الخطوط العريضة للقسم

  • يعد المنهج الموضوعاتي منهجا نقديا حديثا في دراسة النصوص الأدبية شعر ونثرا، وقد ظهر هذا المنهج في أوروبا في ستينيات القرن الماضي، أما في الوطن العربي فقد ظهر ظهورا محتشما ومتأخرا بما يفوق عقدا من الزمن. وهو بذلك يسعى إلى الإمساك بتلابيب الموضوعاتية المهيمنة في النص الأدبي انطلاقا من مجموعة من الآليات والمداخل الحرة؛ ذلك بالنظر إلى امتداد النقد الموضوعاتي وتداخله مع حقول معرفية ونقدية متنوعة، ومن أجل ذلك وجد المختصون صعوبة كبيرة في إيجاد تعريف دقيق له، أو حصره في آليات إجرائية محددة وصارمة. ولعل ذلك ما حمل جون بول ويبر إلى الصدع بالقول: "احذروا الموضوع:  au thème Attention

          وتجدر الإشارة هنا إلى الالتباس الحاصل بين تعريف الموضوع  Themeوالموضوعاتية Thématique، هذه الأخيرة التي تشكل مدار اشتغال النقد الموضوعاتي:

    أما الموضوع فيعرفه جان بيار ريشاربأنه "مبدأ تنظيمي محسوس، أو ديناميكية داخلية، أو شيء ثابت يسمح لعالم حوله بالتشكل والامتداد. والنقطة المهlة في هذا المبدأ تكمن في تلك القرابة السردية؛ في ذلك التطابق الخفي والذي يراد الكشف عنه تحت أستار عديدة. "

    وانطلاقا من تعريف ريشار، وبشكل ملتبس بين الموضوع والنقد الموضوعاتي يقول سعيد علوش: " ...وبذلك يصبح مفهوم الموضوعاتي في الحقلين العربي والغربي، هو التردد المستمر لفكرة، أو صورة ما، فيما يشبه لازمة أساسية وجوهرية، تتخذ شكل مبدأ تنظيمي ومحسوس، أو دينامية داخلية، أو شيء ثابت، يسمح للعالم المصغر بالتشكل أو الامتداد.

    وأما بالنسبة للنقد الموضوعاتي فيعرفه ميشال كولو بأن "الموضوعاتية تسعى إلى إبراز المعنى المضمر للعمل الأدبي. هذا المعنى غير معطى، ولكن يمكن إعادة تشكيله انطلاقا من النص، وفقا لمنطق يظل محايثا ولا يتعارض مع معناه الظاهر. "

    أما بول آرون فيرى في معجم المصطلحات الأدبية الذي ترجمه محمد حمود أن هذا المنهج يقوم على "تخصيص لمفهوم الموضوع بالذات، وبحسب الفكرة التي يقيم فيها الوعي علاقة بين الموضوع والعالم الذي يندرج فيه، يستطيع النقد وصف كيفية الوجود في عالم الأديب الخاص، بفهمه للواقع كما يظهره النص (...) يقوم النقد الموضوعاتي بالكشف عن خرائطية شاملة بواسطة الخيال، كما مارسه هؤلاء الأدباء.

    وعلى الرغم من هذه المحاولات الساعية إلى ضبط المقاربة الموضوعاتية وإيجاد تعريف لها، إلا أنه يظل منهجا بلا هوية ومنهجية واضحة، أو ميدانا نقديا هلاميا تتداخل فيه مختلف الرؤى الفلسفية والمناهج النقدية )الظاهراتية والتأويلية والبنيوية والنفسانية(... التي تتضافر مجتمعة من أجل التقاط الموضوعاتية المهيمنة داخل النصوص الأدبية، وفي التحامها بالتراكيب اللغوية المشكلة لها. وبهذا المعنى تتأسس  الموضوعاتية  هدفا  وغاية  بالنسبة  لمنهج  النقد  الموضوعاتي  ذلك  لأن الموضوعاتية تعيش في كامل النص الأدبي، بل كثيرا ما تحيا في جميع أعمال الكاتب الواحد، ببنيات فنية متنوعة وموضوعات مختلفة؛ ذلك لأنه مادامت تصدر عن مؤلف واحد، فهي ترتبط فيما بينها بعلاقات فنية قوية وعميقة، كقوة وعمق علاقات الدم التي تربط بين الإخوة. ومن هنا ندرك مدى صدق كثير من الأدباء لما يصرحون بأنهم مهما تعددت أعمالهم الإبداعية وتنوعت، فهم لا يكتبون في نهاية الأمر سوى عمل إبداعي واحد. "

    أخيرا يمكننا الخلوص إلى أن "المنهج الموضوعاتي  عموما،  منهج يلاحق موضوعات الأثر الأدبي وتفرعاتها الموضوعاتية، بطرائق إجرائية مختلفة من ناقد إلى  آخر،  لإدراك  العالم  التخيلي  لأديب  في  اتصاله  بوعيه  الذاتي"

     وأن الموضوعاتية هي النواة أو الخلية الأساسية التي تلد النص أو تخلقه بفضل نموها وتوسعها على أساس تعديلاتها المتتابعة حتى يبلغ النص تمام خلقته واكتماله.3" غير أن أهم تعريف وضع للنقد الموضوعاتي -رغم طبيعته الإشكالية وعوالمه العصية على الضبط والتحديد- هو التعريف الذي وضعه "معجم آداب اللغة الفرنسية"، وأشاد به الباحث "محمد السعيد عبدلي"، حيث جاء فيه: ..."يقف النقد الموضوعاتي ليفتح طريقا ثالثا يدرس فيه: الصور، الأفكار، والعلاقات الشكلية والدلالية في الآن نفسه التي تتكرر في نص ما، أو مجموعة من النصوص، والتي يعتقد أنها أساسية لفهم تلك النصوص أو شرحها. ولهذا السبب سميت موضوعات.

     ويكون الموضوع في هذا النقد كالخلية الأصلية، أو المصدر الأول الذي تتوالد منه خطوط وملامح متعددة ومتنوعة، تبدو متباينة ومتباعدة عن بعضها، ولكن التعرف على أضوائها وألوانها يسمح بالكشف عن أصلها العائلي المشترك الذي تستمد منه جميعا وجودها. "

               ولما كان النقد الموضوعاتي بهذه الأهمية أشاد به وأثنى عليه كثيرا الناقد الفرنسي الشهير "جيرار جيينيت" قائلا: "لا شيء في الحقل الأدبي تعلمت منه أكثر مما تعلمت من الدراسات التي أنجزها النقد الموضوعاتي، وانطلاقا منها رحت أبحث عن تطوير النقد، وهو تطوير قد يبدو الآن قد أدار ظهره لنقطة انطلاقه، لكن يبقى دائما أن النقد الموضوعاتي هو الذي علمنا كيف نقرأ، لأننا قبله كنا ربما ننجز أشياء مهمة، لكننا لم نكن نقرأ النصوص قراءة حقيقية. "

    ولعل ذلك ما دفع بالباحث محمد السعيد عبدلي في دراسته لعالم كاتب ياسين الأدبي إلى إعادة النظر في مهمة النقد الأدبي كما حددها جيرار جينيت في كتابه أطراس" .palimpsestes فإذا كان جينيت يرى أن مهمة النقد الأدبي تتحدد في الكشف عن شاعرية النص الأدبي في حالته الانفرادية، فإن عبدلي يرى أن "هذا التحديد لمهمة النقد تتجاوزه هذه الدراسة، أو بالأحرى يتجاوزه النقد الموضوعاتي الذي تعمل هذه الدراسة وفق إجراءاته. وحتى تنسجم هذه الدراسة مع مهمة النقد الموضوعاتي التي تتجاوز المهمة التي أسندها جينيت للنقد، ينبغي إعادة تحديد هذه المهمة بشكل أوسع وأشمل لتصبح حسب الصيغة الآتية: مهمة النقد هي الكشف عن شاعرية نصوص كاتب ما في حالاتها الانفرادية. وما يدفع إلى هذا التحديد الموسع هو طبيعة الموضوعاتية الأساسية نفسها التي تتجاوز النص الواحد لمؤلف ما إلى جميع نصوصه، أو إلى نسبة هامة منها على الأقل؛ حسب ما جاء في دراسة جون بول ويبر لأعمال ستاندال بالخصوص، التي بين أنها تنبثق من موضوعاتية العضة، وحسب ما سنرى أيضا مع أعمال كاتب ياسين التي تنبثق بدورها من موضوعاتية واحدة. "

    بهذا تتضح الآفاق الرحبة للنقد الموضوعاتي والمجالات الواسعة والفضاءات لفسيحة التي يشتغل في نطاقها، ذلك لأنه لا يعول على النص الواحد لدى الكاتب الواحد، بل تتحدد اهتماماته في دراسة المدونة الأدبية كاملة وفي شموليتها لدى الكاتب الواحد حتى تكون النتائج دقيقة والأحكام سليمة، وتكون مهمة الإمساك بموضوعاتية الأديب في حالتها الانفرادية المتكررة والمتواترة في جميع أعماله، أمرا ميسورا وهدفا ممكن التحقق.

     

    المصادر والمراجع:

    يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري)بحث في ثوابت المنهج وتحولاته العربية ومحاولات لتطبيقه(، دار جسور للنشر والتوزيع، الج ازئر، ط1،

    .2017

     

    - يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري )كلام المنهج..فعل

     

    الكلام(، دار الريحانة للكتاب، الج ازئر، .2007

     

    -محمد السعيد عبدلي، المنهج الموضوعاتي في النقد الأدبي: أسسه وإج ارءاته،

     

    دار التنوير، الج ازئر، .2020

     

    -محمد عبدلي، عالم كاتب ياسين الأدبي، دار القصبة للنشر، الج ازئر، .2009

     

    -عبد الكريم حسن، الموضوعية البنيوية، د ارسة في شعر السياب، المؤسسة

     

    الجامعية للد ارسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، .1983

     

    -عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.

     

    -حميد لحمداني، سحر الموضوع، عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر،

     

    دراسات سال،فاس المغرب، ط2 مزيدة ومنقحة، .2014

     

    -سعيد علوش، النقد الموضوعاتي.

     

    -محمد ع ازم، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي.

     

    -مجلة د ارسات سميائية أدبية لسانية، العدد04، 1990 )د ارسات سال المغرب.(

    -مجلة الموقف الأدبي، ع403، منشورات اتحاد الكتاب العرب.