Résumé de section

  • اللغة العربية واللغات السامية:

    عاشت في أقصى الغرب الآسيوي مجموعة من الأقوام تتقارب لغاتهم , وقامت لهم حضارات متعاصرة أو متعاقبة أطلق عليهم اسم الساميين ,كما أطلق على مجموعة اللغات التي نطقت بها تلك الشعوب اسم اللغات السامية وتضم مجموعة من اللغات هي :اللغة البابلية والآشورية والعربية والعبرية والآرامية والفينيقية والحبشية , " وبعضها حي لا يزال يتكلم به ملايين البشر , ويحمل كنوزاً غنية من الثقافة والأدب , وبعضها ميت عفت أثاره بذهاب الأيام” .

    وأول من أطلق هذه التسمية "اللغات السامية" هو العالم الألماني شلوتزر في أبحاثه وتحقيقاته في تاريخ الأمم سنة 1781م . وقد استخلص هذه التسمية من الجدول الخاص بأنساب نوح عليه السلام الوارد في التوراة : ( وهذه مواليد بني نوح سام وحام ويافت .... بنو سام : عيلام وآشور وارفكشاد ولور وآرام ...)

    يلاحظ أن ما جاء في التوراة من أنساب ليس دقيقاً , فقد اعتمدت التوراة في تقسيم الشعوب على الروابط الجغرافية والسياسية والثقافية أكثر من اعتمادها على روابط الدم وأواصر القربى والروابط الشعبية , يؤكد هذا أن نص التوراة السابق قد اعتبر كلاً من الليديين Lydiens والعيلاميينElym'eens من الساميين وذلك لخضوعهم لسلطان الآشوريين وامتزاجهم بهم .

    والحقيقة أن لا صلة بين هذين الشعبين والشعوب السامية فهما أجنبيان عن الساميين وأجنبيان أحدهما عن الآخر , فالعلاميون ينسبون إلى الجنس الإيراني , ولم تذكر المصادر أي شيء عن أصل الليدين ز كما اعتبر نص التوراة السابق " الفينقيين من الشعوب الحامية , لتعدد الصلات السياسية والثقافية التي كانت تربطهم بالشعوب الحامية المصرية والبربرية , ولما كان بينهم وبين العبريين من عداء وحروب , ولإختلافهم عنهم في النظم الإجتماعية وشؤون السياسة والدين , مع أنهم من أخلص الساميين نسباً وأقربهم رحماً إلى العبريين أنفسهم" .

    ومهما يكن من أمر فإن نص التوراة السابق يوحي بعدم الدقة والصحة "وقد تسرب إلى نفوس الباحثين شيء من الشك في صحة ما جاء فيه” .

    ومع كل هذا فقد أطلق الباحثون على لغات هذه الأقوام اسم "اللغات السامية" ,معتمدين في ذلك على ما تم كشفه من النقوش التي تظهر كثيراً من صلات القربى والترابط بين هذه اللغات , مما أنشأ بينهما كثيراً من الخصائص والمميزات .

     

    الخصائص المشتركة بين اللغات السامية :-

    1- تعتمد في الكتابة على الحروف الساكنة Consonants أكثر من اعتمادها على الحروف المتحركة Vowels.

    2- ترجع معظم كلماتها إلى أصل ذي ثلاثة أحروف.

    3- تتشابه في تكوين الاسم من حيث عدده ونوعه.

    4- تتشابه في تكوين الفعل من حيث زمنه وتجرده وزيادته وصحته وعلته.

    5- تتشابه في الضمائر وطريقة اتصالها بالأسماء والأفعال والحروف , وفي صوغ الجمل وتركيبها , وفي المشتقات لاسمي الفاعل والمفعول واسمي الزمان والمكان .

    6- تكاد تخلو من الأسماء المركبة تركيباً مزجياً إلاّ في ألفاظ العدد نحو :خمسة عشر ,بخلاف اللغة الآرية.

    7- تختص بمجموعة أصوات الحلق :الحاء والعين,والغين والخاء ,والهاء والهمزة, وهذه المجموعة موجودة بشكلها الكامل في العربية.

    8- توجد فيها مجموعة أصوات مطبقة وهي : الصاد والضاد ,والطاء و الظاء.

    9- تحقق الاشتقاق إما بتغيير حركة ,وإما بالزيادة في أحرف الكلمة , وإما بإنقاصها من غير أن تلتزم موضعاً واحداً في هذا التغيير , بخلاف الآرية التي يتحقق فيها الاشتقاق بزيادة أدوات تدل على معنى خاص في أول الكلمة غالباً.

    10- تتشابه في كثير من المفردات الأساسية المشتركة وعلى الأخص المفردات الدالة على أعضاء الجسم , وصلة القرابة والعدد وبعض الأفعال وبعض الحروف ومرافق الحياة التي كانت منتشرة في الشعب السامي الأم .

     

    أوجه الخلاف بين اللغات السامية :

    ومع هذا التشابه والتقارب بين هذه المجموعة من اللغات , يوجد بينها اختلافات كثيرة تميز كل لغة عن غيرها , وأهم هذه الخلافات ما يلي :

    1- الاختلاف في أداة التعريف : فهي في العربية " ال" في أول الاسم , وفي العبرية وبعض اللهجات العربية البائدة حرف "ه" في أول الاسم , وفي السبئية حرف "ن" في آخر الكلمة , وفي الآرامية حرف "آ"في نهاية الكلمة , ولا يوجد في الآشورية البابلية ولا الحبشية أداة للتعريف مطلقاً.

    2- الاختلاف في علامة الجمع : فهي في العبرية حرفا "يم" للمذكر و"واو وتاء" للمؤنث , وفي الآرامية حرفا "ين" , وفي العربية يستعمل للدلالة على جمع المذكر السالم "واو و نون ",أو "ياء و نون" في آخر الكلمة ,و" ألف و تاء " في آخر الكلمة للدلالة على جمع المؤنث السالم.

    3- الاختلاف في الأصوات العربية "ذ غ ظ ض" لا أثر لها في العبرية , والصوتان العبريان "ب ا" و" ﭫ v" لا وجود لهما في العربية ولا وجود للأصوات " ع ق س" في البابلية , وأغلب ما يأتي في العبرية بالسين يأتي في العربية والحبشية بالشين والعكس بالعكس .

    وبعد هذه الإشارة السريعة إلى هؤلاء الأقوام الذين عاشوا منذ القدم في أجزاء مختلفة من قارتي أسيا وأفريقيا وقامت لهم حضارات متعاصرة أو متعاقبة وأطلق عليهم اسم "الساميون" وعلى لغاتهم اسم "اللغات السامية" , وبالاعتماد على نص من سفر التكوين , وظهر ما يعرف باسم النظرية السامية.

    فالسامية تسمية حديثة عهد أول من استخدمها العالم الألماني شلوتزر في أواخر القرن الثامن عشر , فهي تسمية حديثة شاعت وأصبحت علماً على هذه المجموعة من الشعوب عند عدد كبير من العلماء في الغرب ومن سايرهم من العرب "على الرغم أن هذه التسمية لا تستند إلى واقع تاريخي , أو إلى أسس علمية عنصرية صحيحة أو وجهة نظر لغوية ”.

    إن هذا التصنيف للبشر الذي ورد في التوراة ليس إلا من باب الترهات التي دونها الحاخامات ورجال الدين اليهودي , فهو لا يتند إلى أية حقيقة علمية كما أنه لا يقوم على أية اعتبارات لغوية أو عرقية أو جغرافية , إن شلوتزر الذي اقترح هذه التسمية كان يهدف من ورائها تحقيق أهداف سياسية تخدم مصالح الدول الأوربية الاستعمارية , ويقول الدكتور نعيم فرح : "وقد اكتسبت هذه النظرية مفهوما سياسيا , حيث اهتم بها بعض المستشرقين الأوروبيين لتحقيق خدمات حكوماتهم في استعمارها أقطار الوطن العربي , وكان معظم هؤلاء المستشرقين من رجال اللاهوت أو من اليهود التوراتيين , كما كان بعضهم من الجواسيس والسفراء و رجال الاستخبارات وما شابه ذلك

    كما تخدم الصهيونية العالمية التي نشطت في تلك الفترة من أجل إقناع يهود العالم بالهجرة إلى فلسطين لإقامة وطن قومي لهم , "وقد أصبحت فلسطين مركزاً يهودياً روحانياً مهماً منذ القرن السادس عشر , أي إبان الفترة التي عاشت فيها سائر الطوائف بالشرق في حالة لا مثيل لها من التردي والركود الفكري ” .

    إن الزعم بوجود جنس سام زعم باطل ووهم لا صحة له , إنه من قبيل الدعاية السياسية التي تهدف إلى تحقيق أطماع استعمارية , والعمل على تحطيم الجذور التاريخية للأصول العربية وهدم وحدتها , من أجل قطع حاضر هذه الأمة عن ماضيها لتبقى عاجزة عن إدراك ذاتها ومعرفة طاقاتها , إنه زعم من باب الأساطير التي تحدثنا عن أقوام وشعوب ليس لهم وجود في الواقع , كما أنه بعيد عن الموضوعية وليست له أية صفة علمية , لذا فقد رفضه كثير من العلماء يقول سبيتنوموسكاني عند حديثه عن النظرية السامية :"هي نظرية تنتمي إلى ميدان الدعاية السياسية التي عفت آثارها الآن , أكثر مما تنتمي إلى العلم الجاد , وقد نبذها علماء الأجناس عن حق ”

    إن هذه الشعوب التي أطلق عليها خطأ اسم "الساميون" هي في الحقيقة الأمر قبائل عربية هاجرت بفعل العوامل الطبيعية من جزيرة العرب بحثا عن الماء والمكلأ ,ومنهم تفرعت الأقوام الأخرى , يؤكد هذا القول ما ذهب إليه "كثير من العلماء الباحثين في أصل الأجناس والسلالات إلى أن العرب هم الأصل للعرق السامي , ومن أورمتهم تفرعت الأقوام الأخرى وتشعبت قبائلها , ولهذا الفريق شواهد تاريخية و عرقية و لغوية يدعم بها حجته ويثبت آراءه ”

    إذا كنا قد تجرأنا بفرضنا السابق من أن العرب هم الأصل للعرق السامي – إن وجد عرق سام – وأن اللغة العربية هي أصل اللغات السامية , فهل يمكننا أن نتقدم خطوة إلى الأمام في محاولة لإثبات هذا الافتراض ؟.

    إن الحديث في هذا المجال شاق ومعقد , لأن جل قضاياه غائمة يلفها الغموض كما أنها متشابكة جدا لا تكاد حدودها تتضح , ولعل السبب في ذلك أن هذا الموضوع بني منذ بدايته على افتراض توراتي لا يقوم على دليل علمي و لا أساس له من الصحة . إن كثرة الآراء وتزاحمها وكثرة التخمينات والتخريصات والاجتهادات في هذا المجال جعلت منه أمرا يصعب اكتشاف كنهه وإدراك غوره , مما جعل من العسير علينا أن نقول فيه بقول أو نجزم فيه بأي قاطع . ولكن بعد طول مراجعة وكثرة إطلاع على كتب التاريخ وكتب تاريخ اللغات واللهجات إلى جانب الكتب التي تبحث في الحضارات القديمة , تجمع لدينا عدد من الآراء والأقوال لعدد كبير من العلماء العرب وغير العرب , وبعد دراسة هذه الآراء وتلك الأقوال وتمحيصها والمقارنة بينها أمكن الاعتماد عليها أو الاستئناس بها من أجل تدعيم فرضنا السابق.

     

    وطن الساميين الأصلي :

    اختلف الباحثون اختلافاً شديداً في تعيين الموطن الأصلي للساميين وتباينت آراؤهم في تحديد البقعة التي عاش فيها سام بن نوح وذريته , وحاول كل فريق أن يتلمس بعض الأمور التي يدعم بها زعمه , وأن يجد له سندا يعتمد عليه , فلجأ فريق منهم إلى الأساطير والمأثورات القصصية وما دار حول الطوفان وسفينة نوح والمكان الذي رست فيه , ولجأ بعضهم إلى الاعتماد على تشابه بعض الكلمات في لغات تلك القوام كألفاظ أسماء النباتات والحيوانات وأعضاء الإنسان , وبعض الظواهر الطبيعية , ولجأ فريق آخر إلى الاعتماد على خصب البقعة التي زعم أنها موطن سام فالأرض الخصبة لابد من أن تكون مكانا للعيش ومهدا للحضارة . ويمكن استخلاص خمسة آراء في تحديد هذا الموطن كلها لا يعتد بها في هذا الأمر ولا يعول عليها في تحديد موطن حقيقي للساميين , وهذه الآراء هي:

    - الرأي الأول :

    قال به كل من : إرنست رينان , وفرانسوا لنورمان , وفرينز هومل , وييترز , وأغناطيوس جويدي, ويذهب القول بأن موطن الساميين الأصلي هو شمال شرق جزيرة العرب , أي جنوب العراق , وذلك لوجود بعض الكلمات التي تتشابه في اللغات السامية المختلفة كأسماء النباتات والحيوانات وغيرها , هذا ما جعل جويدي يجزم بأن "سهول العراق لابد أن تكون الموطن الأصلي للساميين , ولاسيما إذا أضفنا إلى ذلك أن البابلية الأشورية توجد منها نصوص مكتوبة منذ الألف الرابع قبل الميلاد , وهي أقدم كتابة في تاريخ الساميين على الإطلاق ” .

    ويعلق الدكتور حسن ظاظا على هذا الزعم بقوله :" ولكن هذه النظرية أيضا مجروحة لسبب بسيط جدا , وهو أن أحد الملوك الساميين الأول في العراق وهو الملك سرجون الأول الأكادي " حوالي سنة2600 قبل الميلاد " كتب عن أصله في نقش مشهور ما يفهم منه صراحة أنه وعشيرته نزحوا إلى العراق من شرقي جزيرة العرب ”

    - الرأي الثاني :

    ويذهب إلى أن مرتفعات كردستان وأرمينيا هي موطن الساميين الأصلي , معتمدا على كثير من الأساطير التوراتية والمأثورات القصصية التي تدور كلها حول تحديد المكان الذي رست فيه سفينة نوح بعد الطوفان , وزعم أنه جبل آرارات بإرمينيا ,وهذا الفرض ليس صحيحا , إذ لو كانت سفينة نوح قد رست في هذه المنطقة لكانت هذه لمنطقة موطنا لجميع البشرية لا للساميين وحدهم.

     

    - الرأي الثالث :

    ويقول أن إفريقيا وبلاد الحبشة هي ذلك الموطن الأصلي للساميين , وكان المستشرق " تيودور نولدكه " أشهر من قال بهذا الرأي , معتمدا على بعض التشابه بين اللغات السامية والحامية التي يذهب بعض العلماء إلى اعتبارها لغة سكان إفريقيا الحاميين , ويمكن دحض هذا الرأي بالسؤال الآتي : لم اندثرت اللغات السامية من إفريقيا وبقيت الحامية ؟

     

    - الرأي الرابع :

    فيذهب إلى أن بلاد سوريا (أرض كنعان) هي الموطن الأصلي لهؤلاء الأقوام , وبه قال المستشرق الأمريكي " كلاي" , وهو افتراض تعوزه الدقة لأنه بني على بعض المقارنات بين الأساطير والمأثورات الشعبية , وحاول أن يستنتج رأيه هذا من تلك المقارنات , وهي دراسة لا يعتمد عليها لإثبات حقائق علمية , خاصة إذا كانت تلك الحقيقة تعيين وطن أصلي لأقوام عاشت في عصور سحيقة من القدم , ولا يستطيع أحد أن يعرف عنهم شيئا إلا بالاعتماد على الكشوف الأثرية والحفريات , وما يكتشف من نقوش تشير إلى بعض جوانب حياتهم أو تدل على بعض أخبارهم .

     

    - الرأي الخامس :

    ويذهب إلى القول بأن جنوب غرب جزيرة العرب ( اليمن ) هو الموطن الأصلي للساميين نظرا لخصب تلك المناطق ولوجود بعض الألفاظ المشتركة بين اللغتين السبئية والعبرية .

    هذه هي المناطق التي دار حولها التخمين بأن أحدهما لابد هو الموطن السامي الأول , وإذا نظرنا على تلك المواقع التي افترض العلماء أن موطن الساميين لا يخرج عن واحد منها وجدناها في معظمها تقع على تخوم جزيرة العرب و مشارفها سواء من شمالها الشرقي أو شمالها أو شمالها الغربي أو جنوبها الغربي أو غربها , وهذا يؤكد أن الساميين لابد قد خرجوا من جزيرة العرب طلبا للماء والكلأ , وقد دفعت بهجرات متتالية عمرت مناطق شاسعة من شرق البحر المتوسط ووادي النيل والساحل الغربي للبحر الأحمر حتى عدت هذه الجزيرة مصدراً هاماً للهجرات البشرية , فقد ذهب معظم المؤرخين إلى القول بأن مصادر الهجرة البشرية ثلاثة : أواسط آسيا بالنسبة لشرق آسيا , وأستراليا , وشمال أوروبا , والجزيرة العربية بالنسبة لحوض البحر المتوسط وإفريقيا ووادي النيل وجنوب إفريقيا , وأمريكا مصدر هجرتها غير محدد ومعروف .... فليس لنا بد من أن نتمثل ما يذكره العلماء من أن الجزيرة العربية كانت في حقبة من الحقب مصدرا يوزع على العالم الثروة البشرية ” .

    أما السبب في تلك الهجرات من داخل الجزيرة العربية إلى خارجها فيعود إلى ما أصابها من جفاف لأنهارها وتصحر لأراضيها مما أجبر سكانها على الهجرة , ويؤكد لنا جواد علي هذا الأمر بقوله :" وقد رأى بعض العلماء أن جزيرة العرب كانت في عصر البلايستوسين Pleistocene خصبة جدا كثيرة المياه تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة , وذات غابات كبيرة وأشجارها ضخمة كالأشجار التي نجدها في الزمان الحاضر في الهند وإفريقيا , وأن جوها كان خيرا من جو أوروبا في العصور الجليدية التي كانت تغطي الثلوج معظم تلك القارة , ثم أخذ الجو يتغير في العالم , فذابت الثلوج بالتدريج , وتغير جو بلاد العرب , بالطبع حدث هذا التغير في عصر النيوليتك Neolithic أو عصر الكالكوليتك Chalcolithic ولم يكن هذا التغير في مصلحة جزيرة العرب لأنه صار يقلل من الرطوبة ويزيد في الجفاف ويحول رطوبة التربة إلى يبوسة ,فيميت الزرع بالتدريج ويهيج سطح القشرة فيحولها رمالا وترابا , ثم صحاري لا تصلح لإنبات ولا لحياة الأحياء” .

    وما يجعلنا نجزم بأن الجزيرة العربية كانت ذات جو مطير وذات غابات وأشجار قول الرسول صلى الله عليه وسلم :"لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض وحتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها , وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا ” . فالرسول عليه الصلاة والسلام في قوله :" حتى تعود" يؤكد أن هذه الجزيرة كانت مروجا وأنهارا لكثرة الأمطار وطيب الجو , وأنها ستعود كما كانت مروجا وأنهارا . وهذا ما ذكره كثير من المؤرخين عن طبيعة جزيرة العرب وصفات أنهارها وخصائصها وأن مناخها قد تغير لتصير إلى الجفاف والتصحر .

    وهناك رأي آخر يذهب إلى أن الموطن الأصلي للساميين هو جزيرة العرب , وقد قال بهذا الرأي عدد كبير من العلماء والمستشرقين , يقول الدكتور حسن ظاظا :"هناك رأي أخير ذهب إليه من أوائل المستشرقين إيرهارد شرادر وأيده من بعد فنكلر , وتيله , والأب فنسان , والأثري الفرنسي جاك دي مورجان , والمستشرق الايطالي كايتاني , وهو يرى أن الموطن الأصلي للساميين كان شبه الجزيرة العربية ” . وهذا ما أكده إسرائيل ولفنسون بقوله :"والذي يمكننا أن نجزم به هو أن أكثر الحركات والهجرات عند أغلب الأمم السامية التي علمنا أخبارها وأسماءها كانت من نزوح جماعات سامية من أرض الجزيرة إلى البلدان المعمورة الدانية والقاصية في عصور مختلفة , فأقدم هجرة سامية اتجهت إلى بابل كانت من ناحية جزيرة العرب.... وكذلك هاجرت البطون الكنعانية والآرامية تاركة بلاد العرب , وكان لحوادثها أثر عظيم في حياة العالم القديم , ثم كانت الهجرة الإسرائيلية التي فتحت بلاد فلسطين بعد أن صدرت من الجزيرة العربية . وقد كان شبرنكر أول القائلين عام 1861م بأن أواسط شبه الجزيرة هي الموطن الأول للساميين ”

    ندرك مما سبق أن العلماء والمؤرخين يكادون يجمعون على أن جزيرة العرب هي الموطن الأصلي لتلك القبائل والشعوب التي هاجرت منها متأثرة بما أصابها من جفاف وتصحر أدى إلى تعسر الحياة فيها وأوجب الرحيل عنها طلبا للماء والمرعى , وقد أطلق على هذه القبائل " القبائل السامية " بناء على ذلك الافتراض الذي يزعم أنها من نسل سام بن نوح . ولكن لم كانت هذه البلاد وطنا لسام ؟ هل أن سفينة نوح قد رست فيها ؟ أم أن ساما وذريته قد وجدوا في مكان آخر ثم هاجروا إليها؟ وإن كانوا قد هاجروا إليها , فما سبب هجرتهم ؟ ومن أين أتوا ؟ ثم إن المكان الذي سكنوه قبل هجرتهم إلى جزيرة العرب أولى بأن يسمى موطنهم الأصلي . أسئلة كثيرة تجعلنا أمام حيرة واضطراب , لكن هذه الحيرة وهذا الاضطراب يمكن تبديدهما إذا قلنا أن هذه الشعوب والقبائل شعوب وقبائل عربية وجدت في جزيرة العرب منذ فجر التاريخ ,وعاشت في هذه البلاد وشيدت فيها حضارات علمنا بعض أخبارها مما توفر من نقوش تدل على ذلك . وبعد أن بدأ التصحر يلف هذه البلاد , تحركت تلك القبائل في هجرات متتالية خارج مناطق التصحر والجفاف باحثة عن أسباب الحياة والاستقرار التي ترتبط بالماء والكلأ .

    فكانت القبيلة أو المجموعة المهاجرة تبقى سائرة إلى أن تجد ضالتها فتحط عصا الترحال وتقيم في ذلك المكان , ولم تكن كل القبائل لتسير في نفس الطريق وتتجه نفس الاتجاه , فاستقر بعضها في الشمال الشرقي للجزيرة العربية في جنوب العراق وعلى سواحل الخليج العربي حيث مصب دجلة والفرات , واستقر البعض الآخر في بلاد سوريا حيث المياه والأنهار , واستقر البعض في اليمن , وهكذا مما جعل علماء الآثار يكتشفون نقوشا متشابهة اللغة في هذه المناطق مما أدى إلى تخبطهم واضطراب آرائهم في تحديد الموطن السامي الأصلي .

    وقد رأى عدد من المؤرخين والعلماء أن من الخير لنا وللحقيقة العلمية أن نطلق على هذه الشعوب التي نزحت من جزيرة العرب اسم الشعوب العربية , يقول الدكتور أحمد سوسة :"يرى بعض الاختصاصيين وجوب تسمية هذه الأقوام بالأقوام العربية لتشمل كل من سكن الجزيرة العربية وخرج منها , لأن العرب والساميين شيء واحد”

    وهذا ما أكده الدكتور جواد علي بقوله :" لقد قلت إن مصطلح الشعوب العربية هو أصدق اصطلاح يمكن إطلاقه على الشعوب , وإن الزمان قد حان لاستبدال مصطلح " عربي " و" عربية " ب" سامي " و" سامية " ”(1). ولم تقتصر وجهة النظر هذه على المؤرخين العرب , بل إن المؤرخ الفرنسي بيير روسيه يرى أن الساميين لم يوجدوا في الحقيقة , وأن وجودهم كان من وحي الخيال ومن الوهم , وأن الأقوام التي وجدت في الواقع وأنشات حضارات واسعة وفرضت الاستقرار على تلك المناطق التي وجدت فيها هم العرب , فيقول :" كل شيء يمكن أن يكون بسيطاً لو أننا بدل أن نتحدث عن الساميين – الأبطال الوهميين – نتحدث عن العرب , عن الشعب الذي وجد في الواقع , له كيان اجتماعي ثقافي ولغوي دائم , الشعب الذي منح الحياة والتوازن للبحر المتوسط منذ آلاف السنين”.

    إن ذلك الجفاف والتصحر الذي بدأ يزحف إلى جزيرة العرب منذ حقب طويلة من الزمن سبقت ميلاد المسيح بآلاف السنين لم يكن ليشمل أرض الجزيرة كلها في آن واحد , بل كان زحفا تدريجيا ذا تأثير محدود في جو تلك البلاد وفي طبيعة أراضيها , ولازمه زحف بشري في موجات متتالية إلى خارج تلك الجزيرة بحثا عن مقومات الحياة في تلك الأزمان ," ويرى كيتاني أن هذا التغير الذي طرأ على جو جزيرة العرب إنما ظهر قبل الميلاد بنحو خمسة آلاف سنة , وعندئذ صار سكان بلاد العرب وهم الساميون ينزحون عنها أفواجا للبحث عن مواطن أخرى يتوفر فيها الخصب والخير , وحياة أفضل من هذه الحياة التي أخذت تضيق أكثر منذ هذا الزمن”

    سكان بلاد العرب هم الساميون , كما قال كيتاني , لست أدري لم أطلق عليها اسم بلاد العرب إذا كانت موطناً للساميين !! ولماذا لم يطلق عليها بلاد الساميين ؟ علماً أن الموطن السامي الأول لا يزال مجهولا حتى الآن , ولم يستطع العلماء أن يتفقوا على رأي واحد فيه , كما أنه من المعروف إطلاق اسم الجماعة البشرية على الأرض التي عاشت فيها , أو قد يطلق اسم الأرض على القوم الذين عاشوا فيها , وقد خالف كيتاني هذا العرف فلم يطلق اسم الجماعة البشرية على الأرض التي عاشت عليها , ولم ينسب الجماعة إلى تلك الأرض , فهو لم يقل العرب سكان بلاد العرب . وقد حدد زمن تأثر تلك البلاد بالجفاف ونزوح أهلها بالقرن الخامس قبل الميلاد , وهو القرن الذي ذكرت فيه كلمة ( العرب ) لتدل على سكان جزيرة العرب , يقول الدكتور نعيم فرح :" وفي القرن الخامس قبل الميلاد ذكر المؤرخ اليوناني هيردوت ( أبو التاريخ ) كلمة العرب وقصد بها سكان الجزيرة العربية كلها ”

    يؤكد هذا القول ما ذهب إليه مرجوليوث من أن الوطن الأصلي لبني إسرائيل هو بلاد اليمن وليس شبه جزيرة سيناء , وقد اعتمد في رأيه هذا على بعض الخصائص اللغوية المشتركة بين السبئية والعبرية , إلى جانب اعتماده على تشابه العادات والتقاليد والأخلاق الدينية عند السبئيين وبني إسرائيل , ويقول إسرائيل ولفنسون :" يذهب العالم مرجوليوث إلى أن الوطن الأصلي لبني إسرائيل لم يكن في شبه جزيرة طور سيناء , بل كان ببلاد اليمن التي خرجت منها أمم كثيرة من أقدم الأزمنة التاريخية , ويستدل على رأيه هذا ببعض أدلة منها وجود ألفاظ كثيرة مشتركة بين اللغتين السبئية والعبرية , ومنها أن هناك شبها عظيما بين العادات الاجتماعية والأخلاق الدينية عند أهل سبأ وبني إسرائيل” .

    ولا يشك ولفنسون في ما قاله مرجوليوث , بل يؤكد أن عادات بني إسرائيل وأخلاقهم الاجتماعية في عصورهم الأولى بفلسطين كانت قريبة من أخلاق العرب في الجاهلية, ويشير في موضع آخر إلى أن هناك قبيلة يهودية تدعى قبيلة كلب , هاجر منها اليهود الذين سكنوا في جنوب فلسطين , كما يشير إلى وجود قبيلة عربية بهذا الاسم تعيش في شمال جزيرة العرب , وأنها قد هاجرت من اليمن , فيقول : "وكانت بطون كلب من أعظم البطون اليهودية التي تسكن في جنوب فلسطين , وكذلك نجد بين القبائل العربية من يلقب بهذا اللقب , فقد كانت القبائل الكلبية العربية في شمال الجزيرة التي نسبت إلى العصبية اليمنية ” .

    وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن تلك البطون الكلبية اليهودية التي تشبه في عاداتها وأخلاقها عرب الجاهلية والتي تقطن جنوب فلسطين أي شمال جزيرة العرب هي أحد بطون قبيلة كلب العربية التي كانت تعيش في اليمن منذ العصور الأولى , وقد اعتنق هذا البطن الديانة اليهودية خاصة إذا عرفنا أن الديانة اليهودية قد انتشرت في جنوب بلاد العرب , وهذا البطن الكلبي أو بعض منه قد نزح شمالا إلى أن استقر في جنوب فلسطين , وليس بعيدا أن تكون هذه البطون قد نزحت إلى شمال الجزيرة ثم اعتنقت اليهودية هناك , حيث أن بعض بطون كلب العربية المسلمة سكنت في شمال بلاد العرب .

    وإذا حاولنا استقصاء تاريخ العبرانيين أمكننا القول بأنهم عرب من الكنعانيين العرب الذين هاجروا من الجزيرة العربية متجهين شمالا حيث أقاموا في بلاد سوريا ( أرض كنعان ) , فالعبرانيون من أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام ومعروف أنه كنعاني .

    من كل ما سبق يمكن القول إن هذه التسمية – السامية – لا أساس لها من الصحة , إنها تسمية ذات نزعة سياسية معينة , ظهرت في فترة زمنية معينة , من أجل خدمة بعض الأغراض السياسية , كما أنه يمكن القول أن السامية ليست دالة على عرق معينة فلا وجود لجنس سامي بين أجناس العالم , وهذا ما يؤكده الدكتور جواد علي بقوله :" إني حين أتحدث عن السامية لا أتحدث عنها على أنها جنس أي رس صاف بالمعنى الانثروبولوجي , بل أتحدث عنها على أنها مجموعة ثقافية , وعلى أنها مصطلح أطلقه العلماء على هذه المجموعة لتميزها عن بقية الأجناس البشرية , فأنا أجاريهم لذلك في هذه التسمية ليس غيره ”

    فهذه التسمية فارغة المحتوى لا تدل على أي جنس بشري , ويجب علينا إسقاطها من تفكيرنا مطلقا , يقول الأب هنري فليش :" إنه ينبغي ألا نفهم من استعمال كلمة السامية أي شيء أكثر من اصطلاح المقصود به تيسير الأمور على الباحثين , دون أن نعتقد أن له دلالة عنصرية ”

    إن هذه الشعوب التي أطلق عليها اسم شعوب سامية , ليست إلا شعوبا عربية عاشت في وطنها العربي منذ آلاف السنين , وإن القول بوجود لغات سامية وشعوب سامية لا أساس له من الصحة , ولا يعتمد على أي سند علمي صحيح , إنها أسطورة خيالية روجت لها الصهيونية العالمية والاستعمار , وعلى هذا يجب علينا – نحن العرب – أن نرفض هذه النظرية الكاذبة و نستبدل تسمية " أسرة اللغة السامية – الحامية " و " الهجرات السامية – الحامية " باسم " أسرة اللغة العربية " و " الهجرات العربية ”

    اللغة العربية بين الساميات

    بعد هذا العرض السريع لتاريخ الساميين ومحاولة توضيح حقيقة النظرية السامية , وحقيقة تلك الشعوب و الأقوام التي أطلق عليها خطأ اسم " الساميون " وبعد أن عرفنا أنهم عرب هاجروا من جزيرتهم بعد أن أصابها الجفاف و التصحر إلى أماكن أكثر أمنا وملاءمة للحياة , يجدر بنا التحدث عن لغات هؤلاء الأقوام ومحاولة الوقوف على خصائصها ومدى تطورها وبعدها عن اللغة الأم .

    خرجت تلك القبائل في موجات متتالية , اتجهت كل مجموعة منها إلى جهة معينة , حاملة معها لهجتها الخاصة بها , التي أخذت في الابتعاد التدريجي عن الأصل بسبب بعدها عن الأم , والتطور اللغوي الذي يرافق اللغات , والظروف البيئية الجديدة واحتكاكها بغيرها من اللغات , مما أسهم في تكوين صفات خاصة لهذه اللهجة أو تلك , أدت في النهاية إلى قطع أواصر الصلة بينها وبين أمها من جهة وبينها وبين أخواتها من جهة أخرى , فأخذت تستقل شيئا فشيئا إلى أن أصبحت لغة مستقلة تماما لها خصائصها وصفاتها التي تميزها عن غيرها , " فاللغات التي ظهرت لنا في العصور التاريخية في صور لغات مستقلة لم تكن إلا لهجات للغة واحدة , في الوقت الذي كان فيه الشعب الأول لا يزال أفراده يعيشون معها في منطقة واحدة ”

    ونحاول الآن أن نتتبع أقوال العلماء والمؤرخين حول هذه القضية , فقد ذكرت المصادر التي توفرت لنا أن هؤلاء الأقوام الذين رحلوا من جزيرة العرب قد احتكوا بغيرهم من الأمم التي كانت تسكن المناطق التي نزلوا بها , مما أدى إلى اكتسابهم صفات اجتماعية وخصائص لغوية أسهمت في إبعاد لهجاتهم عن اللغة الأم أكثر وأكثر , وعملت على منحها الاستقلال التام كلغات جديدة لكل منها كينونة و نظام خاص بها , وقد أطلق على تلك اللغات " اللغات السامية " , وقد أشار إلى ذلك إسرائيل ولفنسون عند حديثه عن البابليين , فقال :" رحل هؤلاء الساميون من الجزيرة العربية , أو من ناحية سوريا إلى أرض الشومريين , وغلبوهم على أمرهم , وأخضعوهم لحكمهم , ولكنهم لم يستطيعوا أن يغلبوهم في الدين والحضارة واللغة وفي كل نواحي التفكير , بل كان التغلب في هذه الجوانب للشومريين , فتأثر الفاتحون بدين المغلوبين وعمرانهم , واقتبسوا خطهم , وشوهت لغة الساميين بعد أن امتزجت بعناصر كثيرة من لغة المقهورين”

    فتأثرت تلك اللهجة العربية التي حملها البابليون معهم بلغات الشومريين , وقد أدى هذا التأثر إلى تطوير لتلك اللهجة أفقدها كثيرا من صفاتها التي ورثتها عن اللغة الأم , مما أدى إلى انفصالها انفصالا تاما لتصبح لغة جديدة مستقلة , لا يربطها بأخواتها اللهجات إلا بعض الخصائص التي لم تتمكن من التنازل عنها , مما جعل تحديد أصلها ليس سهلا , ومثل هذا يقال عن بقية اللهجات العربية التي هاجرت من الجزيرة , فقد أصابها شيء من التطور القسري نتيجة احتكاكها بلغات الشعوب التي عاشت معها , إلى جانب ما أصابها من التطور الطبيعي الذي تتعرض له كل اللغات .

    ويزعم ولفنسون أن الأمم السامية قد تأثرت بلغات الجزيرة العربية , كما يلاحظ أن مظاهر هذه الأمم تكاد تكون صحراوية , فعواطفها وخيالها وطرائق تفكيرها يشعرنا بروح الصحراء على زعمه . وهذا ما يجعلنا نتساءل , أي لغات تلك التي يقصد بها لغات الجزيرة العربية ؟ هل كان يعيش في تلك الجزيرة أقوام وشعوب غير الساميين ؟ وإذا كان الجواب بنعم , فلن نسأل عن جنسهم , بل نسأل : إذا كان الساميون قد هاجروا من الجزيرة العربية هربا من الجفاف والتصحر, فلم بقيت تلك الشعوب ولم تهاجر كما فعل الساميون ؟ أم أنها لا تتأثر بالجفاف وانعدام الحياة ؟ ثم نسأل عن نوع ذلك التأثر الذي تأثرت به اللغات السامية , هل كان تأثراً صوتياً أم صرفياً أم في التراكيب أم الدلالة والمعنى , وما مقدار هذا التأثر ودرجته ؟ وما السند العلمي الذي اعتمد عليه المؤلف في إصدار رأيه هذا ؟ كل هذه أسئلة بحاجة إلى إجابات ....!! ثم لم لا تكون هذه الأقوام التي هاجرت من الجزيرة العربية قبائل عربية هاجرت ومعها لغاتها , لا قبائل سامية و معها لغاتها التي تأثرت بلغات جزيرة العرب

    ثم يذهب ولفنسون إلى أن من مميزات اللغة العربية أنها تشتمل على عناصر قديمة جدا من اللغات السامية الأصلية , وهذا يدل على أن اللغة العربية كانت موجودة في مهد اللغات السامية , أو في ناحية قريبة منه , أو أن العناصر التي نزحت إلى بلاد العرب كانت من أقدم الأمم السامية .

    إن هذا الاستدلال الذي توصل إليه ولفنسون يمكننا من استنتاج أن اللغة العربية لم تكن سامية , بل جاورت السامية وعاشت معها في نفس الإقليم أو أنها كانت في أقاليم مجاورة , مما أدى إلى حصول احتكاك بين تلك اللغات تأثرت العربية من جرائه ببعض الخصائص السامية , ثم إن زعمه بنزوح أمم سامية إلى بلاد العرب زعم يعوزه الدقة والتحقيق أيضا , فمن أي الأقاليم نزحت تلك العناصر السامية إلى بلاد العرب ؟ ومتى كان هذا النزوح ؟ وما أسبابه ؟ ثم أين عاشت تلك الشعوب قبل هجرتها إلى بلاد العرب ؟ كل هذه التساؤلات لا نجد إجابة لها .

    إن هذا الغموض وعدم الوضوح الذي يطغى على ما ذهب ولفنسون لخير دليل على أن اللغة العربية هي اللغة التي عاشت في مهد العرب " الجزيرة العربية " وإن ما يدور حول ذلك القول من تساؤلات يدل دلالة واضحة على أن تلك اللغة التي عاشت في بلاد العرب هي لغتهم العربية , كما أن اشتمالها على عناصر قديمة جدا من العناصر السامية المزعومة يؤكد صحة ما نقول , وإلا فلم اشتملت العربية على هذه العناصر القديمة جدا دون غيرها من بقية الساميات ؟ أليس من الجائز أن تكون العربية قد حافظت على خصائصها وصفاتها ولم تفقدها كما في تلك اللغات السامية , التي ليست في حد ذاتها سوى لهجات عربية كانت تعيش في جزيرة العرب إلى جانب اللغة الأم , ومع الهجرة والنزوح بدأت تلك اللهجات بفقد بعض خصائصها تدريجيا بفعل احتكاكها بغيرها من لغات الأمم , أضف إلى ذلك التطور اللغوي الذي يسهم في ابتعاد اللهجة عن أمها , كل هذا أدى إلى قطع الصلات بين هذه اللهجات المهاجرة من جهة , وبينها وبين أمها التي بقيت في الموطن الأصلي من جهة أخرى , مما أدى إلى استقلال كل لهجة منها لتصبح لغة مستقلة قائمة بذاتها كما هو شأن اللغات الأخرى " لأنه متى كثرت هذه الصفات الخاصة , بعدت اللهجة عن أخواتها , فلا تلبث أن تستقل وتصبح لغة قائمة بذاتها”

    ومما يؤكد أيضا أن هذه اللغة العربية هي السامية الأم ما ذكره ولفنسون نفسه من أن هناك شبها كبيرا بين العربية والعبرية في كثير من الخصائص والتراكيب وأسماء الأعلام فقال :" وزيادة على المادة اللغوية العبرية التي تشبه العربية شبها كبيرا نجد كثيرا من أسماء الأعلام العبرية القديمة شائعة الاستعمال عند العرب في الجاهلية ”

    فوجود كثير من أسماء الأعلام مشتركا بين العبرية والعربية يؤكد لنا تجاور هاتين اللغتين وحياتهما معا في محيط واحد , وقد أسلفنا أن العبرانيين عرب ولغتهم لهجة عربية , وأن أسماء الأعلام المشتركة بين العبرية والعربية هي أسماء أعلام عربية احتفظت بها العبرية باعتبارها لهجة عربية وقد أكد هذا الدكتور علي العناني بقوله :" إن هذا المصدر الذي تشعبت عنه سائر اللغات السامية إنما هو اللغة العربية الأولى التي نطقت بها سبأ في غابر الدهور حين عمرت اليمن وجعلت منها موطنا لها , وجعلت تبتعد هذه الساميات عن أمها السبئية بتراخي العصور وتنائي الديار واختلاط هؤلاء النازحين بمختلف الأقوام ممن جاورهم في أصقاع الأرض ”

    هذا رأي صائب لاشك , فاللغات التي أطلق عليها اسم الساميات ليست إلا لهجات عربية انسلخت من العربية الأم بمرور الزمان , هنا قد يقول البعض كيف انسلخت تلك اللهجات من العربية الأم , ولازالت هذه العربية محافظة على سماتها وخصائصها , ولم تندثر كما اندثر غيرها من اللغات , كما لم ينسلخ عنها لغات جديدة ؟ إن تلك اللهجات قد انفصلت عن العربية بفعل عوامل كثيرة , كالبيئة الجغرافية , والوسط الاجتماعي , واحتكاكها بلغات الأمم الأخرى , والتطور اللغوي , كل هذه الأسباب مجتمعه أدت إلى انفصال تلك اللهجات القديمة عن العربية الأم , أما اللهجات العربية المعاصرة فكل لهجة منها تتحفز لتنطلق من عقالها , وتفلت من رباطها ذلك الرباط الذي يربطها باللغة الأم , محاولة الخروج من هذه الحضيرة اللغوية , إلا أن رباطها قوي متين لا ينفصم إنه رباط الإسلام الأبدي , وهذا الرباط هو الذي حافظ على بقاء هذه اللغة قوية متماسكة دون أن يصيبها ما أصاب غيرها من اللغات من تشرذم وانقسام .

    ويرى البعض أن اللغة العربية القديمة يمكن تقسيمها إلى قسمين , لغة فصيحة عاشت على تخوم الجزيرة مع تلك القبائل العربية التي نزحت من الجزيرة العربية وهي ما أطلق عليها خطأ اسم اللغات السامية , ولغة فصيحة أخرى عاشت داخل الجزيرة منذ عصور التاريخ الأولى . وقد أشار إلى ذلك إسماعيل العرفي بقوله :" كان للغة العربية في زمن ما قبل الإسلام نوعان من اللهجات الفصحى : لهجات خارجية , ولهجات داخلية , أما اللهجات الخارجية فهي اللهجات التي نشأت خارج شبه الجزيرة العربية عبر أقوامها العربية النازحة منها والمستوطنة حولها , والتي يطلق عليها خطأ " اللغات السامية " كالسومرية , والبابلية , والآرامية , والكنعانية , والعبرية , والمصرية , والحبشية ,أما اللهجات الداخلية فهي اللهجات التي نشأت داخل شبه الجزيرة العربية عبر شعوبها وقبائلها المتعددة القاطنة في جميع أرجائها الشاسعة من بائدة وعاربة ومستعربة وجاهلية ”

    وقد ذهب ابن حزم إلى أن أصل اللغات السامية كلها اللغة العربية , وأن تلك اللغات قد انبثقت عنها على مر العصور , وأن هذا التنوع والاختلاف بين هذه الساميات ليس إلا خلاف لهجي فقط , قال :" إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير , لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها , فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيران , ومن القيرواني إذا رام لهجة الأندلسي ومن الخرساني إذا رام نغمتيهما . ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة , كاد أن يقول : إنها لغة غير لغة أهل قرطبة , وهكذا في كثير من البلاد , فإنه بمجاورة أهل البلدة لأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلاً لا يخفى على من تأمله ”

    هذا العرض لآراء العلماء يخلق لدينا اقتناع تام بأن النظرية السامية تسمية واهية خالية من كل مضمون , وليس لها أية دلالة عرقية أو لغوية , إنه ينطوي قبل كل شيء على نقض للنظرية التي تنادي بمجموعة جنسية تتفق والمجموعة اللغوية السامية ”.

    إن الحديث عن لغة سامية حديث بعيد عن الواقع ولا يمت إلى الحقيقة بصلة ,إنه وهم أشبه ما يكون بالخرافة لأنه لا يقوم على سند نقلي أو دليل عقلي , إن هذه السامية المزعومة التي يتحدثون عنها لا يستطيع أي باحث أن يوضح شيئاً من صفاتها أو خصائصها , ولا أن يعرف حتى كلمة واحدة من كلماتها , فالزعم بوجود لغة سامية زعم باطل يدور حول لغة " مندثرة لا نملك منها نصوصاً مكتوبة ولا مروية في كتابات الآخرين ”

    إنها لغة مندثرة , إنها عدم لا وجود له , قال أحمد ياقوت :" ونبادر إلى القول بأننا نظن أن اللغة العربية هي السامية الأم نفسها , وليس كما قال العلماء هي أقرب الساميات إلى اللغة الأم . ونظن أيضاً أن باقي الساميات هي لهجات أو لغيات ناقصة النمو متفرعة عن اللغة العربية , والدليل على ذلك ما يلي :

    أول هذه الأدلة وهو أهمها أننا إذا افترضنا أن اللغة العربية هي أقرب الساميات شبهاً باللغة السامية الأم , فأين اللغة السامية الأم إذن ؟ يقولون إنها اندثرت ولا نملك منها نصوصاً مكتوبة ولا مروية في كتابات آخرين وهذا شيء عجيب حقاً , فنحن لا نعرف هذه اللغة ولا نملك نصوصاً مكتوبة عنها , ولا نقوشاً , ولم يرو واحد من العلماء نصوصاً بهذه اللغة , ثم بعد ذلك نحكم بأنها كانت موجودة ثم اندثرت , كأننا نحكم على العدم بأنه كان موجوداً ثم أصبح عدماً.

    هذه واحدة وأخرى أن هذه اللغة السامية الأم إن كانت قد اندثرت , فلم لم تندثر اللاتينية أيضاً أو السنسكريتية وكلاهما لغة أم انبثقت عنها لغات أخرى, بل كلاهما يقاربان اللغة السامية الأم في القدم ؟ ”

    وإذا حاولنا أن نقارن بين هذه اللغات التي زعم أنها لغات سامية من حيث الخصائص والصفات المشتركة بينها ومدى محافظة كل لغة منها على تلك الخصائص لوجدنا أن اللغة العربية قد تميزت على غيرها في المحافظة على تلك الخصائص والصفات التي فقدتها بقية اللغات , مما يؤكد لنا أن العربية هي السامية الأم وقد احتفظت بمعظم الصفات والمزايا التي غالباً ما تفقدها اللهجات المنبثقة عن الأم, وأهم هذه الخصائص التي تميزت بها العربية ما يلي:

    الخصائص التي تميزت بها اللغة العربية :

    1- أبجدية العربية أوفى هذه الأبجديات وأكثرها قربا والتصاقا بالأبجدية الأم – السامية المزعومة – فهي تفوق غيرها في عدد الأصوات والمخارج التي تستعملها , يقول الدكتور حسن ظاظا :"ولو عرضنا على هذه الأصوات مجموعة مخارج الحروف الموجودة في كل لغة من اللغات السامية , لوجدنا أن أوفى الأبجديات , وأشدها انطباقا على مخارج السامية الأول هو أبجدية اللغة العربية الفصحى التي تحتوي على كل ما جاء هنا ماعدا السين التي بين بين والصاد الفرعيتين , وقد حدث في العربية نطقان جديدان هما الضاد والظاء ”.

    فالسبب الذي جعل العربية دون غيرها من بقية مجموعة هذه اللغات تحتوي على كل المخارج وزيادة هو أنها أصل هذه اللغات جميعاً ولم تخسر شيئاً من هذه الأصوات و المخارج إلا ما خضع للتطور الصوتي واللغوي , أما غيرها من اللهجات المتشعبة عنها فكان لا بد لها من التغير وفقدان بعض الخصائص والبعد عن الأصل حتى يمكن استقلالها لتصبح لغة جديدة . إذن فخسارتها أمر حتمي , وبناء على ما سبق فإن مخارج الحروف البالغة ثمانية وعشرين حرفاً ستكون أكثر من أصوات أية لغة أخرى ضمن هذه المجموعة " فهي تنقص عن ذلك كثيراً في العبرية والآرامية والحبشية والبابلية والأشورية . مع ملاحظة أننا نتكلم هنا عن المخارج الأصلية للحروف التي تؤخذ في الاعتبار عند المقارنة اللغوية والبحث عن أصول الألفاظ ”

    2- إلى جانب محافظة العربية على المخارج , حافظت كذلك على الأصوات بين السنانية وهما صوت الذال وصوت الثاء , اللذان فقدا من اللغات الأخريات , ليحل صوت الزاي محل الذال في بعض اللغات , ويحل الدال محله في البعض الآخر , أما صوت الثاء فأصبح ينطق في بعض اللغات شينا وفي البعض الآخر سينا , كما ينطق تاء في بعض آخر , وقد أشار إلى هذا الدكتور حسن ظاظا عند حديثه عن صوتي الثاء والذال فقال : "وهما شائعان في العربية , والمقارنة تثبت أنها حافظت عليهما من اللغة السامية الأم , بينما أضاعتهما اللغات السامية الأخرى , فكلمة " أذن " في اللغة العربية , تأتي في البابلية الآشورية وفي العبرية والحبشية بالزاي , بينما تأتي بالدال في الآرامية والسريانية , وفي عربية اليمن القديمة ورد " أذن " بالذال كما في العربية الفصحى . وأما حرف الثاء فإنه يتأرجح في غير العربية من اللغات السامية بين الشين أو السين أو التاء , فالعبرية تنطق " شورو " وفي الآرامية والسريانية " تورا " , ولم ترد الثاء إلا في الفينيقية إلى جانب العربية ”

    وهذا التغير في هذه الأصوات نجده الآن في لهجاتنا المحلية , فصوت الذال ينطق زايا في كثير من الكلمات , فكلمة " حذاء " مثلا تنطق "حزاء " فلا نسمع ذالا بل زايا , كما أن هذا الصوت قد نسمعه في بعض الكلمات دالا كما في نطق كلمة " دهب " بدلا من " ذهب " . وكذلك الثاء فإنا نسمعها سينا في بعض الكلمات كما في " ثلاثة " التي نسمعها " سلاسة " , وقد نسمعها تاء كما في " تعلب " بدلا من " ثعلب ". والسبب في تغير نطق هذين الصوتين هو تغير مواضع نطقهما , وهو ما يعزي إلى التطور الصوتي الذي لا تسلم منه لغة , وما يحصل لهذين الصوتين الآن في لهجاتنا المعاصرة هو عينه الذي حصل مع تلك اللهجات العربية القديمة التي أطلق عليها اللغات السامية , وهذا يجعلها تؤكد أن العربية هي أم لتلك اللغات السامية , لأنها حافظت على هذين الصوتين قديما وحديثا بينما خسرتها اللهجات في القديم كما خسرتها في الحديث .

    3- وإذا حاولنا تقصي بعض الصوائت القصيرة ( الحركات ) في هذه المجموعة من اللهجات العربية القديمة ( السامية ) أدركنا أن تلك الحركات كلها قد أصابتها تغيرات مطردة أدت إلى تغير صفاتها وخصائصها , وهذا ما لا نجده في العربية الأم التي احتفظت بتلك الحركات كما هي منذ نشأتها باستثناء بعض التغيرات التي يمكن أن نقول عنها أنها شاذة وغير مطردة , السبب في ذلك التغير ما طرأ عليها من بعض التطورات الصوتية التي لا تسلم منها أية لغة , " وأكثر تغيرات الحروف الصائتة الواقعة في اللغة العربية , غير المذكورة إلى الآن اتفاقية , وليس فيها إلا القليل من المطردة , فبقيت الحركات السامية على العموم سالمة على حالها في اللغة العربية ”

    4- ومن الخصائص اللغوية التي حافظت العربية عليها ظاهرة الإعراب , الذي هو من أقدم السمات اللغوية للغة السامية المزعومة , يقول برجشتراسر :" الإعراب سامي الأصل تشترك فيه اللغة الاكادية , وبعض الحبشية , ونجد آثارا منه في غيرها أيضا ”. وقد فقدت هذه الظاهرة من معظم المجموعة اللغوية التي زعم أنها الساميات , ولم يظهر واضحا جليا إلا في العربية فقط , يقول يوهان فك :" لقد احتفظت العربية الفصحى في ظاهرة التصرف الإعرابي بسمة من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية باستثناء البابلية القديمة قبل عصر نموها الأدبي ”

    إن هذا التفرد للعربية باحتفاظها بظاهرة من أهم الظواهر اللغوية يشير إلى أنها أصل تلك اللغات التي استغنت عن تلك الظاهرة , وأن اللغات التي فقدت الإعراب ليست إلا لهجات عربية انبثقت عن العربية الأم . ولعل أول وأهم تغير يظهر في اللهجات ويبعدها عن الأم هو إهمال حركات الإعراب ومحاولة التخلص منها , وهو ما نشهده في لهجاتنا المعاصرة . " إن التحرر من الإعراب قرينة أكيدة على العربية المولدة , لا العكس , أي أنه ليست العربية المولدة منحصرة في التحرر من الإعراب ”

    5- ومن الخصائص التي تؤكد أن العربية هي الأم لكل مجموعة اللغات السامية أن العربية تشتمل على ثروة لفظية كبيرة لا تجاريها فيها أية لغة من تلك اللغات , قد تشترك في عدد قليل من تلك الألفاظ بعض اللغات دون غيرها , وهذا يجعل اللغة العربية تنفرد بعدد كبير من الألفاظ لا توجد في غيرها من تلك المجموعة السامية , وهذا ما دفع برجشتراسر إلى القول :" فأما أصل هذه الكلمات الكثيرة الخاصة بالعربية , فقد فقد مال بعض العلماء إلى أنها أو أكثرها سامية أصلية أيضا , وسقطت من كل اللغات السامية غي العربية , وهذا بعيد عن الاحتمال في الغاية , ولا يجوز افتراضه إلا على فرض كون العربية أقرب إلى اللغة السامية الأم من أخواتها , وحتى كونها هي اللغة الأصلية بعينها ” .

    زعم برجشتراسر أن تلك الألفاظ قد سقطت من كل اللغات السامية إلا العربية التي احتفظت بها دون غيرها , وهو زعم غير منطقي , إلا إذا قلنا بأن العربية هي أصل اللغات السامية , وأن تلك اللغات قد فقدت معظم خصائصها , وخسرت كثيرا من ألفاظها أثناء عملية انتقالها وتحولها من لهجة إلى لغة مستقلة , وقد أدرك برجشتراسر أن زعمه السابق غي مقبول , فحاول الاقتراب من الحقيقة عندما افترض أن اللغة العربية هي أصل الساميات . كما يفترض أن العربية ليست كغيرها من الساميات بل تتفوق عن تلك المجموعات بصيغ وأشكال كثيرة , وأفانين متعددة , مما جعلها لا تكتفي بهذه الصيغ القليلة التي ورثتها عن اللغة الأم , مما جعلها تضع صيغا جديدة من أجل الوفاء بالأفانين والأغراض المختلفة , فقال :" ويتضح من ذلك أن العربية لما لم تكتف بصيغ قليلة , مثل سائر اللغات السامية , كانت تميل إلى كثرة الأشكال , والتفنن في الصيغ الكثيرة , ونرى ذلك في صيغ جمع التكسير , فهي متعددة أيضا وبعضها افترضته العربية مع الحبشية , وبعضها اقترحته العربية وحدها ”

    6- كما تتميز العربية عن بقية الساميات بخصائص فعلية كثيرة , إذ أن الفعل فيها يستخدم بطرق متعددة وصيغ مختلفة , لا نجدها في غيرها من اللغات , فهي تقوم بتحديد معنى الفعل وتخصيصه داخل السياق باستخدام الأدوات المساعدة الكثيرة والمختلفة الدلالات والأغراض , كل هذا أسهم في تنويع معاني الأفعال , فعندما نقول مثلا " فعل " و" قد فعل " و " قد يفعل " و " سيفعل " و " سوف يفعل " فإن كل صيغة من هذه الصيغ تدل على معنى مغاير لما يدل عليه غيرها من الصيغ الأخرى , " فكل هذا ينوع معاني الفعل اليوناني والغربي , أو بالأحرى : أغنى منهما في بعض الأشياء . وهذا أكبر دلالة على سجية اللغة العربية وطبيعتها , فهي أبا تؤثر المعين المحدد على المبهم المطلق , وتميل إلى التفريق والتخصيص , فاللغة العربية أكمل اللغات السامية وأتمها في هذا الباب , أي باب معاني الفعل الوقتية وغيرها ”

    7 - إضافة إلى ما سبق فقد حافظت العربية على عمل الفعل من رفع ونصب , ووافقها في هذا بعض اللغات السامية , وقد انفردت بالمحافظة على عمل الأسماء التي تعمل عمل الفعل , فوضعت لها أحكاما دقيقة وقواعد ثابتة لا نجد لها أثرا في بقية الساميات

    8- وقد تفوقت عن غيرها من اللغات السامية إلى جانب تفوقها عن أكثر لغات العالم , وهو ما دفع برجشتراسر إلى القول :" ومن غرائب العربية التي تتميز بها ليس عن سائر اللغات السامية فقط , بل عن أكثر اللغات على العموم : اسناد الفعل أو الخبر إلى ظرف الزمان . نحو : إذا نام ليل الهوجل ” .

    9- ويقوم بناء الجملة في العربية على عملية الإسناد , ولابد من مراعاة الترتيب بين المسند والمسند إليه , وقد اختلفت اللغات في ترتيب الألفاظ داخل الجمل , فمنها ما قد عين موقعا محددا لكل لفظة داخل الجملة , لا يمكنها مغادرته إلا في بعض الحالات النادرة , ومن اللغات ما تتحرك كلماتها داخل الجملة كما تشاء دون تأثير على المعنى , أما في العربية فإن التقديم والتأخير بين مفردات الجملة الواحدة ممكن , ولكن وفق أطر ومعايير معينة , وشروط لابد من مراعاتها , فقد وضعت لتقديم الخبر في الجملة الاسمية قواعد أثبت مما يوجد في سائر اللغات السامية ... وهي أشد اللغات السامية تقييدا لترتيب الكلمات.

    10 - ومع اشتمال العربية على كثير من الأدوات وطرائق التعبير المختلفة التي تساعد في تنوع التعبير وتسهم في إيضاح كل غموض وإبهام , رغم كل هذا فقد حافظت على كثير من الخصائص التي تؤكد قدمها إذا ما قورنت باللغات السامية الأخرى , فنجدها قد حافظت على خصائص الجملة الاسمية التي هي " من أقدم تركيبات اللغات , والعربية مع احتوائها على وسائط التخصيص والتعيين قد حافظت على هذا التركيب الأولي المبهم أيضا ”

    العربية البائدة والعربية الباقية

    منذ عصور سحيقة في التاريخ انتشرت اللغة العربية في كل مناطق الجزيرة العربية وأنحائها المختلفة وتفرعت بفعل عوامل التطور اللغوي إلى لهجات متباينة لكل قبيلة لجهتها الخاصة بها ، أدى ذلك إلى أن قسم المستشرقون هذه اللهجات إلى قسمين : لهجات الشمال ولهجات الجنوب . وقد أشار إسرائيل ولفنون إلى ذلك بقوله " وقد وجدنا العلماء من العرب والإفرنج يقسمون اللهجات العربية إلى قسمين يشتمل القسم الأول على جميع اللهجات العربية في شمال الجزيرة ، والآخر يشمل اللهجات التي في الجنوب ”

    إلا إن هذا التقسيم لم يَرُق له " ول فنسون " فاعترض عليه ورأى أن لا يعتمد على أسس علمية سليمة وإنما يعتمد على أسس جغرافية وتاريخية غير دقيقة ، كما يرى أن أصحاب هذا التقسيم لم يقدموا تبريراً معقولاً لهذه التسمية ، فيقول : " إنهم لم يشرحوا لنا شرحاً وافياً السبب الذي حملهم على تقسيمهم هذا ولم يبينوا له علة ... إنه ليس تقسيماً جغرافياً صحيحاً ولا تاريخياً دقيقاً فليست هناك حدود واضحة تفصل شمال الجزيرة عن الجنوب ، وتبين لنا من أين وإلى أين كانت منطقة انتشار القسم الجنوبي من اللغة العربية ، ومن أين وإلى أين سادت اللهجات الشمالية من العربية " ثم يقترح أن تقسم هذه اللهجات العربية إلى عربية بائدة وأخرى باقية ، فيقول : " والذي نراه صواباً أن تقسم اللهجات العربية إلى بائدة وباقية "

    ومهما يكن من أمر فإن أي تقسيم سواء كان جغرافياً أم تاريخياً أم غير ذلك سيقودنا إلى القول بأن اللهجات العربية القديمة قد انقسمت إلى عربية بائدة تضم تلك اللهجات التي عثر عليها في جنوب بلاد العرب ، وبعضاً من لهجات الشمال ، حيث سادت هذه اللهجات في فترات تاريخية مختلفة ، ثم أتت عليها يد الدهر فأبادتها . وعربية باقية ، وهي التي سادت في العصور الجاهلية ، ونظمت بها القصائد ونزل بها القرآن الكريم ، وهي التي تستخدمها في كتابتنا بها إبداعتنا ونتحـدث بها اليوم . وبناءً على ما سبق سنقوم بدراسة اللهجات العربية على هذا الأساس " العربية البائدة والعربية الباقية " .