الخطوط العريضة للقسم

  •  

    المحاضرةالثالثة: آليات المقاربة الموضوعاتية1

    تمهيد:

    تنهض المقاربة الموضوعاتية على مجموعة من الآليات المنهجية، والأسس النظرية والتطبيقية التي تقود إلى الإمساك بالتيمات الأساسية المهيمنة في العمل الأدبي، وقد حصر هذه الآليات والأسس الناقد المغربي جميل حمداوي في المبادئ التنظيمية التالية:

    -قراءة النص قراءة عميقة ومنفتحة.

    -الانتقال من القراءة الصغرى إلى القراءة الكبرى.

    -تحديد مكونات النص المناصية والمرجعية.

    -التأرجح بين القراءة الذاتية والقراءة الموضوعية.

    -البحث عن التيمات الأساسية، والبنيات الدلالية المحورية، والموضوعات المتكررة في النص الإبداعي.

    -جرد هذه التيمات، واستخلاص الصور المتواترة في سياقها النصي والذهني والجمالي.

    -تشغيل المستوى الدلالي برصد الحقول الدلالية، وإحصاء الكلمات المعجمية، والمفردات المتواترة.

    - توسيع الشبكة الدلالية لهذه التيمات المرصودة دلاليا فهما وتفسيرا.

    -رصد الأفعال المحركة والمولدة للمعاني في سياقاتها الصوتية والإيقاعية والصرفية والتركيبية والتداولية، مع دراسة دلالاتها الحرفية والمجازية، واستنطاقها فهما وتأويلا.

    -الانتقال من الداخل النصي إلى التأويل الخارجي، والعكس صحيح أيضا.

    -دراسة الموضوع المعطى من أجل البلوغ إلى الجانب الحسي في الأثر الأدبي، أو الوصول إلى البنية الموضوعية المهيمنة للعمل الإبداعي.

    -حصر العناصر التي تتكرر بكثرة، وبشكل لافت، في نسيج العمل الأدبي.

    -تحليل العناصر التي تم حصرها ورصدها اطرادا وتواترا )الاهتمام بالمعنى السياقي.(

    -المقارنة بين الظواهر الدلالية والمعجمية والبلاغية تآلفا واختلافا.

     -جمع النتائج التي تم تحليلها لقراءتها تفسيرا وتأويلا واستنتاجا.

    -ربط الدلالات الواعية وغير الواعية بصورة المبدع الذاتية والموضوعية.

    وأما بالنسبة لثوابته المفاهيمية ومقولاته الجوهرية؛ فيجملها الباحثان عبد الكريم حسن ويوسف وغليسي في العناصر الآتية:

    -1الموضوع:

    يعد الموضوع مبدأ أساسيا تلتقي عنده جميع المفاهيم التي تؤسس للمنهج الموضوعاتي، لكنه يبقى مفهوما إشكاليا ونسبيا يستعصي على الضبط والتحديد، فهو مفهوم مختلف من ناقد إلى آخر وحسب توجه وأفكار كل واحد منهم أيضا، ولذلك لا يمكن وضع تعريف دقيق له، ولعل هذا الإشكال ناجم عن صعوبة إيجاد تعريف دقيق كذلك للنقد الموضوعاتي في حد ذاته، كما رأينا سابقا. وعلى الرغم من ذلك فيمكننا أن نقتصر على التعريف الذي وضعه له جون بيار ريشار، الذي يرى أن "الموضوع مبدأ تنظيمي محسوس، أو ديناميكية داخلية، أو شيء ثابت يسمح لعالم حوله بالتشكل والامتداد. والنقطة المهة في هذا المبدأ تكمن في تلك القرابة السرية؛ في ذلك التطابق الخفي والذي يراد الكشف عنه تحت أستار عديدة."

       ذهب ريشار في نطاق تمييزه بين مفهوم الموضوع والموضوعاتية إلى القول بأنه ":يجب التفريق في قاموس النقد الجذري بين الفكرة الرئيسية والجذر. الفكرة الرئيسية هي كل عنصر لغوي يعود بإلحاح في الأثر الأدبي. إنها متعلقة بمفردات اللغة ومصطلحاتها. أما الجذر فإنه يختلف عن الفكرة الرئيسية ومجموعة التماعاتها ورموزها وجزئياتها." إضافة إلى ذلك، ومن أجل توضيح هذه الفروق راح يقدم مثالين: الأول عن أدب الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، والثاني عن أدب الشاعر الفرنسي ألفرد دوفيني، إذ يقول: "الحشرة فكرة رئسية عند لوركا، وباستطاعة الناقد أن يضع جدولا بالنصوص التي تشتمل على هذه المفردة ويرسم حدود مضمونها ودلالتها. أما الجذر فهو التنويعات الضمنية لها، مثل: الحرير، الشرنقة، الطبيعة، ورموز المواسم والعطاء والزمن المتجدد والمتآكل. والطير فكرة رئيسية عند ألفرد دوفيني، لكن مشتقاتها مثل: الإنسان العاشق، الهائم، والنازف، تشكل جذورا لوحدة دلالية تشير إلى عقدة أوديبية تتحكم في الشاعر." 

    من هذا المنطلق يكون الموضوع هدفا أساسيا ونقطة مركزية ومحورية في منهج النقد الموضوعاتي.

    -2الدال والمدلول أو شكل المضمون:

    إذا كانت هذه الثنائية ترجع إلى سوسير لكن الطرح الذي تأثر به رواد النقد الموضوعاتي يتعلق بالتصور الذي وضعه يالميسليف متجاوزا الفهم السوسيري الذي يرى بأن اللغة شكل وليست مادة، لكن يالميسليف يقترح تصورا رباعيا يفصل بين محوري التعبير والمحتوى: )شكل التعبير ومادة التعبير/ شكل المضمون ومادة المضمون.( وعلى هذا الأساس أفضى شكل المضمون إلى تبلوره إجراء أساسيا، وأداة منهجية في معاينة الموضوع واستكشافه في البنيات الأدبية والنصية، ولا سيما عند ريشار الذي عول على هذا المفهوم كثيرا في دراساته وأبحاثه المختلفة، التي تنطلق في  "استنباط  الموضوع  من  شكله  اللغوي"  أو  ما  اصطلح  عليه  "شكل المضمون" وهو التصور الذي اعتمده م.كولو في تمييز "مضمون الموضوع وشكله."  

    3-التركيز على البنية: يركز الناقدون الموضوعاتيون وبالأخص منهم ريشار على مفهوم البنية الذي يؤكد أن القراءة الموضوعاتية معناها التساؤل عن البينة الخاصة المميزة للعمل الإبداعي، وإلى جانب البنية يستعمل مصطلحات مجاورة من قبيل: الهيكل، المعمارية، البنية الخفية، التشاكل، الرؤيا المو ِّ˘حدة، الرؤيا الكلية...وغيرها، وكل ذلك من أجل التوصل إلى إدراك العلاقة بين الشكل والمضمون.

    -4مفهوم العمق:

    يميز ريشار بين نوعين من المعنى، المعنى الظاهري والمعنى الخفي أو العميق، ومهمة النقد الموضوعاتي هي البحث عن المعنى الخفي للعمل الإبداعي؛ لذلك كلما أوغل النص في الغموض والعمق، يتوجب مع ذلك عمق في القراءة النقدية، وكي يتمكن النقد الموضوعاتي من الوصول إلى هذا العمق المكنون والمتشظي في الأعمال الإبداعية ينبغي استيعاب المفاهيم الثلاثة الأساسية على حسب ريشار وهي: المشروع الأدبي أو النقدي، والقصدية والوعي.

    -5مفهوم المعنى:

    الوصول إلى المعنى في النقد الموضوعاتي ليس عملية تأويلية أو تفسيرية وإنما هو عملية وصفية شاملة قائمة على الجرد والإحصاء والتنضيد والتصنيف؛ أي وصف المعنى من خلال تنظيم وترتيب العناصر المشتركة والمتآلفة والمنسجمة في حقل واحد، بهدف تحقيق التجانس الموضوعي الناتج عن انتظام مجموعة من العناصر واتساقها في نظام ومقولات معنوية وموضوعية.

    -6مفهوم الخيال:

    يشكل الخيال مفهوما مركزيا ودعامة أساسية في تشييد صرح النقد الموضوعاتي، ويلتقي الخيال مع مفاهيم الحلم والإحساس والصور والفكر التي يستند إليها الأديب في بناء عالمه الإبداعي، وفي تشكيل موضوعاته ومراكمتها.

    7-القرابة السردية:

    يعد عنصر القرابة السرية، أو العائلة اللغوية بتعبير عبد الكريم حسن، من أهم المفاهيم التي يقوم عليها مفهوم المقاربة الموضوعاتية، ولاسيما عند جون بيار ريشار؛ الذي نلفيه يعول عليه كثيرا لدى تعريفه للموضوعاتية، إذ يقول: "الموضوع مبدأ تنظيمي محسوس...والنقطة المهمة في هذا المبدأ تكمن في تلك القرابة السرية، في ذلك التطابق الخفي، الذي يراد الكشف عنه تحت أستار عديدة."

    انطلاقا من هذا التعريف يبدو أن مسألة الكشف عن القرابة السرية داخل النصوص الأدبية متعلقة بالدرجة الأولى بإدراك العلاقات الخفية التي تربط بين الوحدات النصية، وبالتوغل في أعماق هذه النصوص وتتبع خيوطها الرفيعة التي تبني نسيجها ونظامها الداخلي والموضوعي، إذ لا يتوقف العمل على مجرد استيعاب مضمونها الفكري الظاهري السطحي والمباشر، وإنما انطلاقا من عملية الربط بين مختلف تجارب المبدع والكاتب التي تتعالق وتتصادى وتتردد بين 

    ما ينتجه من نصوص. إنها بكل بساطة تجربته في الحياة متجلية في وعيه وفي عالمه الخيالي، وفي مجموع نتاجاته الفنية والأدبية التي تجمعها صلات عضوية وثقى، ويوحدها خيط القرابة السرية. يقول ريشار":لا يمكن أن يوجد انفصال بين التجارب المتنوعة للإنسان الواحد، سواء تعلق الأمر بالحب، بالذكرى، بالحياة الحسية، أو بالحياة الفكرية. فالمجالات التي تبدو أكثر انفصالا عن بعضها بعضا تحتوي بداخله على الأشكال نفسها."

    -8التعديلات الموضوعاتية:

    تقوم النصوص الأدبية وتتشكل بنيتها على التعديلات التي تنتجها الموضوعاتية بشكل مستمر؛ ذلك لأن أي موضوعاتية إلا وتشكل نواة ينبثق منها النص الأدبي؛ إذ تفضي التعديلات إلى بلورة مشاهد مشابهة ومماثلة بفعل التحولات والتعديلات الطارئة على الموضوعاتية المركزية. ولئن كانت هذه المشاهد المتولدة تبدو مختلفة ومغايرة إلا أنها تكون متقاربة في جوهرها وعمقها؛ ولأنها تعود إلى أصل واحد في النهاية هو الموضوعاتية الأساسية. يقول ويبر: "نعني بالتعديلات كل تماثل بالموضوع؛ وبتعبير آخر، التعديل هو الموضوع في صورة رمزية... [ويقول أيضا] كل موضوع يمكن أن يتنوع أو يتعدل حسب شبه مفضل، ثم يصبح هذا الشبه نفسه موضوعا لتشكيل ميدان آخر من التعديلات غير المباشرة في علاقتها مع الموضوع الأساسي الأول."

    إلى جانب هذه العناصر يضيف يوسف وغليسي بعض الثوابت والخصائص المميزة للنقد الموضوعاتي، وهي: مركزية الذات وتسلطها في هذا الحقل النقدي، وحرية المدخل، والممارسة الانطباعية، وأخيرا خاصية ملاءمته لنقد الشعر، وصلاحية إجراء أدواته النقدية عليه، لكونه حقلا خصبا ومجالا حيويا للدراسة النقدية الموضوعاتية.