المحاضرة السابعة علاقة اللفظ بالمعنى - الترادف ، أسبابه ، اختلاف الدراسين حول وجوده
الخطوط العريضة للقسم
-
أ ـ الترادف في اللغة :
قال تعالى: ﴿(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ))، قال الفراء: ((فأما مردفين : فمتتابعين))، و((الرِّدْفُ: ما تَبِعَ شيئاً فهو رِدْفُه، وإذا تتابع شيءٌ خَلْفَ شيءٍ فهو التَّرادُف، والجميعُ: الرُّدافَى))، و(( وقال الزجاج رَدِفْتُ الرَّجل إذا ركبت خلفه، وأَرْدَفْتُهُ أركبته خلفي ))، وقال ابن منظور: ((وترادف الشيء تبع بعضه بعضاً)).
ب ـ الترادف في الاصطلاح :
قال أبو حامد الغزالي (ت505هـ): الترادف يعني: ((الألفاظ المختلفة في الصيغة المتواردة على مسمى واحد كالخمر والعقار، والليث والأسد، والسهام والنِّشاب، وبالجملة كل اسمين عبَّرت بهما عن معنى واحد فهما مترادفان))، وعند الإمام فخر الدين الرازي (ت606هـ) يعني: ((الألفاظ المفردة الدالة على شيءٍ واحدٍ باعتبارٍ واحدٍ))، وعرَّفه الشريف الجرجاني (ت816هـ) بأنَّه ((عبارة عن الاتحاد في المفهوم، وقيل: هو توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيءٍ واحدٍ باعتبارٍ واحدٍ، ويُطلق على معنيين أحدهما: الاتحاد في الصدق، والثاني: الاتحاد في المفهوم ومَن نظرَ إلى الأول فرَّق بينهما، ومَن نظر إلى الثاني لم يُفرق بينهما))، وقال في موضعٍ آخر: ((المترادف ما كان معناه واحداً وأسماؤه كثيرة وهو ضد المشترك أخذاً من الترادف الذي هو ركوب أحد خلف آخر كأنَّ المعنى مركوب، واللفظين راكبان عليه كالليث والأسد)).
وعرفه الدكتور رمضان عبد التواب بأنه ((ألفاظٌ متحدة المعنى، وقابلة للتبادل فيما بينها في أي سياق))، وهو عند الدكتور حاكم الزيادي ((تلك الألفاظ المختلفة التي تدل على معنى واحد على سبيل الإنفراد))، وعرَّفه الدكتور ﮔاصد ياسر الزيدي بـ((أن يدل لفظان أو أكثر على معنى واحد ))، وعند الدكتور رشيد العبيـدي: ((هو الاتحاد في المفهوم أو الدلالة)).
وتشير الدراسات إلى أنَّ أول إشارة إلى هذه الظاهرة اللغوية نجدها عند سيبويه (ت180هـ) في كتابه، إذ قال: ((اعلم أنَّ من كلامهم اختلافَ اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلافَ اللفظيين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين... فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلسَ وذهبَ. واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو: ذهبَ وانطلقَ)) .
أسباب وقوع الترادف :
اختلف العلماء في أسباب الترادف في اللغة العربية، فقد عزا قطرب (ت206هـ) ذلك إلى التوسع بالكلام فهو القائل: ((إنَّما أوقعت العرب اللفظين على المعنى الواحد ليدلّوا على اتساعهم في الكلام، كما زاحفوا في أجزاء الشعر، ليدلّوا على أن الكلام واسعٌ عندهم، وأن مذاهبه لا تضيق عليهم عند الخطاب والإطالة والإطناب))، وعزا الدكتور علي عبد الواحد وافي ذلك إلى جامعي المعجمات العربية، وذكر(سبعة) أسبابٍ عدَّها من أهم أسباب وقوع الترادف في اللغة العربية، هي: أنَّ جامعي المعجمات العربية لم يأخذوا عن قريش وحدها بل أخذوا عن قبائل أخرى، ودونوا في معجماتهم الكلمات المهجورة في الاستعـمال، وخلطوا بين الألفاظ الحقيقية والألفاظ المجازية، وخلطوا بين الأسماء والصفات، وجعلوا الألفاظ المتقاربة في المعنى من الألفاظ المترادفة، وأضافوا إلى العربية ألفاظاً من أخواتها الساميات، أما السبب السابع فهو احتكاك لغة قريش باللغات الأخرى.
ب ـ شروط قبول الترادف :
أول مَن وضع شروطاً لقبول الترادف في اللغة العربية هو فخر الدين الرازي إذ قال في حدِّ الترادف: ((هو الألفاظ المفردةُ الدالة على شيء واحد باعتبارٍ واحد)) قال: ((واحترزنا بالإفراد عن الاسم والحدِّ فليسا مُترادفين، وبوَحْدة الاعتبار عن المتباينين كالسيف والصارم، فإنهما دَلاَّ على شيءٍ واحد لكنْ باعتبارين: أحدُهما على الذَّات والآخر على الصّفة، والفرقُ بينه وبين التوكيد أنَّ أحد المترادفين يُفيدُ ما أفاده الآخر كالإنسان والبشر، وفي التوكيد يُفيد الثاني تقويةَ الأوّل، والفرقُ بينه وبين التابع أن التابع وحدَه لا يفيد شيئاً كقولنا: عَطْشان نطْشان)). وزاد الدكتور رشيد العبيدي على هذه الشروط شرطاً آخر هو ألا تكون ألفاظاً دخيلة ومعربة.
واشترط المحدثون لوقوع الترادف في اللغة (أربعة) شروط هي :
1. الاتفاق في المعنى بين الكلمتين اتفاقاً تاماً .
2. الاتحاد في البيئة اللغوية .
3. الاتحاد في العصر .
4. ألا يكون أحد اللفظين نتيجة تطور صوتي للفظ الآخر.
وهذا يعني أنَّ الترادف لا يقع في الألفاظ المتقاربة في المعنى، ولا في الألفاظ المعربة والدخيلة، ولا بين الأسماء والصفات، ولا في الألفاظ المأخوذة من اللغات السامية الأخرى؛ لعدم اتفاقها في العصر. أما اختلاف اللهجات فقد قال الدكتور إبراهيم أنيس فيه: (( فإذا طبقت هذه الشروط على اللغة العربية، اتضح لنا أنَّ الترادف لا يكاد يوجد في اللهجات العربية القديمة، وإنَّما يمكن أن يلتمس في اللغة النموذجية الأدبية))، وقصد باللغة النموذجية الأدبية لغة القرآن.
· عوامل نشأة الترادف :
1/ التطور الدلالي :
حصل لكثير من المفردات ذات المعاني المتقاربة تطور دلالي في مرحلة تاريخية معينة أدى الى تغيير معناها ، مثال ذلك لفظة عقيرة ، فمعناها في الأصل الساق المقطوعة ، ثم قالوا رفع عقيرته أي صوته ، وسبب ذلك أن رجلا عقرت رجله فرفعها وصاح ، فقيل بعد ذلك لكل من رفع صوته رفع عقيرته .
2/ التطور الصوتي :
قد تتطور بعض أصوات الكلمة الواحدة على ألسنة الناس ، فتنشأ كلمة جديدة ، عندها تعد الكلمتان من الترادف ، مثل سقر وصقر وزقر ، ودعس ودعز وغيرهما .
3/ اختلاف اللهجات :
دفع هذا الاختلاف العرب الى اطلاق أسماء متعددة على الشيء الواحد ، فكل قبيلة تطلق على الشيء اسما مغايرا للاسم الذي أطلقته قبيلة أخرى على الشيء نفسه ، وبعد نشوء اللغة المشتركة تمسكت بعدد من تلك الأسماء مثل حلف وأقسم وبعث وأرسل ، وفي واقعنا اللهجي اليوم أمثلة كثيرة ، من ذلك البطيخ في مصر والرقي في العراق والدلاح في ليبيا والحبحب في السعودية .
4/ الصفات :
وضع العرب صفات مختلفة لكثير من الأسماء ، عدها الرواة من قبيل الأسماء ، ثم شاع استعمالها ونسي ما فيها من وصف ، فاختلطت الأسماء بالصفات ، مثال ذلك أسماء السيف المختلفة هي في الأصل صفات له نحو الصارم والباتر والقاضب والصقيل وغير ذلك .
5/ الاستعارة من اللغات الأعجمية :
جاورت العرب عبر التاريخ أقوام أعجمية ،لهم لغاتهم كالفارسية والحبشية واليونانية وغيرها ، فاستعار العرب منهم بعض الكلمات ، مثل الاستبرق والباذق والبخت واليم والدست
ظاهرة الترادف واختلاف الدراسين حول وجوده بين الإثبات والنفي:
يرى أغلب الباحثين المحدثين أنَّ الترادف ظاهرة لغوية موجودة في العربية، ومن ينعم النظر في الدراسات اللغوية الحديثة التي تناولت موضوع الترادف يجد أصحابها يُقَسِّمون العلماء بيـن منكرٍ لهذه الظاهرة اللغوية، ومُبالغٍ فيها، ويجعلون قسماً ثالثاً معتدلاً بين القسمين، وبعضهم يُصرِّح بذلك، وبعضهم يُشير إليه ضمناً.
الفريق الأول : ذهب سيبويه، وتلميذه قطرب، والأصمعي، والقاسم بن سلام (ت 224هـ)، وابن السكيت (ت 244هـ)، وغيرهم من اللغويين إلى جواز وقوع الترادف في اللغة ومن المعاصرين الذين قالوا بجواز وقوعه في اللغة علي الجارم وتابعه تلميذه الدكتور إبراهيم أنيس والدكتور صبحي الصالح.
والفريق الثاني : أنكر وقوع الترادف في اللغة ابن الأعرابي، وتابعه تلميذه ثعلب(ت291هـ)، وابن فارس(ت395هـ)، وأبو علي الفارسي (ت377هـ)، وعدَّ ابن درستويه (ت347هـ) الترادف بأنَّه لغات، وتابعهم من المحدثين الأب هنري كولا منس اليسوعي، والأستاذ حفني ناصف، والدكتورة بنت الشاطئ، والدكتور أحمد مختار عمر، فالترادف عنده غير موجود على الإطلاق.
أما القسم الثالث فيمثله فخر الدين الرازي، قال الدكتور ﮔاصد ياسر الزيدي: ((وقد كان فخر الدين الرازي يحدد الترادف، دون أن ينكره جملة ... وهذا الذي ذهب إليه الرازي هو أقرب في ما يبدو إلى واقع اللغة وقصد المتكلم، ممَّا يذهب إليه كثير من القدامى من الرفض المطلق أو القبول المطلق)).
· أمثلة على الترادف
العسل له ثمانون اسما ، منها : الضرب والذوب والشوب والورس والنسيل والشهد والماذي والسنوت ولعاب النحل والرضاب والسلوى والسليق والسلاف .
· مؤلفات في الترادف :
1/ ما اختلفت ألفاظه واتفقت معانيه للأصمعي (ت 216هـ)
2/ الألفاظ لابن السكيت ( ت 244هـ )
3/ جواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر ( ت 337هـ)