات والأبطال من بني الإنسان، مصنوعة من النحاس والفضة.
4/ حياة ما بعد الموت: دلت آثار العديد من القبور أن سكان بلاد الرافدين اعتقدوا بالحياة الثانية، من خلال ما عثر عليه من أدوات وتجهيزات جنائزية فيها، حيث كانوا يجهزون الموتى أحسن تجهيز، ويلبسون الميت أفخم الثياب ويدفنون معه أحسن أنواع الأواني والأدوات وأجود أنواع الطعام، والاحتياجات الشخصية الأخرى، وقد كشف التنقيب في مقابر ملوك "أور" أن عدد من أفراد حاشية الملك المتوفى كانوا يُقتلون ويُدفنون مع سيدهم، لخدمته في حياته الثانية.
تتلخص عقائد ما بعد الموت في حضارة بلاد الرافدين في أن الموت محتوم على البشر، وأن الخلود ميزة استأثرت به الآلهة فقط، ولا يكون للإنسان، وبحسب معتقداتهم فإن حدوث الموت يكون بانفصال الروح عن الجسد لتنزل إلى العالم السفلي( عالم الأرواح تحت الأرض) في حين يودع الجسد القبر ليبلى، ولم يكن خلود الروح يعتمد على المحافظة على الجسد مثلما كان معتقدا في حضارة وادي النيل القديمة، وإنما يقتصر المغزى من دفن جسد المتوفى على ضمان نزول روحه إلى العالم السفلي وعدم بقائها هائمة غاضبة في عالم الأحياء، فكان المعتقد في بلاد الرافدين القديمة أن الروح تحرم من النزول إلى العالم السفلي والاستقرار فيه إن حرم جثمان صاحبها من الدفن أو إقامة الشعائر الجنائزية.
ثانيا- الديانة المصرية
1/ ملامح الديانة المصرية: لقد احتفظ علم الآثار بأشياء كثيرة خاصة بالجانب الديني أكثر من الأشياء الأخرى التي ترتبط بحياته الدنيوية، فأغلب هذه الآثار مادة جنائزية، وتتجلى ذلك في الأشياء التي عثر عليها في المقابر والأهرامات ومختلف أنواع الممياء، كما شيد المصريون المباني الجنائزية لتجسيد فكرة الخلود، تتمثل في الأهرامات ومن أشهر هذه الأهرامات نجد هرم خوفو وخفرع ومنقرع بالجيزة، وقد ضمت هذه القبور الضخمة جثث النبلاء والأشراف في الدولة، والزائر لهذه الأهرام يجد بداخلها وعلى جدرانها نصوصا دينية تسمى بمتون الأهرام.
وأول ما يلاحظه الدارسين لديانات العالم القديم أن المصريون القدماء أشد الأمم تدينا، حتى قال هيرودوت: " إن المصريين أشد البشر تدينا، ولا يعرف شعب بلغ في التدين درجتهم، فإن صورهم في مجملها تمثل أناسا يصلون أمام الإله، وكتبهم عبارة عن أسفار عبادة ونسك". وكانت الروح الدينية عندهم عميقة فكانوا يعتقدون أن كل شيء في العالم ملك للآلهة، وأنهم منبع كل خير وعلى علم برغباته الدنيوية، وأن في استطاعتهم في كل وقت أن يتدخلوا في أحوال البشر، وهذا ما يجعل الدين يؤثر تأثيرا قويا في مجرى حياتهم.3 - الآلهة المصرية: من الأمور العامة التي تميز الديانة المصرية هي تعدد الآلهة وكثرتها، على نحو ما رأينا في بلاد الرافدين. وإن التحليل الدقيق لتاريخ الفراعنة وديانتهم يكشف أن معبوداتهم فقد بلغت أكثر من ألفين من الآلهة، وقد تمثلت هذه المعبودات في القوى الطبيعية وأنواع الحيوانات والطيور والنباتات، حيث أن المصري رأى قوة آلهته مجسمة فيما حوله من المخلوقات كالأشجار والمنابع والصخور والطيور والوحوش، فاعتقد أن هذه الكائنات رموز للقوة العجيبة والسلطة البعيدة عن إدراكه، ثم نظر إلى أرواح هذه المخلوقات نظرة صديق فظنها مدافعة له تدرأ عنه الأذى والضرر، واعتقد أن أرواح البعض أعداء له تعمل لخداعه والكيد له وتوجيه الأمراض له، لذلك سهل عليه تأويل سبب كل ضرر أو مرض يصيبه، ومن أشهر الآلهة المصرية نجد:
أ- الإله رع: إله الشمس، كان أسمى الإلهة وأعظمها بل كان معبودا قوميا صور يشكل إنسان له رأس صقر متوجا بقرص الشمس ويحيط به ثعبان.
ب- الإله آمون: سيد الآلهة المصرية وكبيرها، وخالق الكون عند المصري القديم، ويعنى اسمه المستتر، مثل برأس كبش، عبد في بداية الأمر في طيبة ثم أصبح المعبود الرسمي في الدولة الحديثة.
ج- حورس: ابن الإله ايزيس زوجة الإله أوزوريس، كان في أول الأمر إله السماء، صور على هيئة إنسان برأس صقر.
د- أوزير أوزوريس: هو الإله الذي نزل من السماء وهو الذي يرسم للناس سبل المحبة والتعاون والسلام لخير البشرية، و بعد قتله من طرف الإله ست أصبح إله الموت والعالم السفلي، إله الفيضان ورئيس محكمة الموتى، صور على شكل رجل ملتحي محنط.
ه- الإلهة إيزيس: هي ربة القمر والأمومة، وقد صورت كامرأة ترضع طفلها حورس، وهي أخت وزوجة أوزيريس، نعاون زوجها في رسالته على الأرض، وقد استعانت بالسحر لجمع أشلاء زوجها بعد قبله من طرف ست وإعادته للحياة فيما بعد.
و- الإله أنوبيس: يعد حارس وحاميا للجبانة، يصور على شكل إبن أوى أو على شكل كلب بربض على قاعدة تمثل واجهة المقبرة.
ز- الإله بتاح: رب الخلق، وإله للكتاب والفنانين والحرفين. عبده أهل ممفيس.
ح- الإله حاتحور: آلهة السماء وراعية النساء والحب والموسيقى، وزوجة حورس ويعنى اسمها منزل حورس، تمثل على هيئة امرأة تحمل تاج عبارة عن قرنين بينهما قرص الشمس.
ط - الإله ست: إله الخبث والحقد والشر وعدو البشر جميعا.
ك- الإله آتون: قرص الشمس ، لم يعبد قبل الدولة الحديثة ارتفع شأنه في عهد اخناتون، حيث جعله الإله الأوحد مثل في كقرص الشمس بأشعة تنتهي بيد آدمية.
4- الإيمان بحياة ما بعد الموت: لقد تكررت الإشارات الخاصة بعقائد المصريين بحياة ما بعد الموت والخلود مما طبع الحضارة المصرية القديمة بالطابع الخاص هو اهتمامها المفرط بشؤون ما بعد الموت من قبور وطرق دفن والمحافظة على الأجساد، حيث واعتقد المصريون القدماء على أن الإنسان سيبعث ثانيا بعد موته ليحيا حياة الخلود، إذ تصعد روحه إلى السماء وصورها على شكل طائر، وإن جسم الإنسان إن ظل سليما بعد الدفن عادت إليه الروح من السماء فالموت في نظر المصريين لم يكن هو النهاية، لذلك اهتم المصريون بحفظ الجثث الموتى بعد تحنيطها، ووضعها في قبور حصينة مما دفعهم إلى بناء الأهرامات الضخمة.
كما مارسوا التحنيط الذي برع فيه المصريون القدماء وكان سرا من أسرارهم الخاصة، به استطاعوا حفظ الجثث السليمة لتحل بها الروح وتعيش ثانية إلى الأبد ، دفن المصريون الجثث موتاهم في رمال الصحراء ذات الشمس القوية حتى تجففها وتحفظها من التلف ووضع المصريون مع الميت كل ما يحتاج إليه من طعام وشراب وأدوات ليستعين بها الميت في الحياة الخلود .
لقد آمن المصري القديم بالحياة بعد الموت، واعتقد بالخلود لدرجة أن كل ما أنتجه من فكر وعلم وفن كان أثرا من آثار هذا الاعتقاد، لهذا بذلوا عصارة أفكارهم وجهدهم في العناية بأجساد الموتى للمحافظة عليها بعد الموت وذلك بتحنيطها، فلا يوجد شعب قديم أو حديث بين شعوب العالم احتلت في نفسه فكرة الحياة ما بعد الموت المكانة العظيمة التي احتلتها في نفس الشعب المصري القديم، حيث يقول "جمس هنري برستد"( James Henry Breasted): « لقد كان لرسوخ عقائد ما بعد الموت تأثيرا كبيرا في نفوس المصريين منذ أقدم عصورهم، فتولدت عندهم عناية كبيرة بأمور موتاهم فالمصري القديم كان يعتقد بالخلود بعد الموت، وبأن الحياة الأخرى هي الحياة الأبدية، وأنه سيحاسب على أعماله ويجرى بحسب سلوكه وأن عليه أن يتطهر من كل الذنوب والخطايا».
5- كتاب الموتى: كان لهذا الكتاب شأن كبير عند المصريين لأنهم يزعمون أن أحد الآلهة قد كتبه بيده ولذا يتعبدون بتلاوته وهم أحياء ويوضع في قبورهم وهم أموات، يشمل الكتاب على جميع الكلمات السحرية التي تستعمل لعلاج الأمراض وعلى الصلوات والأدعية. كما يحتوي على نصوص جنائزية تحفظ مع الميت في تابوته أو توضع بين أكفانه وتكتب على أدراج متفاوتة الأطوال من البردي والرق بالخط الهيروغليفي والهيراطيقي أو الديموطيقي، والهدف منه هو تمكين المتوفى من الخروج من ظلمة القبر إلى ضوء الشمس وتمكينه من الحركة بعد الموت فضلا عن توفير السعادة له في العالم الآخر.
ليس من الكتب الدينية المقدسة بل أنه يحتوي نصائح معينة للميت، كما لا تنطبق عليه صفات الكتاب المتكامل الموضوع المحدد الهدف وفصوله متتالية لا يجمع بينهما وحدة فكرية ، ولعل أهمها الفصل 125 والذي يؤكد فيه الميت عدم اقترافه لأية معصية ثم هناك الفصل السادس الذي يكتب على أجسام التماثيل المجاوبة ويطلب من كل تمثال إن يهب في اليوم المحدد له، وينوب عن صاحبه في أعمال الزراعة في عالم الموتى. أما الفصل الثلاثون فيختص بالقلب ما يجب أن يشهد به إمام محكمة الموتى بالصور التوضيحية التي كانت تتخلل النصوص.
6- التوحيد في مصر: عاش المصريون فترة طويلة من الزمن في تعدد الآلهة حتى عهد الملك اخناتون، الذي قاد أول حركة توحيد، فوحد اخناتون الآلهة في صورة إله واحد سماه "آتون" ورمز له بقرض الشمس المشعة التي ترسل أشعتها الخير، كما سمى نفسه اخناتون أي المرضي لأتون، وكانت لهذه الخطوة الجريئة سبب في ثورة عارمة حيث كان في ذلك الوقت كهنة أمون الذين تم اضطهادهم من طرف اخناتون، وعمل على محو ذكرى الإله آمون من المعابد والآثار، كما غير عاصمته من طيبة إلى تل العمارنة بمصر الوسطى. سماها "إخياتون" ومعناها أفق أتون، ولكن لم يقدر لديانة أخناتون البقاء ولا الاستمرار خاصة بعد وفاة راعيها وحاميها اخناتون، فبعد أن خلفه توت عنخ أمون، استسلم لكهنة آمون وأعاد الاعتبار لعبادته.
-
أولا-الديانة الهندوسية
مقدمة: لم تختلف الديانة الهندية عن غيرها من الديانات القديمة، إذ اتجه التفكير الديني فيها إلى نزعة تعدد الآلهة، وقد بلغ التعدد عند الهنود مبلغا كبيرا، فقد انتشرت فيها عبادة مختلف المظاهر الطبيعية كالكواكب والجبال كما قدسوا الحيوانات والجماد، لكن الآلهة الأقوى لديهم كانت قوى الطبيعة نفسها كالسماء والشمس والأرض والريح والماء، ولكي تستقر هذه الآلهة في نفوسهم أطلقوا عليها أسماء تخلدها وتربطها بها، وكانوا يدعون تلك الآلهة لتبارك لهم في ذريتهم وأموالهم من المواشي والغلات والثمار وتنصرهم على أعدائهم. إذ يقول غوستاف لوبون: «وهيهات أن تجد هندوسيا لا يعبد عددا من الآلهة، فالعالم عنده زاخر بها حتى أنه يصلي للنمر الذي يفترس أنعامه، ولجسر الخط الحديدي الذي يصنعه الأوربي، وللأوربي نفسه عند الاقتضاء»
1-تعريف الديانة الهندوسية
تعد الهندوسية من أقدم الديانات والتي ماتزال قائمة، ويعود تاريخها إلى ما يزيد على ألفي سنة قبل الميلاد، كانت تسمى قديما "دراما" (Dhama) وهو الاسم الأصلي للهندوسية، وتسمى كذلك "سانتانا"(Sentana) ثم أطلق عليها حديثا اسم الهندوسية لتشمل الدين والحضارة، العادات والتقاليد التي نشأت على ضفاف نهر الهندوس.
والهندوسية دين متطور عن مجموعة من التقاليد والأوضاع تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلا بعد جيل بعدما وفدوا إلى الهند وتغلبوا على سكان الهند الأصليين، واستأثروا دونهم بتنظيم المجتمع، وقد تولد من استعلاء الآريين الفاتحين على سكان الهند، ومن احتكاكهم بهم تلك التقاليد الهندوسية التي اعتبرت على مر التاريخ دينا يدين به الهندوس ويلتزمون بآدابه.
2- الكتب المقدسة عند الهندوس
تسمى الكتب المقدسة في الهند باسم "الفيدا" (Vedas)، ومعناها المعرفة والعلم، وهي تحتوي أوراد تعبدية وأناشيد دينية وتعاويذ سحرية، ويعود تاريخها إلى أكثر من 1500 سنة قبل الميلاد. وهي عبارة عن أربعة كتب دينية هي:
2-1 الريج فيدا(Ridg veda): أو راجا فيدا، هو أشهر الكتب الأربعة، ويقال أن تأليفه يرجع إلى 3000 قبل الميلاد، وتشمل 1017 أنشودة دينية، وضعت للتضرع بها أمام الآلهة أو يتغنون بها عن آلهة.
2-2 يجور فيدا(Yagoor veda): تشمل العبادات النثرية التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين.
2-3 ساما فيدا(Sim veda): تشمل الأغاني التي ينشدها المنشدون أثناء إقامة الصلاة وتلاوة الأدعية.
2-4 أثرو فيدا(Athro veda): تشمل مقالات في السحر والرقية.
3- العقائد الهندوسية
لعل من أهم العقائد في الديانة الهندوسية أربعة هي:
3-1 الكارما: هو قانون الجزاء، أي أن نظام الكون الإلهي قائم على العدل المحض، هذا العدل الذي سيقع دون أي شك، إما في الحياة الدنيا، أو في الحياة الآخرة، وجزاء حياةٍ يكون في حياة أخرى، والأرض هي دار الابتلاء، كما أنها دار الجزاء والثواب.
3-2 تناسخ الأرواح: يطلق بعض الباحثين على هذه العقيدة تعبيرا اصطلاحيا آخر وهو تجوال الروح، أي إذا مات الإنسان يفنى منه الجسد، وتنطلق منه الروح متجولة لتتقمص وتحل في جسد آخر بحسب ما قدم من عمل في حياته الأولى.
3-3 الانطلاق: هو أن صالح الأعمال وفاسدها ينتج عنه حياة جديدة متكررة لتثاب فيها الروح أو لتعاقب على حسب ما قدمت في الدورة السابقة، من لم يرغب في شيء ولن يرغب في شيء تحرر من رق الأهواء، واطمأنت نفسه، فإنه لا يعاد إلى حواسه، بل تنطلق روحه لتتحد ب"براهما".
3-4 وحدة الوجود: تعني أن الحياة خلقت من الروح، فالإنسان ليس جسمه وحواسه لأنها تموت وتبلى، بل الإنسان هو الروح وهي أزلية أبدية مستمرة غير مخلوقة. فالتجريد الفلسفي وصل بالهندوس إلى أن الإنسان يستطيع خلق الأفكار والأنظمة والمؤسسات، كما يستطيع المحافظة عليها أو تدميرها، وبهذا يتحد الإنسان مع الآلهة، وتصير النفس هي عين القوة الخالقة .
4-الآلهة الهندوسية
آمن الهندوس بعدد ضخم من الآلهة السماوية والأرضيةومن أشهرها الثالثوث الهندوسي التالي:
أولا: برهما: (Brahma) هو إله الشمس وهو خالق كل شيء، وقد ظل هذا الإله يعلو ويعلو حتى أصبح الإله الأكبر.
ثانيا: شيفا:(Siva) رب القسوة والفناء والدمار ، وقد انتشرت تماثيله ذات الأيدي الأربع في حالة الرقص، ويدل رقص شيفا على دوره الهام في الدمار والفناء. وهو لا يظهر عادة إلا في ميادين القتال والمعارك الضخمة والمنازعات الطاحنة، أما تماثيله المنحوتة من الصخر فتصوره يضع فوق رأسه عددا من الجماجم، وتحيط به أرواح البشر.
ثالثا: فشنو:(Vishnu) هو الحافظ، له عشرة تجليات على طوال التاريخ عبارة عن السمك، السلحفاة، الخنزير الوحشي. موجود على هيئة نصف إنسان، ونصف أسد، القزم، راما(Rama) وبيده طبل كريشنا(Krishna)، بوذا(Buddha)، وكلكي (Kalki) وهذا الأخير هو الموعود به في آخر الزمان لإصلاح العالم، يظهر على فرس أبيض شاهرا سيفه.
بالاضافة إلى آلهة أخرى مثل"أغني"(Agni) إله النار، "ايشفارا" (Isavara) إله القوة والقدرة، "رودرا" (Rudra) إله الخوف والفزع، "راما" (Rama) إله العواطف، "كريشنا" (Krishna) إله الماء الصافي، "ياما" (Yama) إله الموتى وحاكمهم.
5- عبادة البقرة: تعتبر البقرة من أكثر الحيوانات قدسية لدى الهندوس، ويقيمون لها التماثيل في كل مكان، هذا كله لاعتقادهم أنها مصدر قوة ضخمة ترمز جيداً إلى القوة الكبرى التي تسيطر على هذا العالم الكبير. والإيمان بأن البقرة ممثل الآلهة، حيث حظيت عند الهندوس بأسمى مكانة، وهي من المعبودات التي لم تضعف قداستها مع مر السنين، فهي رمز الإيثار. وقد حرم أكل لحمها وذبحها، واعتبروا فضلاتها مرهما، مطهرا لكل قذارة، وإن ماتت يجب أن تدفن بكل عناية وتقديس، ومن تراتيلهم لها:« أيتها البقرة المقدسة لك كل التمجيد والدعاء في كل مظهر تظهرين فيه، أكنت أنثى، أو عجلا صغيرا، أو ثورا».
6- الطبقات في المجتمع الهندوسي
منذ أن وصل الآريون إلى الهند شكلوا طبقات لا تزال قائمة حتى الآن، وهم أربعة طبقات ولا طريق لإزالتها لأنها تقسيمات أبدية من خلق الإله -كما يعتقدون- وردت الطبقات في قوانين "منو" على النحو التالي:
6-1 البراھمة: هم أفضل الناس وأعظمهم قدسية، خلقهم الإله من فمه، منهم الكهنة والقضاة والمعلمين، وهم ملجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلا في حضرتهم.
6-2 الكاشتر: هم الذين خلقهم الإله من ذراعه، يتعلمون ويقدمون القرابين ويحملون السلاح للدفاع. منهم الملوك والمحاربون.
6-3 الویش: هم الذين خلقهم الإله من فخذه، يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال، وينفقون على المعاهد الدينية.
6-4 الشودر: هم الذين خلقهم الإله من رجله، هم من الزنوج الأصليين ويشكلون طبقة المنبوذين، عملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاث السابقة الشريفة، ويمتهنون المهن الحقيرة والقذرة.
7- شعائر وعبادات الهندوس
7-1 الطهارة: عند الهندو نوعان من الطهارة: طهارة حسية وطهارة معنوية
7-2 الصلاة: والصلاة لديهم تشارك طقوس تقديم القرابين والنذور لآلهتهم، وهيئتها وقوفا أو جلوسا، أو يرتلون الأدعية الدينية.
7-3 الصوم: يعد الصيام عندهم تطهر لكل شيء، ففرضوا صياما تقشفيا كالصمت والامتناع عن الأكل والشرب، وصيامهم نفلا وليس فرضا، وصيام الكهنة يختلف عن صيام الشعب إذ تميز بكثرة أيامه وقسوته .
7-4 اليوجا: هي من الشعائر التعبدية المهمة لدى الهندوس، وهي طريقة رياضية روحية وجسدية يتبعونها لتسهيل اتحادهم بالإله وفق زعمهم.
7-5 الحج : يكون الحج عند الهندوس بالذهاب إلى نهر الغانج سنوياً، والاغتسال فيه للتطهر من آثامهم، وكذلك يلقون فيها رماد موتاهم.
8- طقوس الموت عند الهندوس
عند وفاة الشخص يتم الاعتناء بالميت عناية خاصة، حيث يرى الهندوس أنه ما لم تستقر أرواح الموتى في عالم الآباء. تظل عرضة لأن تصب البلاء على رؤوس نسلها الذين لم يقوموا بإحكامها عن طريق القرابين؛ لضمان انتقالها إلى عالمها المناسب. حيث يتم حمل جثة الميت بعد وفاة الميت بقليل في موكب من الأقارب لتحرق الجثة، حيث يطوف أهل الميت حول المحرقة في اتجاه عكس عقارب الساعة ثم يعودون إلى المنزل، وفي اليوم الثالث من حرق الجثة، يأخذ الرماد بعد الحرق إلى النهر المقدس ليُلقى في النهر، وهذا جزء مهّم من الطقوس الهندوسية، ثم تقرأ مقاطع من الفيدا المقدسة مع ترانيم روحية، ثم تلقى باقات من الزهور مع الشموع التي توضع قرب النهر المقدس، ولمدة عشر أيام متصلة يقومون بتقديم القرابين للميت.
خاتمة: مما سبق نفهم أن الديانة الهندوسية تقوم على فكرة تقديم الخير للنفس والمجتمع، وأن عقيدتها شملت التدين والحضارة والعادات والتقاليد والسلوكيات الخاصة بشعب الهندوس، وهي تحوي عدد كبيرا من الآلهة في صورة حيوانات وحشرات وآدميين، كما أنها عرفت عقيدة تقدس البقر والأفيال والأفاعي والتماسيح والنمور وغيرها.
ثانيا- الديانة البوذية
1- تعريف البوذية
كانت البوذية في الأصل حركة رُهبانية نشأت داخل التقاليد البراهمانية، تحولت عن مسارها عندما قام بوذا بإنكار المبادئ الأساسية في الفلسفة الهندوسية، بالإضافة إلى رفضه وِصاية السُلطة الكَهنوتية، كما لم يرد أن يعترف بأهلِية كتابات الفيدا، وكذا مظاهر وطقوس عبادة الآلِهات التي كانت تقوم عليها. كانت التعاليم الجديدة التي بشر بها موجهة للرجال والنساء وإلى كل الطبقات الاجتماعية بدون استثناء. كان بوذا يرفض المبدأ القائل بأن القيمة الروحية للإنسان تتَحدَد عند ولادته (نظام الطبقات الاجتماعية الهندوسي).
وبعد موت مؤسسها تحولت إلى معتقدات يغلب عليها طابع الوثنية، ولقد غالى أتباعها في توقير مؤسسها حتى ألهوه، لذلك يميل البعض إلى أن البوذية تعتبر نظاما أخلاقيا، ومذهبا فكريا مبنيا على نظريات فلسفية، وتعاليمها ليست وحيا، وإنما هي آراء وعقائد في إطار ديني وتختلف البوذية القديمة عن البوذية الجديد في أن الأولى صبغتها أخلاقية، في حين أن البوذية الجديد هي تعاليم بوذا مختلطة بآراء فلسفية وقياسات عقلية عن الكون الحياة.
2- أسباب ظهور البوذية
كان سبب انتشار البوذية في الهند أولا يعود إلى أن تسلط طبقة البراهمة أدى إلى نفور الطبقات الأخرى منها، وخاصة الطبقات الحاكمة الكشتارية لذلك حاولت الإفلات من سيطرتها، ولعل السبب الثاني يكمن في العقيدة الهندوسية، إذ أن وجود آلهة كثيرة تسيطر على الكون، وتفرض نوعا من الوصاية على البشرية، وتقسيمها للمجتمع إلى طبقات تتحكم واحدة في الأخرى، وتفرض أنواعا من التعبدات والالتزامات الدينية قد أتعبت الناس، فالبوذية جاءت كرد فعل على الديانة الهندوسية.
3- تعريف بوذا
اسمه الحقيقي "سيدهارتا جواتاما" (Siddharta) ولد في الهند حوالي 560 -480 ق م لقب ببوذا والتي تعني العالم، نشأ بوذا في بلدة في حدود النيبال، كان أميرا وشب مترفا في النعيم تزوج في سن مبكرة من عمره، كان يتطلع طيلة حياته إلى الفلسفة والعلم فكان أكثر ما يحيره هو بعض الغوامض التي يصعب تفسيرها كالمرض الشيخوخة والموت، فدأب على دراسة فلسفة الهندوس البرهمية، إلا أنه لم يجد الأجوبة الشافية لتساؤلاته، ولما بلغ 26 هجر أسرته وبلدته ليبحث عن الحقيقة مهما كلفه الأمر فانصرف إلى حياة الزهد والتقشف والخشونة في المعيشة والتأمل في الكون وترويض النفس، وعزم على أن يعمل لتخليص الإنسان من آلامه، فكان يتجول في الغابات والبراري ويذهب إلى الكهوف يتأمل الكون، وبعد تأمل وتفكير عميق خرج بفلسفة تقول: "من الخير يجب أن يأتي الخير ومن الشر يجب أن يأتي الشر".
4- تعاليم بوذا:
تتلخص تعاليم بوذا في أربع حقائق هي:
أ- الحقيقة الأولى: وجود الحزن حيث يقول بوذا في تعاليمه: الولادة حزن والكهولة حزن والمرض حزن والموت حزن وعدم الوصول إلى الأحباب حزن.
ب- الحقيقة الثانية: من أسباب الحزن هي الأمنية الكاذبة والشهوات المهلكة.
ج- الحقيقة الثالثة: يتم القضاء على الأحزان بإماتة الشهوات والرغبات واجتناب الحاجات الزائدة واختيار العزلة التامة. وهي حالة مثالية يصل فيها الفرد إلى حالة الزهد.
د- الحقيقة الرابعة: هي الأعمال التي تساعد على القضاء على الآلام والأحزان وهي الاعتقاد الصحيح، النظرة الصحيحة، الفهم الصحيح، التأمل الصحيح، القول السديد، الفعل الحسن والكسب الصحيح.
5-العقيدة البوذية
الواقع أن بوذا لم يهدف لإنشاء دين جديد يقوم على عقائد دينية جديدة، وانما كانت همومه كلها تتجه إلى فكرة أساسية هي أن الأخلاق أقرب منها إلى الدين، فالبوذية مذهب أخلاقي بالدرجة الأولى، وليس نحلة دينية مستقلة، إذ يقول الأستاذ رادها كرشن الذي كان نائبا لرئيس جمهورية الهند: «إن بوذا لا يقرر العقائد، ولا يؤسس مذاهب فلسفية، ولا يزعم أنه جاء إلى الأرض بحكمة خصوصية ملكها من الأزل، بل يعلن بكل جلاء أنه كسب هذه الحكمة بجهود جبارة فيما سبق له من الحياة على هذه الأرض دهورا وأحقابا بتعدد المواليد، وهو يرشد أتباعه إلى نظام يضمن الرقي الأخلاقي ولا يدعوهم إلى دين كسائر الأديان، إنه يرى أتباعه سبيلا ولا يقرر عقيدة، لأنه يرى أن قبول عقيدة يصد عن البحث وراء الحق فكثيرا ما ترفض الحقائق لأنها تخالف عقيدة تمسك بها الذين جاءت لهم هذه الحقائق»
فبوذا يؤسس دعوته على حصوله على المعرفة أو بعبارة أخرى على تجربته الروحية، التي لا يمكن بيانها بالألفاظ، فدعوته حكاية عن تجربته وعن الطريق المؤدي إليها، وهو يقول إن الحق لا يعرف بالنظريات بل بالسير في طريقه.
6- وصايا بوذا في الحياة
لا تقتل نفسا، لا تزن، لا تشرب خمرا أو تتناول مسكرا، لا تكذب، لا تسرق ولا تغتصب، لا تأكل في الليل طعام غير ناضج. لا تقتن أثاثا فاخرا، لا ترقص ولا تحضر مرقصا في حفل غناء، لا تستعمل العطور، لا تقتنى ذهبا ولا فضة. ويقال أن بوذا قد أوصى الرهبان بتلك الوصايا فيما يعرف بوصايا بوذا العشر
7- الكتب المقدسة عند البوذيين
كان لدى البوذيين كتب مقدسة يعتمدون عليها في تعاليمهم الدينية، إلا أنهم لا يدَّعون أنها منزلة من الله، بل يقولون أنها مجموعة تعاليم بوذا، التي جمعت في ثلاث مجموعات من الكتب وتسمى "السلال الثلاث"، تعرف الأولى بسلة النظام أو الطريقة، والثانية تعرف باسم سلة العظات وتضم تعاليم بوذا الأصلية متسلسلة وفق نظام خاص، أما الثالثة فتعرف باسم سلة العقائد وهي المسائل الفلسفية التي يتداولها البوذيون، وتتمثل في القواعد والنظم التي يستند عليها الرهبان في حياتهم.
8- الديانة البوذية بعد وفاة بوذا
إن البوذية لم تكن في الواقع ديانة خالصة، وإنما هي فلسفة اجتماعية غايتها تخفيف الآلام عن الناس وإسعادهم، وإلغاء الطبقات وتحقيق المساواة بين البشر، وليس في الديانة البوذية شيء عن الله أو عن تقديم القرابين، وبعد موته حرص أتباع البوذية على إضفاء هالة من القداسة على سيرته، منذ أن حملت به أمه إلى غاية وضعه، بل صبغوا بذلك كل تفاصيل حياته ومماته.ونسوا فلسفته وراحوا يقدسون بوذا نفسه، وأخذت كتبهم المقدسة تتحدث عن الإله بوذا، وتصف كيف تقدم القرابين، وبعد أن كان بوذا ينهى عن عبادة الأصنام أقام له أتباعه التماثيل في كل معبد وجعلوا منه إلاها يعبد، وهكذا صارت البوذية دينا وأصبح لها كهنة وأخذوا يفسرون تعاليمه.
خلاصة: من خلال ما سبق خلصنا إلى أن بوذا دعا إلى التقشف ونبذ الترف والزهد في الحياة، وحاربت البوذية مفهوم الطبقية، ونادت بإلغاء الطبقات والدعوة إلى المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات ولا فرق بين إنسان وآخر، كما أن بوذا كان يحارب العقائد الدينية ولا سيما ما يتصل بالإله إذ يقول أحمد عبد الغفور عطار« ففلسفة بوذا وأقواله وتعاليمه لاهوتا بدون إله، بل عقائد بغير دين، وخَلقا بدون خالق، ودينا بدون ديان»، ولكن البوذية تطورت بعد وفاة بوذا فدخلتها مسائل الألوهية وأصبح بوذا نفسه معبودا كآلهة الهندوس وأخذت البوذية تبتعد عن مذهب بوذا كلما بعد بها الزمن أو الوطن.
-
1/ ملامح الديانة الإغريقية: إن الدارس للديانة الإغريقية القديمة يقف على أنواع كثيرة من المعبودات، تمثلت في أغلب الأشياء، فقد أنشأ الخيال الديني اليوناني مجموعة من الأساطير تدور حول مجموعة كبيرة من الآلهة، فكان كل شيء وكل قوة في الأرض والسماء، وكل نغمة أو نقمة، وكل صفة ولو كانت رذيلة من صفات الإنسان تمثل إلها في صورة بشرية عادة، وليس ثمة دين يقرب آلهة من الأدميين مثل قرب آلهة اليونان. وكانت الديانة الإغريق ديانة وثنية، عبدوا فيها الآلهة وأنصاف الآلهة، وهي عبارة عن تشخيص لقوى الطبيعة أو الأبطال الذين قاموا بأعمال مجيدة خلدت ذكرهم، وكان لكل مدينة أو قرية بل لكل أسرة إلهها، وأعياد دينية خاصة.
تعتبر الميثولوجيا الإغريقية غنية بالأساطير، التي تعتبر أصدق تعبير عن تصورات الإغريق الدينية القديمة، فقد عظموا الأرباب عبر الجبال والمغاور، والأشجار والأعمدة والشمس والقمر والأفاعي واليمام والثيران، وكان لكل مظهر أو صفة أو حرفة إله خاص بها أو حارس، كما رأوا الكون مليئا بالأرواح منها الطيب ومنها الخبيث، بالإضافة إلى اعتقادهم بوجود شياطين ونساء مجنحات وجن وأشباح بشعة، وحسناوات جميلات في البحار والغابات، كما كان لكل إله أسطورة تفسر سبب وجوده وتفسر طقوس عبادته وتكريمه، ومجموعة هذه الأساطير كونت عقيدة الإغريق وفلسفته وأدبه.
2- الآلهـــة الإغريقية: كان للإغريق حشد كبير من الآلهة وتصنف إلى ثلاث أصناف آلهة كبرى وآلهة صغرى وآلهة المرحلة سرية وهي كما يلي:
أ/الآلهة الكبرى: أو آلهة الأولمبس وهي أشهر معتقدات اليونان القدماء، وأكثر ذيوعا وانتشارا بينهم، فلقد ورد ذكرها بالتفصيل في القصائد الهوميرية (الإلياذة والأوديسيا)، وكتب عنها الكثير من الأساطير والأشعار، وهي تنتسب إلى جبل الأولمبس وهو أعلى جبل في بلاد الإغريق اعتقادا منهم أن هذه الآلهة يعيشون على هذا الجبل. والآلهة الأولمبية كما في الإلياذة والأوديسيا يؤلفون حكومة ملكية وعلى رأسها زيوس وعددهم اثنا عشر إلها، وكلهم في صورة بشرية إلا أن سائلا عجيبا يجري في عروقهم فيكفل لهم الخلود، وهم أقوى من الأبطال وأسرع حركة، ويسكنون قصورا في السماء فخمة يقضون فيها حياة ناعمة في ربيع مقيم. وهذه بيان بهؤلاء الآلهة ووظيفة كل واحد منهم:
1- زيوس: سيد الآلهة و رب الأرباب ورأس النظام الإلهي، إله السماء والرعد والصواعق، والعواصف، اقتبس هو وإخوته العالم عن طريق القرعة، فكانت السماء من نصيبه، وكان زيوس محبا للنساء.
2- هيرا: إله الزواج والمواليد، وزوجة زيوس الشرعية وشقيقته، صعبة المراس، ولكنها مثال ربة العائلة.
3- بوسيدون: هو إله البحار أخ زيوس.
4- هيفاستوس: إلهة النار والمعادن، وإله الصناعات، ابن زيوس وهيرا.
5- أبولو: يعتبر إله النور والتنبؤ والرماية، وكذا إله الموسيقى والفنون والطب والشمس، يعتبر أجمل الآلهة، وهو أبن زيوس.
6- أرتميس: إله الصيد والطبيعة والبرية. تمثل بقمر لأنها إلهة النور الليلي.
7- آريس: ربة الشقاق والنزاع، لا تستدعى إلى الحفلات والأعياد خوفا من النزاع هي التي سببت الحرب الطروادية.
8- هرميس: هو رسول الآلهة مهمته نقل الرسائل بين الآلهة، وهو إله الماشية والتجارة ، والدهاء والكسب.
9- أثينا: إلهة المعرفة والحكمة والحرب ولدت من رأسه مدججة بالسلاح والذكاء وشفيعة مدينة أثينا، ابنة الملك زيوس.
10- أفروديت: إلهة الحب والجمال، خلقت من زبد البحر زواجها غير موفق فتصرفت وفق أهوائها.
11- هستيا: إلهة الموقد ورمز الحياة العائلية، وحامية العائلة.
12-هاديس: إله الموت والعالم السفلي.
ب/ الآلهة الصغرى: إلى جانب الآلهة الكبرى كان يوجد عدد كبير من الآلهة الصغرى التي قامت بأدوار متعددة ومختلفة يصعب ذكرها بالتفصيل، ضمت آلهة الأرض، والآلهة الحيوانية، وآلهة ما تحت الأرض، وآلهة الأسلاف والأبطال، وعبادة هذه الآلهة كانت منتشرة بين الفقراء عادة كانت حزينة عكس الآلهة الكبار، ومن الآلهة الصغار نجد ديكي آلهة العدالة والقانون، أتيروس إله يمثل الأحلام الليلية، بلوتو إله العالم السفلي، فلورا ربة الأزهار والربيع. إيريس رسول الآلهة، نايك ربة النصر المجنحة، وتميس ربة العدالة. أما الأبطال فقد كانوا في الأصل بشرا ألهوا لسبب ما، وأصبحوا وسطا بين البشر الفانين والآلهة الخالدين، على رأسهم هرقل يطل الأبطال و حامي الحضارة الهيلنية في بلاد البرابرة.
ج/ الآلهة السرية أو الصوفية: وهي آلهة بعث من الموت حسب اعتقادهم.
3- الطقوس والعبادات: عمد الإغريق على استرضاء آلهتهم عن طريق قيام بطقوس من الصلوات والتضحيات والرموز والاحتفالات، وتقيمها عادة كاهنات من النساء، وأحيانا موظفون من رجال الدولة، وكانت الموسيقى عنصرا أساسيا لا غنى عنه في الاحتفال الديني، وكانت القرابين تقدم من تماثيل، وآنية، وأسلحة وأثاث وثياب، وثمار الأشجار، كما كانت تقدم الأضاحي البشرية، وكانت تقدم للإله زيوس حتى القرن الثاني م. كما اعتقد الإغريق بوجود شياطين، ولكي يطردوها عمدوا إلى طقوس خاصة، منها حرق البخور، وتلاوة أناشيد جماعية.
4- الموت وطقوس الدفن: لقد عظم الإغريق موتاهم تعظيما يفوق تعظيمهم لآلهة، ففي جزيرة "كريت" عني الإنسان عناية خاصة لموتاهم حتى العبادة، ودفن الميت في توابيت من الصلصال، أو جرار ضخمة، كما كان يوضع معه قليلا من الطعام وأدوات الزينة ودمى صغيرة في صورة نساء لكي يواسون الميت إلى أبد الدهر، أما إذا كان الميت ثريا كان يوضع معه أشياء ثمينة أو حلي تكون ملكا للميت، ويظهر من خلال البقايا الأثرية أن الكريتيين والموكينيين كانوا يعتنون بدفن موتاهم ويزودوهم بالأثاث الجنائزي، لكن يبدو أنه لم تكن لديهم فكرة واضحة عن حياة أخرى بعد الموت.
كما اعتقد الإغريق أن أرواح الموتى قادرة على فعل الخير والشر للناس، ففي البداية لجأت الأسر اليونانية إلى تعظيم الميت، وفيما بعد أصبحوا يرهبونها بطقوس المراسيم بغية إبعادها واتقاء شرها، وكانت عبادة الأبطال امتدادا لعبادة الموتى والأسلاف.
5- الأعياد الدينية وأماكن العبادة : اشتهر الإغريق بتنظيم الأعياد الدينية التي تصاحبها ألعاب متنوعة لتكريم آلهتهم، وكان أشهرها الألعاب الأولمبية التي تقام في أولمبس على شرف كبير الآلهة زيوس، وقد جرت لأول مرة في عام 776 ق م واتخذت نقطة بداية لتقويمهم، كما نظّمت ألعاب واحتفالات لتمجيد آلهة أخرى في تواريخ مختلفة، وبرغم انقسام بلاد الإغريق سياسيا إلى مدن الدول فإن الديانة من خلال هذه الأعياد وما تتضمنه من أنشطة دينية ورياضية كانت عنصر ربط بين المدن، وقوَّت الشعور بالوحدة الهللينية بينهم. وكان السكان يزورون في أوقات معينة بعض الأمكنة المقدسة لاسيما المغارات والجبال، كما خصصوا مواقع معينة في البيوت لتقديم الطقوس لمعبوداتهم التي جسدوها على شكل تماثيل أو رموز دينية.
6-الكهنة: كان الكهنة في الميثولوجيا الإغريقية خاضعين للدولة، بعكس ما كان كهنة الشرق الذين كانوا يسيطرون على الدولة، ولم يكن الكهنة الإغريق سوى موظفين صغار في الهيكل، كما كانت أملاك الكاهن يدير شؤونها موظفون من قبل الدولة، ولم يكن في اليونان طبقة كهان خاصة كما لم يكن للدولة دين رسمي يستمسك به جميع أفراد الدولة، وكان بوسع أي إنسان أن يؤمن بما يشاء به من العقائد على شرط أن لا يكفر بآلهة المدينة أو يسبها، كان حرم الهيكل حيث يسكن الإله مقدسا يجتمع فيه المتعبدون حول تمثال الإله ويوقد أمامه ضوء لا ينطفئ أبدا، كما كان الإله يؤنب أحيانا إذا أهمل أمر متعبديه.
7- الأساطير: كانت بلاد الإغريق من أشهر الحضارات ذات الملاحم والأساطير، حيث كان الإغريق أناس ذوي ذهنية وقادة وبحاثة، اضطروا لقصر باعهم في العلم إلى خلق أساطير لكي تركن ذهنيتهم الباحثة إلى ساحل الأمان والاستقرار، فنجد أنهم عبدوا أوثانا متنوعة بدلا من عبادة إله واحد، كما اهتموا بالفلسفة أيضا، ورفعوا لوائها في عصرهم في حين عجزت أقوام أخرى عن اللحاق بهم في هذا المضمار.
ينبغي دراسة الأساطير اليونانية في الإطار الذي وجدت فيه، أي في نفس الظروف الاجتماعية والتاريخية التي نشأت فيها هذه الأساطير ولعلنا في هذا المجال نجد أن هذه الأساطير كانت تختلف عن غيرها من تراث الشعوب الأخرى في تركيزها على الإنسان ومعاناته وحياته، وابتعادها النسبي عن الإغراق في الخيال قياسا على مثيلاتها لدى الشعوب الأخرى.
8-مميزات الديانة الإغريقية:
أ/ الديانة اليونانية بقيت ديانة وثنية من نشأتها إلى منتها وإنها تركزت على تعدد الآلهة ، كما عرفوا مبدأ التفريد (الإله الأعظم ) كما عرفوا التوحيد (الإله الواحد) ولكنهم رغم عقيدتهم الجبارة لم يستطيعوا تجريد عقيدتهم من علائق التشبيه والشرك.
ب/ إن الإغريق في مجال الدين والعقيدة لم يعطوا شيئا وإنما أخذوا كل شيء عن الديانات الشرقية (المصرية ، البابلية، الهندية الفارسية عن طريق الفينيقيين والكريتيين.