الحصة10: تطبيقات النقد البنيوي التكويني في النقد العربي الشعر
الخطوط العريضة للقسم
-
تحليل نموذج:
تحليل قصيدة صوت صفير البلبلي مقاربة نقدية في البنيوية التكوينية
الديوان » العصر العباسي » الأصمعي » صوت صفير البلبل
صَوْتُ صَفيرِ البُلْبُلِ
هَيَّجَ قَلْبِيَ الثَمِلِ
المَاءُ وَالزَّهْرُ مَعَاً
مَعَ زَهرِ لَحْظِ المُقَلِ
وَأَنْتَ يَاسَيِّدَ لِي
وَسَيِّدِي وَمَوْلَى لِي
فَكَمْ فَكَمْ تَيَّمَنِي
غُزَيِّلٌ عَقَيْقَلي
قَطَّفْتُ مِنْ وَجْنَتِهِ
مِنْ لَثْمِ وَرْدِ الخَجَلِ
فَقَالَ بَسْ بَسْبَسْتَنِي
فَلَمْ يَجُد بالقُبَلِ
فَقَالَ لاَ لاَ لاَ ثم لاَ لاَ لاَ
وَقَدْ غَدَا مُهَرْوِلِ
وَالخُودُ مَالَتْ طَرَبَاً
مِنْ فِعْلِ هَذَا الرَّجُلِ
فَوَلْوَلَتْ وَوَلْوَلَتُ
وَلي وَلي يَاوَيْلَ لِي
فَقُلْتُ لا تُوَلْوِلِي
وَبَيِّنِي اللُؤْلُؤَ لَي
لَمَّا رَأَتْهُ أَشْمَطَا
يُرِيدُ غَيْرَ القُبَلِ
وَبَعْدَهُ لاَيَكْتَفِي
إلاَّ بِطِيْبِ الوَصْلَ لِي
قَالَتْ لَهُ حِيْنَ كَذَا
انْهَضْ وَجِدْ بِالنَّقَلِ
وَفِتْيَةٍ سَقَوْنَنِي
قَهْوَةً كَالعَسَلَ لِي
شَمَمْتُهَا بِأَنْفِي
أَزْكَى مِنَ القَرَنْفُلِ
فِي وَسْطِ بُسْتَانٍ حُلِي
بالزَّهْرِ وَالسُرُورُ لِي
وَالعُودُ دَنْ دَنْدَنَ لِي
وَالطَّبْلُ طَبْ طَبَّلَ لِي
طَب طَبِ طَب طَبِ
طَب طَب طَبَ لي
وَالسَّقْفُ قَدْ سَقْسَقَ لِي
وَالرَّقْصُ قَدْ طَبْطَبَ لِي
شَوَى شَوَى وَشَاهِشُ
عَلَى وَرَقْ سَفَرجَلِ
وَغَرَّدَ القَمْرُ يَصِيحُ
مِنْ مَلَلٍ فِي مَلَلِ
فَلَوْ تَرَانِي رَاكِباً
عَلَى حِمَارٍ أَهْزَلِ
يَمْشِي عَلَى ثَلاثَةٍ
كَمَشْيَةِ العَرَنْجِلِ
وَالنَّاسُ تَرْجِمْ جَمَلِي
فِي السُوقِ بالقُلْقُلَلِ
وَالكُلُّ كَعْكَعْ كَعِكَعْ
خَلْفِي وَمِنْ حُوَيْلَلِي
لكِنْ مَشَيتُ هَارِبا
مِنْ خَشْيَةِ العَقَنْقِلِي
إِلَى لِقَاءِ مَلِكٍ
مُعَظَّمٍ مُبَجَّلِ
يَأْمُرُلِي بِخِلْعَةٍ
حَمْرَاءُ كَالدَّمْ دَمَلِي
أَجُرُّ فِيهَا مَاشِياً
مُبَغْدِدَاً للذيَّلِ
أَنَا الأَدِيْبُ الأَلْمَعِي
مِنْ حَيِّ أَرْضِ المُوْصِلِ
نَظَمْتُ قِطَعاً زُخْرِفَتْ
يَعْجَزُ عَنْهَا الأَدْبُ لِي
أَقُولُ فِي مَطْلَعِهَا
صَوْتُ صَفيرِ البُلْبُلِ
نبذة عن القصيدة
قصائد عامه
عموديه
بحر مجزوء الرجز
قافية اللام (ل)
عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي (121 هـ – 216 هـ / 740 – 831 م)، يُعد من أبرز رواة العرب وأئمة اللغة والشعر ...
1/ التحليل البنيوي للقصيدة (البنية الداخلية):
أولا: المستوى الصوتي: هذه القصيدة نظمت على بحر الرجز وهذا البحر يستعمل كثيراً في الارتجال، الأشعار التعليمية، أو الأشعار ذات الطابع الحركي أو السريع: ستفعلن مستعلن مستفعلن
صوت صفير البلبل
صوت صفير لبلبلي
مستعلن مستفعلن
هذا البحر سريع الإيقاع، يسمح بالتكرار و يناسب القصيدة القائمة على السرعة و اللعب بالأصوات و الإرباك الإيقاعي
الجناس:
صوت، صفير (جناس ناقص، جناس مشترك في المعنى)
دندن، دنا: جناس ناقص في الحروف وهذا ما يخلق جرسا موسيقيا تطرب له الأذن
التكرار: طبطب طب، سق سق، دندن دنا لي، شوى شوى، البلبل.... التكرار يسرع الإيقاع، و إرباك الحفظ، و لخدمة وظيفة (استعراض المهارة)
ثانيا: المستوى التركيبي
1 كثرة الجمل الفعلية: هيج قلبي، قطفته من وجنة، فقالت لا لا لا لا، شممتها بأنفي، دندن دنا لي، سق سق لي.... وهذا ما يضفي على القصيدة دينامية و سرعة
2 الأساليب الإنشائية:«سق سق سق لي» أسلوب إنشائي طلبي بصيغة الأمر
3 الصور البيانية:
الاستعارة المكنية (هيج قلبي الثمل) أي شبه القلب بالإنسان الثمل (السكران) و حذف المشبه به الإنسان و ترك لازمة دالة عليه (هيج) على سبيل الاستعارة المكنية و هذا دليل على تشخيص المعنى أي تصوير شدة التأثر و الانفعال
تشبيه ضمني في قول اشاعر لحظ المقل هنا شبه العيون بالزهر
«حمراء كالدم دملي»: المشبه الشﻲء الموصوف بالحمرة، المشبه به: الدم، أداة التشبيه: الكاف وجه الشبه: شدة الحمرة هذا التشبيه يدل على المبالغة في وصف الحمرة
ثالثا: المستوى الدلالي:
سأعرض لك الحقول الدلالية في قصيدة «صوت صفير البلبل» المنسوبة إلى الأصمعي في مخطط بنيوي دلالي كما يُقدَّم عادة في التحليل الجامعي.
الشبكة الدلالية في القصيدة
Copier le code
رؤية العالم في القصيدة
│
┌────────────────────┼────────────────────┐
│ │ │
حقل الطبيعة حقل الحب والغزل حقل الجمال
│ │ │
البلبل – الزهر قلبي – الثمل اللؤلؤ – الورد
الماء – القرنفل تيمني – لثم العقيق – وجنة
الغزيل لحظ المقل
│ │ │
└──────────────┬─────┴──────────────┬─────┘
│ │
حقل الصوت والموسيقى حقل السلطة والمكانة
│ │
صفير – دندن – طبطب سيد – مولاي
صوت – دندنة ملك – خلعة
تفسير الشبكة الدلالية
1️⃣ حقل الطبيعة
يشمل عناصر البيئة الطبيعية مثل:
البلبل
الزهر
الماء
القرنفل
الغزال
الدلالة: الطبيعة تمثل مصدر الجمال والإلهام للشاعر.
2️⃣ حقل الحب والغزل
يتعلق بالمشاعر والعاطفة مثل:
القلب
الثمل
التيم
اللثم
الدلالة: الحب هو المحرك الأساسي لتجربة الشاعر.
3️⃣ حقل الجمال
يتجسد في الألفاظ التي تصف الجمال الحسي:
اللؤلؤ
الورد
العقيق
الوجنة
لحظ المقل
الدلالة: إبراز جمال الحبيبة باستخدام رموز الطبيعة والجواهر.
4️⃣ حقل الصوت والموسيقى
يتجلى في الكلمات التي تحاكي الأصوات:
صفير
دندن
طبطب
صوت
الدلالة: يخلق إيقاعًا موسيقيًا يعزز الجانب السمعي في القصيدة.
5️⃣ حقل السلطة والمكانة الاجتماعية
يتضمن ألفاظ الهيبة والسلطة:
سيد
مولاي
ملك
خلعة
الدلالة: يعكس وعي الشاعر بالبنية الاجتماعية والسلطة في عصره.
علاقات الترادف: سيد، سيدي، مولى لي كلها تعبر عن الاحترام و الهيبة
الزهر، أزكى كلها تعبر عن الجمال و العطر الطيب و هذا تأكيدا للجمال الحسي
علاقات التضاد: فقالت لا لا لا لا و قد غدا مهرول هنا يظهر صراع المشاعر
الخجل و الامتناع #الرغبة و الحركة السريعة
لكن مشيت هاربا من خشية العقنقل أي يبرز الخوف مقابل الجلالة و الهيبة أي هناك توازن بين الحذر و الموقف الكبير
فالتضاد يولد معنا مزدوجا، مشاعر متناقضة في نفس الوقت مم يزيد ثراء النص الدلالي
علاقات التحول:
قطفته من وجنة من لثم ورد الخجل
نوع التحول: تصوير الملموس (رمزي)، أي تحويل الفعل البشري إلى رمزية للطبيعة و الجمال
أنا الأديب الألمعي من حي أرض الموصل
أي الذات تتحول إلى رمز للعلم، و المكانة و الافتخار
بعد عرضي لهذا التحليل البنيوي للقصيدة تمكنت من استخراج البنية العميقة (رؤية العالم)
العالم في القصيدة يحكمه الحب و العاطفة، فالشاعر يربط بين الطبيعة (البلبل، الزهور) و بين المشاعر الداخلية و الحب يظهر كقوة مؤثرة على النفس و القلب و الحواس و القصيدة تبرز هذا التأثير في كل مشهد، كما أن القصيدة لا تقتصر على الحب و الوجدان فقط، بل تظهر وعي الفرد بموقعه الاجتماعي (الخوف من وليه، الخجل أمام الحبيبة، حضور الملك، اللباس الملكي) فالشاعر يعكس وعي جماعة اجتماعية فيها قواعد سلوكية: التقدير للمقام، الخجل، التماهي مع الرموز الاجتماعية كما جسد الشاعر هذا الواقع الشعوري الثقافي في بنية لغوية مزخرفة بالألفاظ الغريبة، التشبيهات، و الايقاعات الموسيقية ليقدم تجربة شعرية متكاملة تنقل رؤية الشاعر و عالمه الخيالي و الاجتماعي، كما يعكس النص أن اللغة وسيلة للتكسب و باستعمال الذكاء و الحيلة يمكن أن يتغلب على السلطة، فالعالم في هاته القصيدة هو عالم المهارة و المنافسة في البلاط، فالقصيدة مبنية على التنافس اللغوي
يمكن استخلاصها:
الحيلة (التحايل على شرط الخليفة الذي كان يحفظ القصائد).
إظهار الذكاء والدهاء.
التفوق اللغوي وإبراز القدرة على استعمال الألفاظ الغريبة.
التجريب اللغوي في الشعر.
السخرية الضمنية من النظام الأدبي في البلاط.
إثبات القدرة الشعرية أمام السلطة.
2/ البنية الخارجية:
التعريف بالشاعر الأصمعي: هو عبد الملك ابن قريب ابن علي ابن أصمع الباهلي، راوية العرب و أحد أئمة العلم باللغة و الشعر و البلدان ولد في البصرة، كان كثير الطواف في البوادي يقتبس علومها و يتلقى أخبارها، و يتحف بها الخلفاء، فيكافؤ عليها بالعطايا الوافرة، حيث كان هارون الرشيد يسميه «شيطان الشعر»، حيث يعرف شعره بالأصمعيات من مؤلفاته: كتاب خلق الإنسان / كتاب الأجناس / كتاب أصول الكلام /كتاب معاني الشعر.
القصيدة تستهل بمقدمة غزلية تقليدية،(البلبل، الزهر، المقل)
أحداث القصيدة (متسلسلة حسب تجربة الشاعر مع حبيبته، تجمع بين العاطفة، الغزل، الخجل، الفرح، الافتخار و الموسيقى.
زمن القصيدة: كتبت القصيدة في العصر العباسي (العصر الذهبي)
مناسبة القصيدة: وفق الرواية المشهورة هي قصة تقوم بالتحدي مع الخليفة فيروى أن الخليفة العباسي «أبو جعفر المنصور» كان يشترط على الشعراء إذا أنشد أحدهم قصيدة جديدة فاستطاع الخليفة أن يحفظها أول مرة فلا يعطيه جائزة، و كان يدعي أنه قوي الحفظ؛ بل إن لديه غلاما و جارية يحفظان القصيدة بسرعة أيضا، فيسقط حق الشاعر في المكافأة، فقام الأصمعي بتأليف قصيدة مليئة بالألفاظ الغريبة (الدخيلة، و المولدة، و المعربة) و هذا ما كان سائدا في العصر العباسي باحتكاك العرب بالأعاجم، و كثرة التكرار، و سرعة الإيقاع حتى يصعب حفظها من السماع الأول، فلما أنشدها في مجلس الخليفة عجز الخليفة و غلامه و جاريته عن حفظها، فاضطر إلى دفع المكافأة كاملة.
إذن وظف الأصمعي استراتيجية رهيبة بتحايله على الخليفة و إفحامه بقصيدة معقدة يصعب حفظها، لنيل الجائزة، فالأصمعي اتبع إيديولوجيا الإبداع الماكر أي أن الأصمعي جمع بين الذكاء و الدهاء اللغوي و الفني ليبتكر نصا معقدا في مواجهة القيود الاجتماعية و السياسية مع المحافظة على احترام النظام و القيم الاجتماعية