Résumé de section

  • نظريات نشأة اللغة

     

    1-        نظرية الوحي والإلهام (التوقيفية):

        يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة هبة من الله تعالى، ولا شأن للإنسان بوضعها ، وأوّل من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس الذي رأى أن الأسماء تدل على مُسمّياتها بالطبيعة لا بالتواطؤ والاصطلاح، وأن هذه الأسماء قد أعُطيت من لدن قوّة إلهيّة لتكون أسماء لمسمَّياتها.

        واستمرّت هذه النظرية في العصور الوسطى، ولاقت قبولاً عند رجال الدين، ولم تعد براهين هذه النظرية تعتمد على الأدلّة العقليّة والفلسفيّة فحسب؛ بل أضحت تستمدّ شرعيتها من الكتب السماويّة (الإنجيل والتوراة)، من ذلك الجملة التي وردت في صدر إنجيل يوحنّا : ( في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله.

        واستمرّت هذه النظريّة بعد ظهور الإسلام، بل ازدادت قوّة بفضل آية قرآنيّة رأى معظم المفسرين أنها دليل على توقيفيّة اللغة ، وهي قوله تعالى : (وعلّم آدم الأسماء كلّها)، وتابع عدد من علماء العربية المفسرين فيما ذهبوا إليه من القول بتوقيفيّة اللغة، منطلقين في ذلك من الآية القرآنيّة ذاتها، وأهمهم : ابن دريد في كتابه الاشتقاق، وابن فارس في كتابيه : الصاحبي في فقه اللغة، ومعجم مقاييس اللغة.

        أمّا في العصر الحديث فقد انحسرت هذه النظرية نوعاً ما، إلاّ أنها لم تندثر نهائياً، ففي القرن الثامن عشر نادى بها المفكر الفرنسي دي بونالد، الذي رأى أن اللغة ليست تواطئيّة من خلق الإرادة البشرية فالناس لم يتفقوا فيما بينهم على أن يكون ثمّة لغة فكان هناك لغة، فالإنسان لا يقدر على خلق شيء ما لم يكن لديه فكرة صريحة عنه، ولكي يحصل على هذه الفكرة الصريحة ينبغي له أن يعبّر عنها، إذن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها، مما يفيد أن اللغة ليست من عمل القوى البشرية، إنها من لدن الله.

        والحق أن ما ذهب إليه دي بونالد بقوله : (إن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها ) ليس فتحاً جديداً، فقد سبقه إليه السيوطي بقوله في كتابه المزهر : لو كانت اللغات اصطلاحيّة لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة يعود إليه الكلام.

        وبعد هذا العرض السريع لتاريخ هذه النظرية؛ يجدر بنا الوقوف عند قوله تعالى : (وعلّم آدم الأسماء كلّها) .

        إن معظم المفسرين ذهب إلى أن اللغة توقيفيّة، ودليل توقيفيتها هو هذه الآية ، وأخذ كلٌّ منهم يفسرها بالشكل الذي يجعل من توقيفيّة اللغة أمراً لا محيد عنه، وتعدّدت الآراء وتشعبت في ماهيّة هذه الأسماء، فابن جني يرى أن الله سبحانه علّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات العربية والفارسيّة والسريانيّة والعبرانيّة والروميّة وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثمّ إن ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كلٌّ منهم بلغة من تلك اللغات، فغلبت عليه واضمحلّ عنها ما سواها لبعد عهدهم بها.

        وذهب بعض المفسرين إلى أنّه علمه أسماء ذريته، وبعضهم الآخر إلى أنّه علمه أسماء النجوم، وبعضهم إلى أنه علمه أسماء الملائكة، وبعضهم إلى أنه علمه أسماءه الحسنى.

     

     2- نظرية المحاكاة:

        ملخص هذه النظرية أن اللغة نشأت عن محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة المحيطة به، وأقدم الأقوال التي وصلتنا حول هذه النظرية كانت للفراهيدي وتلميذه سيبويه، فقد نقل لنا ابن جني في الخصائص ما نصّه: ( قال الخليل كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدّاً، فقالوا: صرّ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً، فقالوا: صرصر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على فَعَلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو: النقزان والغليان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال، وقَبِل ابن جني بهذا الرأي ورجحه بقوله: وذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوِيّ الريح وحنينِ الرعد وخرِير الماء وشحِيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزِيبِ الظبي ونحو ذلك ثم ولدتِ اللغات عن ذلك فيما بعد وهذا عندي وجه صالح ومذهب مُتقبَّل.

        وتابعت هذه النظرية ظهورها في العصور الحديثة، فتبنّى العالم ( وايتني ) ما ذهب إليه ابن جنّي بحرفيته تقريباً، إذ رأى ( أن اللغة نشأت عن طريق محاكاة الإنسان للأصوات الطبيعية التي كان يسمعها حوله، وبالغ بعضهم في قيمة هذه النظرية كعبد الله العلايلي ( الذي يزعم أن كلّ حرف من حروف الأبجدية العربية يدلّ على معنى خاصّ، وأنّه إذا عرفت معاني الحروف أمكن معرفة معنى الكلمة العربية ولو لم تكن معروفة من قبل، ثمّ يمضي فيجعل لهذه الحروف معاني فلسفيّة لا نظنّ أنها خطرت يوماً على قلب الإنسان العربي القديم.

        والحقّ أن هذه النظرية فيها من المبالغة ما يجاوز حدّ المعقول، فلو كانت اللغة بكاملها محاكاة للطبيعة لما تعدّدت لغات العالم،ولَكان للعالم لغةٌ واحدة لا غير.

        إلاّ أن هذه النظرية تحمل شيئاً من الصواب، فبعض الألفاظ تُعد صدىً لأصوات الطبيعة كالحفيف والخرير والزفير والصهيل والعواء، كما أن بعض الألفاظ قد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدلالات في بعض الحالات النفسيّة، كالكلمات التي تعبّر عن الغضب أو النفور أو الكره، كما أنّه غدا معروفاً في العربية أن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، وهذا ما أشار إليه سيبويه والخليل آنفاً.

     

    3-  نظرية المواضعة والاصطلاح :

        يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة اصطلاح وتواضع يتمّ بين أفراد المجتمع، ومن ثمّ ليس لألفاظ اللغة أيّة علاقة بمسمياتها.

        وأوّل من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني ديمقريطس الذي عدّ مَنشَأ اللغة عملية تواطئيّة؛ لأن الاسم الواحد ذاته كثيراً ما يقبل عدّة مسميات، ولأنّ الشيء الواحد كثيراً ما يقبل عدّة أسماء أو قد يتبدّل اسمه ولا يتبدّل هو، وتوسعاً بهذا المبدأ انتهى ديمقريطس إلى القول بأن الأسماء تُعطى للأشياء من لدن الإنسان لا من لدن قوّة إلهيّة.

        وعلى الرغم من سيطرة النظرة الدينية التوقيفيّة في المجتمع الإسلامي؛ فإن ذلك لم يمنع بعض اللغويين العرب من القول بالاصطلاح، وهذا ما يبدو جلياً من خلال قول ابن جنّي في الخصائص: ( أكثـر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف.

        وتابعت هذه النظرية في العصور الحديثة استمراريتها، حيث لاقت قبولاً عند الأب الروحي للدراسات اللغوية الحديثة فردينان دي سوسير، فهو يقرّر منذ البداية أن الرابط الجامع بين الدال والمدلول هو اعتباطي، ويبرّر ذلك بقوله: وحجتنا في ذلك إنما هي الاختلافات القائمة بين اللغات ووجود اللغات المختلفة، ولكن دي سوسير ما لبث أن أقرّ بوجود شيء من العلاقة بين الدال والمدلول، إذ يرى أن هناك بعضاً من ملامح الرابط الطبيعي بين الدال والمدلول، ثمّ يرى أن الفرد ليس لديه القدرة على تغيير أي شيء في علامة ما، وذلك عند ثبوتها وتمكنها في مجموعة لغوية.

     

    4-  نظرية الانفعالات الفردية والجماعية

    يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة في بداياتها الأولى قد نشأت بسبب مجموعة انفعالات قام بها الإنسان الأول من خلال مشاعره كالفرح والحزن والألم والتعب وغيرها، إذ عبّر عنها بمجموعة أصوات اعتباطية تحولت فيما بعد إلى أصوات منسجمة كونت جملة من المفردات والجمل فيما بعد، أضف إلى ذلك الانفعالات الجماعية من خلال العمل الجماعي كرفع الصخور والصيد والبناء والهدم وغيرها.

     

    5-  النظرية التوليدية التحويلية

    وهي النظرية التي نادى بها عالم اللغة الأميركي ناعوم جومسكي، إذ يرى أن النحو التوليدي أداة فعالة لتفسير الظواهر اللغوية كحالات الحذف والإضمار والتقديم والتأخير وغيرها، وحالات اللبس التركيبي تشمل البنية العميقة (الذهنية)، وهي مجموعة الخبرات والمعلومات المخزونة في الذهن، والبنية السطحية (الكلام) وهي مجموعة الأصوات والمفردات والتراكيب التي ينطق بها الإنسان.