المحاضرة التاسعة: أعلام النقد الموضوعاتي عند الغرب5
Résumé de section
-
المحاضرة التاسعة: أعلام النقد الموضوعاتي عند الغرب(5) جون بول ويبر )تكوين الأثر الشعري(
يعد الناقد الفرنسي جون بول ويبر weber Jean-Paul أحد أهم أقطاب النقد الموضوعاتي في العالم بالنظر لما لقيته موضوعاتيته من انتشار على نطاق واسع، وبالنظر كذلك لدقته المنهجية ووضوح رؤاه وطروحاته النقدية وانسجامها. فقد استطاع بكل جسارة علمية واقتدار معرفي أن يرسم معالم واضحة لمنهج نقدي موضوعاتي تمكن من مزاحمة بقية المناهج النقدية الأخرى )البنوية والسيميائية والأسلوبية والتفكيكية(...، ويفرض وجوده في الساحة النقدية العالمية، ويبلغ صداه إلى خارج أوربا والعالم الغربي.
لقد تمكن ويبر من تأسيس رؤية منهجية موضوعاتية تعول على الأثر الأدبي، لكنها في الوقت نفسه، لا تقصي كاتبه أو مبدعه؛ إذ تركز بالدرجة الأولى على مرحلة طفولة المبدع وذكرياته، ذلك لأن نتاج العملية الإبداعية يمتد بعيدا في عمق أعماق نفسية المبدع التي ترجع إلى مراحل نشأة الأديب الأولى )مرحلة الطفولة.(
فقد عرفت هذه المرحلة في نظر [ويبر] حدثا متميزا أصبحت له مكانة متميزة في وعي المؤلف وفي لا وعيه، ثم يتحول هذا الحدث عنده إلى موضوعاتية أساسية
تنبثق منها نصوصه الأدبية. وهذا يعني [عند ويبر] أن الموضوعاتية الأساسية صورة فنية لحدث واقعي حقيقي. " وعلى هذا الأساس، يؤمن ويبر بفكرة النواة الواحدة، التي ينبثق منها النص الإبداعي، أو الموضوعاتية الواحدية التي تجمع بين جميع نصوص الكاتب الواحد وفق تمظهرات مختلفة، يحكمها قانون اللغة الرمزية والاستعارية والتعديلات الموضوعاتية.
إذا كان هذا التوجه النقدي الموضوعاتي، يقوم على التحليل النفسي-مما جعل بعض الدارسين يطلق عليه تسمية "الموضوعاتية السيكولوجية" وعلى الفلسفة البرغسونية "القائلة بأن النظام الفلسفي كله يعود إلى مصدر واحد، وكذا أبحاث العلوم الطبيعية التي تثبت أن التكوين البيولوجي للكائن الحي يقوم على خلية واحدة.
أما الأبحاث الكيميائية والفيزيائية فهي تذهب إلى أبعد من ذلك لما تكشف أن نظام الكون كله قائم على جزء منته في الصغر، وهو نظام الذرة. " فإن ذلك لم يمنع من تفرد رؤيته واستقلاليتها وشموليتها خاصة عن التحليل النفسي ومرحلة الطفولة التي سبق إليها فرويد، هذا الأخير الذي اختزلها في "غريزة اللبيدو"، مما طبع تحليلاته بالقصور، فضلا عن عدم استنباطها من نصوص أصحابها، ولا من سيرهم
الحقيقية، مما قاد -كذلك- إلى تشابه نتائجه وتكررها مع مبدعين كثر، الأمر الذي أدى إلى إلغاء فرادة الآثار الفنية وخصوصيتها الإبداعية، في حين أن "ويبر" ظل متمسكا بمبدأ الخصوصية الإبداعية التي تميز هذا الكاتب على غرار كتاب ومبدعين آخرين؛ أي الوحدة الموضوعاتية التي يتطلب الكشف عنها داخل بواطن الأعمال الإبداعية وفي أعماقها وخباياها.
لقد ضمن ويبر آراءه وتصوراته الموضوعاتية في أربعة مؤلفات، يجمعها تصور نقدي واحد، وتؤلف بينها مواقف نقدية ثابتة وقناعات راسخة، مستمدة من ميادين الفلسفة والفكر والعلوم والتحليل النفسي، وهذه المؤلفات، هي:
-سيكولوجية الفن .1958
-تكوين العمل الشعري .1961 -ميادين الموضوعاتية .1963
-ستاندال: البنيات الموضوعاتية لأدثر وللقدر .1969
فإذا كانت موضوعاتية ويبر لم تلق القبول والرضى بين الباحثين والدارسين في فرنسا، وأحدثت ضجة كبيرة في الأوساط النقدية آنذاك تزعمها Picart Raymond الذي تهجم على موضوعاتية ويبر موجها لها نقدا لاذعا وعنيفا، وكان ذلك في كتابه
الطريق الذي شقه للنقد الموضوعاتي، وللمنطلقات النظرية والآفاق المنهجية التي ارتضاها له، حيث يذهب في كتابه "ميادين الموضوعاتية" إلى تأكيد آرائه السابقة قائلا بأن الموضوعاتية هي: "الأثر الذي تتركه ذكرى الطفولة في ذاكرة الكاتب، وإذا عممنا فنقول في ذاكرة الفنان، والعالم، والفيلسوف، وغيرهم. هذه الذكرى، أو الذكرى الموضوعاتية، لا تتم دائما بغير وعي من الكاتب. إن ما يتم بعيدا عن وعيه هي علاقة تلك الذكرى الموضوعاتية بالعمل.2" لكنه في كتابه عن ستاندال كان أكثر دقة ووضوحا وثباتا و صرامة وتخصيصا؛ لأن التعريف السابق يكاد يكون عاما، فيشمل العمل الأدبي وغير الأدبي، بينما التعريف الذي سنسوقه يختص بالأثر الأدبي لا غير. يقول ويبر: "كل آفاق العمل الأدبي -في اعتقادنا- تعود في منطلقها إلى منبع واحد، هو الموضوع، الذي هو بدوره أثر واع أو غير واع لحادث مميز، يكون قد أحدث صدمة نفسية أو تأثيرا عميقا في طفولة الفنان. هذا الموضوع في نظرنا، سواء كان تحت رموز متنوعة أو تعديلات، فهو موجود عبر نسبة كبيرة من الأعمال الإبداعية للفنان ولئن كانت هذه الصرامة المنهجية التي تميز بها ويبر أفرزت ردود أفعال مشككة ورافضة لعملية إرجاع تكوين الأثر الأدبي إلى مرحلة الطفولة، ذلك لأنه حسب زعم أصحاب هذه الردود قد توجد موضوعاتيات أخرى أكثر أهمية في منطقة الذكريات الأولى لمرحلة الطفولة إذا ما تم معاينتها بدقة، وسبرها بعمق في أغلب أعمال الكاتب الواحد، غير أن ويبر ظل وفيا لآرائه، مقدما الإجابات المقنعة عن الأسئلة الملتبسة المثارة من قبل أصحاب حجة الموضوعات المتعددة بشأن موضوعاتياته السيكولوجية، وذلك من خلال تعويله على دراسته لعالم ستاندال وثقته في دقة النتائج التي توصل إليها، والتي كشفت له أن أعماله تصدر عن موضوعاتية واحدة هي موضوعاتية العضة.
وأما فيما يخص مسألة احتمالية تعدد الموضوعاتيات التي أصدرها بعض منتقدي منهجيته، وإن كانت تبدو –في نظره- "للدارس أنها موضوعاتيات أخرى للنص فهي ليست في حقيقة الأمر سوى تعديلات لتلك الموضوعاتية الأساسية، منها تفرعت وإليها يعود انبثاقها ووجودها في النص.2"
إن خاصية التعديلات الموضوعاتية التي كشفت عنها تحليلات ويبر، تبقى ميزة إجرائية بارزة في منهجه، بإمكانها التصدي للدعوات الانتقادية التي تعرض لها، كما يمكن لها أن تكون مبررا كافيا للتحولات المختلفة والتغيرات الطارئة والتنويعات
التضمينية التي تتمظهر بها الموضوعاتية المركزية في كل مرة. فهي وإن كانت تبدو مختلفة ومغايرة في ظاهرها إلا أنها تركن إلى موضوعاتية واحدة، متقاربة في أصلها ومتماثلة في جوهرها.
يرجع ويبر أعمال ستاندال إلى موضوعاتية واحدة، هي موضوعاتية العضة La
morsure ومن خلالها راح يثبت مدى صحة فرضياته المنهجية وجدوى أدواتها الإجرائية التي تستنبط من الذكريات الطفولية التي ترتد إليها مجموع أعمال الكاتب الإبداعية؛ لأنه سيظل أسيرا لها، ومفتونا بتأثيرها وبهواجسها التي تسيطر على تفكيرهوتهميمن على إبداعه وتخيم عليه بطريقة شعورية أو لا شعورية. إنها موضوعاتية الأثر الأدبي الواحدة المتعددة، المعدلة رمزيا واستعاريا وتضمينيا، والتي تجمع أواصره وتشد خيوطه وتنتظم نسيجه البنيوي والدلالي ككل.
إن موضوعاتية العضة التي تحكم مجموع أعمال ستاندال –حسب ويبر-تعود إلى تلك الحادثة -التي ذكرها ستاندال في كتابه "حياة هنري برولار-" التي وقعت له في مرحلة طفولته وهو طفل صغير، لا يتعدى عمره الثلاث سنوات، عندما طلبت منه
-بإلحاح- السيدة )بيسون دي غالوند( زوجة ابن عمه )فرانسوا بيسون دي غالوند(
–وهي جالسة وسط المرج والأزهار- تقبيلها على خدها فأثار غضبه اللون الأحمر،
فقام بعضها على خدها فأصيبت بخدوش وجروح أدت إلى تشوه وجهها.
لقد شكلت هذه الحادثة الأولى )موضوعاتية العضة( الذي تمتد إلى مرحلة مبكرة في مرحلة الطفولة من حياة هنري برولار )ثلاث سنوات( الجذوة الأولى أو الشرارة التي انبنى عليها عالم ستاندال الأدبي، حيث يرى ويبر بأنها ستسهم باستمرار في تشكيل موضوعاتيات أخرى متفرعة عنها، وسيبلغ صداها في موضوعاتيات معدلة منها، "موضوعاتية السكين" التي يستحضر من خلالها السارد حادثة موضوعاتية العضة مواصلا قصة حياته قائلا: "لقد قطفت مجموعة من الأعشاب
(joncs)، دائما فوق بقعة )دو البون...( وعند العودة إلى البيت حيث توجد به نافذة في الطابق الأول تطل على الشارع الكبير عند زاوية ساحة )غرينات(، أخذت اصنع حديقة بتقطيع تلك الأعشاب قطعا بطول الاصبعين، والتي كنت أرتبها في الشرفة على امتداد ساقية مياه الأمطار. ففلت من يدي سكين المطبخ الذي كنت أستعمله في هذه اللعبة من علو عشرة أقدام وسقط في الشارع قرب سيدة هي شينيفاز
(Chenevaz)، أو على هذه السيدة بالذات. إنها سيدة شريرة. لا تضاهيها في ذلك أية امرأة في المدينة...عمتي سيرافي قالت إنني كنت اريد أن أقتل السيدة سينيفاز، وكذا اعتبروني صاحب مزاج رهيب. وبخني جدي الممتاز السيد )غانيون( M.Gagnon، وحتى عمتي الكبرى الممتازة ذات المزاج الغسباني المتعالي الآنسة
)إلزابات غانيون( Gagnon Elizabeth وبختني كذلك. كنت ثائرا. وكان عمري حوالي أربع سنوات، وعلى أبعد تقدير لم أكن تجاوزت سن الخامسة. "
كذا تكون موضوعاتية السكين تعديلا أوليا لموضوعاتية العضة بدون وعي من ستاندال، ذلك لأنه وإن حصل بعض الاختلاف والتحوير الذي مس الموضوعاتية المركزية، فإن عدم التطابق الحرفي ليس إلا عملية فنية واستعارية، مما جعل ويبر يحكم على الحادثتين )العضة والسكين( بالتطابق والتشابه، والدليل على ذلك –في نظره- هو محافظة الحادثة الثانية )السكين( على جميع عناصر الموضوعاتية الأساسية من أحداث وشخصيات وأمكنة. وفي هذا الصدد يسوق الباحث محمد السعيد عبدلي انطلاقا من ويبر بعض أوجه التشابه والتطابق بين الحادثتين أو الذكريين )الأصلية والفرعية( كالآتي:
-1الحدثان في الأصل هما اعتداء.
-2الضحية هي امرأة في كل من الاعتداءين. -3الحدثان غير مبررين في الحالتين، المفاجآت كبيرة.
-4الذكرى السابقة في الحالتين هي باقة أزهار، في الذكرى الأولى الذكرى الثانية قطف مجموعة من الأعشاب
-5إطار الحدث كان حقلا في كلا الحالتين: واقعي وحاضر في الحادثة الأولى، مصنوع في شكل حديقة من الأعشاب التي تم إحضارها من ذلك الحقل بالذات في بداية الاعتداء الثاني.
-6الاعتداء الأول يكون قد ترك بدون شك علامة في وجه المرأة الشابة، كأن تكون هذه العلامة بقعة زرقاء، وفي الاعتداء الثاني المتمثل في السكين الساقط على المرأة، كان يمكن للسكين أن يجرحها بسهولة، أو على الأقل يخدشها، وهكذا ففي الحالتين يوجد احتمال إحداث علامة )حقيقية أو مفترضة، خدش أو بقعة زرقاء.(
-7وفي الأخير كان الاعتداءان سببا في كل مرة لظهور تعليقات جارحة، وردود فعل عدائية تجاه الراوي.
من هذا المنطلق، تظهر جليا عدة أوجه للتشابه أو التطابق بين الحادثتين، الأولى متمثلة في الموضوعاتية المحورية )العضة(، والثانية مجسدة في موضوعاتية السكين؛ إذ تتمظهر حادثة السكين في صورة معدلة فقط؛ لأنها منبثقة عن أصل واحد هو موضوعاتية العضة، لتكتمل عناصر هذا التشابه وتتعاضد وتترابط على نحو قد يصل إلى درجة التطابق بين كل عنصر من الحادثتين.
ننتهي أخيرا إلى تحديد أهم الخطوات المنهجية التي وضعها ويبر من أجل استكشاف الموضوعاتية المهيمنة والإمساك بها في مجمل الآثار الأدبية لأديب أو كاتب ما، وقد أجملها في أربعة نقاط كالآتي:
-1البحث في مرحلة الطفولة عن الذكريات الواضحة والدقيقة، ثم مقارنتها فيما بعد بالأعمال المختلفة للمؤلف.
-2البحث عن النصوص البسيطة التي تحمل دلالات رمزية أولية لموضوع ما.
-3الكشف عن الإلحاحات اللسانية )اللغوية( والأسلوبية للمؤلف، ثم السعي إلى إرجاع هذه الإلحاحات إلى ذكرى من ذكريات الطفولة التي تم التعرف عليها من قبل، أو ما تزال بعد في مستوى الافتراض.
-4وفي النهاية القيام بمسح شامل للعمل–أو الأعمال-في محاولة لاختزاله أو إرجاعه كله، إن أمكن، إلى الموضوعاتية المقترحة.