Topic 1
الخطوط العريضة للقسم
-
تقديم نظري للنقد الأسلوبي:
لا ريب أن الإبداع فيه شيء من الفرادة والأسلوب الخاص، وتتبعه وتفسيره وقراءته تحتاج إلى أدوات واسعة بسعة التجربة الإنسانية، لذلك يجب نقل النقد من توظيفات اللغة ، إلى نقد جمالي يقدم تفسيرا واقعيا لظاهرة الإبداع الأدبي يميز بين فنية الفن وعناصر جماليتها ومظاهر الإبداع الرسالية، في عنى وثراء واضح تقف الألسنية والأسلوبية بصورتها الحالية مدهوشة ومبهورة تجاه عظمته .
ما نستنتجه من التقديم كون الأسلوبية هي شيء من اللغة وشيء من علم الجمال فإذا قلنا اللغة يذهب عقلنا إلى البنيوية باعتبارها شكل من النظام والأسلوبية تحاور هذا النظام بغية الوصول إلى توصيف علمي دقيق يكشف طريقة هذا النظام في تأثيث النص بجماليات خارقة ومن ثمة تدخل العملية النقدية في عالم الأسلوبية حيز النقد الجمالي والبلاغي
لقد أجاب النقد الأدبي حتى في صوره البدائية عن تساؤلات مهمّة تخص الأدب وجمالياته، وكان للبلاغة العربية بعلومها: البديع والبيان والمعاني بناءات شاهقة عملاقة في هذا الشأن، نجد أن الأسلوبية تريد بلوغ تلك المباني. وتستثمر هذا المعمار لكن هناك فارق اشتغال بينهما البلاغة تبحث عن كيفية تشكيل النصوص بشكل عام أما الأسلوبية تبحث عن كيفية هذا التشكل في نص خاص بمبدعه الخاص الذي سيختلف بالضرورة عن نص سواه وعن ذات غيرها
إن النقد الأسلوبي نقد يحقّق وصفا جيدا لجانب مهم من عملية الإبداع، انّه ينظر إليها من زاوية طريقة تحقق العمل الفني كما كانت تشتغل البلاغة القديمة فإذا كانت البلاغة تبحث عن الكليات فالأسلوبية تبحث عن الخصوصيات والتفرد في الأداء والاشتغال في هذا الجانب ولجوانب جمالية كثيرة في لغة الإبداع وأساليبه.
إذا كان علمُ اللغة يدرس ما يقال فإنّ الأسلوبية تدرس كيفيةَ ما يقال مستخدمةً الوصفَ و التحليل، وعلى هذا الأساس يكون توجّهُ الأسلوبية نحو تحليل النص لاستكشاف العنصر التأثيري للأدوات البلاغية التي يوظّفها الكاتبُ في نصّه.
و المهمُّ الإشارةُ إلى أنّ التناول الأسلوبيّ إنّما ينصبّ على اللغة الأدبية لأنها تمثّلُ التنوّعَ الفرديّ المتميّزَ في الأداء بما فيه من وعيٍ و اختيارٍ، و بما فيه من انحرافٍ عن المستوى العاديّ المألوف بخلاف اللغة العادية التي تتميز بالتلقائية والتي يتبادلها الأفراد بشكل دائم و غير متميّز .
تستند الأسلوبية إلى ازدواجية الخطاب حيث نجد مجموعةً من الألفاظ يمكن للمتكلّم أن يأتيَ بواحدٍ منها في كلّ جملة من جمل الكلام، و يمكن أن تقومَ واحدةٌ مكان الأخرى ، فاختيارُ المتكلّم و الكاتب ( المرسل ) هذه المفردةَ دون الأخرى يخضع لخصوصية أسلوبه، فتدرس الأسلوبية هذا الاختيارَ وتبيّن دلالتَه وأثرَه الفنيَّ في المرسَل إليه، فمجالُ الأسلوبية يكون مقتصراً على مكوِّنات النص الداخلية فلا يتعدّاها إلى ما هو خارجيّ من العوامل المؤثرة.
و ينطلق البحثُ الأسلوبيّ في مقاربته النصَّ الأدبيّ من المقولات الآتية:
الاختيار - التركيب - الانزياح
1- الاختيار :
يقصد به انتقاءُ المنشئ لسماتٍ لغويةٍ معيّنة بغرض التعبير عن موقفٍ معيّن، و هذا الانتقاء يجعل من الأسلوب عملاً واعياً لأنّ اختيارَ المبدع هذا اللفظَ أو التركيب دون غيره إنّما لأنّه أقدرُ على حمل مراده إلى حيّز الورق حسبَ تقدير هذا المبدع.
و للاختيار صورٌ متعدِّدةٌ ،فمنها ما يُختار على مستوى اللفظ أو المعجم و منها على مستوى التركيب ( النحو ) فيغدو الأسلوبُ بذلك استثماراً و توظيفاً للطاقات الكامنة في اللغة.
و من صور الاختيار ما ينشأ من التعبيرات المجازية وهذا يتجاوز المفردة لينظر إلى التركيب مجملاً، فمن أمثلته قول الشاعر:
أفرِغ خلودَكَ في الشبابْ
يمكن أن نجدَ على محور الاختيار فيما يتعلّق بالتركيب (أفرِغ خلودَكَ) بدائلَ كثيرةً مثل: أطلق، ارم، اقذف، صب ... إلخ، لكنّ الشاعرَ آثر( أفرغ) ظنّاً منه أنّ الفعلَ (أفرغ) الذي يوحي بالغزارة يمكن أن يؤدّيَ المرادَ أكثرَ ممّا تؤدّيه بقيةُ الأفعال المنتظرة على جدول الاختيار.
2ً- التركيب :
يقوم التركيب بنظم الكلمات المختارة في الخطاب الأدبي متوسّلاً في ذلك بعمليتي الحضور و الغياب، الحضور للكلمات المختارة و الغياب للكلمات الأخرى المصفوفة في جدول الاختيار، و الدخول في علاقة جدلية أو استبدالية، فالكلمات الأخرى تتوّزع غيابياً في شكل تداعيات للكلمات المنتمية لنفس الجدول الدلالي
إنّ صورة الغياب هذه تعطي للأفعال معانٍ* إضافيةً لأنها بالنصّ دائماً حافّةٌ، كما تعطيها أيضاً قيمةَ الشهادة على أسلوبية الجملة
فالتحليل هو دراسة الانسجام الحاصل بين المفردات و الأثر الجمالي و الفني الذي يتركه في ذهن المتلقّي، و على هذا يكون الأسلوبُ عند ( جاكبسون ) تطابقاً لجدول الاختيار على جدول التأليف أو التركيب
إنّ الدّرسَ الأسلوبيّ لا يقف عند توصيف بنية التركيب في الخطاب الأدبي بل يستقصي من خلال ما يتفرّع عنها من أشكالٍ تعبيرية كالتقديم و التأخير والحذف و الذكر و التعريف و التنكير ... إلخ فكلّ شكلٍ من هذه الأشكال هو خاصيةٌ أسلوبية ذاتُ دلالة خاصّة بتركيبها ضمن النّسق اللغوي.
3ً- الانزياح :
ورد مصطلحُ الانزياح كثيراً في الدراسات القديمة والحديثة و اتخذ أكثر من تسمية منها الانحراف والعدول و الإبداع و التغيير و الخروج ... إلخ. وهو يُعدُّ مؤشّراً على أدبيّة النصّ وشهرته لأنّ الخروج عن النسيج اللغوي العادي في أيّ مستوى من مستوياته ( الصّوتي، التركيبي، الأسلوبي، البلاغي ) يمثّل بحدّ ذاته حدثاً أسلوبياً
و الانزياحُ هو الرّكن الذي بني عليه جان كوهن كتابَه ( بنية اللغة الشعرية ) إذ عدّ الانزياح مبدأ الشعرية، و الانزياحُ لا يكون شعريّاً إلا إذا كان محكوماً بقانون يجعله مختلفاً عن غير المعقول، و هذا ما يتجلّى في علاقةٍ مفردةٍ ما مع المفردات الأخرى ضمن السّياق، فكلمة ( السّماء ) لا تشكّل انزياحاً إلا إذا أُسند إليها فعلٌ لم يعتدْ أن يُسندَ إليها مثل ( بكت ) ليتشكّل انزياحٌ يُسمّى في البلاغة استعارةً ،فعلاقة( السّماء) مع (بكت) يمكن دراستُها ضمن مجال الدّرس الأسلوبي، فوظيفتُه أي ( علم الأسلوب ) تبيانُ الوظيفة التأثيرية و الجمالية و الدّلالية لهذا الانزياح.
خاتمة:
من خلال هذه المعايير النقدية والإجرائية التي تعتمدها الأسلوبية في تحليل النصوص الأدبية؛ تبرهن الأسلوبية بأنها وفية لاسمها لكونها اقتصرت على دراسة الأسلوب وطريقة تحققه وكيفية انجازه.
إنها نقلت النقد الأدبي إلى مكانه الصحيح بتخليصه من الأبحاث الخارجية كالنفسية والاجتماعية، إنّ تلك النقلة الواثقة للبحث عن طرائق التأليف الخاصة لكل مبدع مع مزج البحث الأسلوبي ومرتكزات الأسلوب ومبادئه العامة من ظروف وأحوال نفسية وتاريخية واجتماعية؛ بالبحث الجمالي والفني يدخل النقد الأسلوبي إلى مجال أن النص النقدي هو نص موازي لنص المبدع لا يقل إبداعا عليه
لو جئنا إلى تحليل عميق للنقد الأسلوبي نجده وبوضح يهتم بالتوظيف الفني، انّه يرتكز على قواعد ومسائل علم اللغة العام والألسنية والتخاطب، يرى ذلك التوظيف من جهة الأسلوب الخارق للقاعدة، مع توظيف راقي للمعهود والمعروف،
تعتمد الأسلوبية على التوظيف الفني الذي هو احد عوامل الإبهار كما أن المدقق يجد أن الأسلوبية في واقعها تتبع حر لمظاهر الإبداع الأسلوبية...