Section outline

  • جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''

    معهد: اللغة والأدب العربي

       مقياس: النقد الأدبي الحديث           المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية  

                                                                  

                  


      أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث

    أعمال موجهة 14: قضايا نقدية" الصدق الفني، الخيال، الجنس الأدبي

    1.  الجنس الأدبي:

    1.1         أصل الأجناس الأدبيّة L origine des genres litteraires:  

    عرفت الأجناس الأدبيّة بتنوّعها وتعدّدها وذلك حسب مؤلّفها أو بنيتها الفنّيّة والدلاليّة والوظيفيّة والعصر الذي ظهرت فيه، و قد تميّز كلّ جنس بخصائصه وأسسه ومقوّماته التي جعلته يتفرّد عن بقيّة الأجناس الأدبيّة الأخرى، إذ لا يمكن لأديب أو ناقد أن يتغافل عنها باعتبارها معيارا من معايير تصنيف النصوص ودعامته الأساسية في التأليف أو النّقد، إذ يتعذّر على هذا الأخير فهمها وتفسيرها وتفكيكها وتركيبها، إذا لم ينطلق من مكوّناتها       -الأجناس الأدبيّة- التي يرتكز عليها في دراسته وتحليله لها وتقويمها.

    وقد عرفت هذه الأجناس بعدم ثباتها وتحوّلها،" فالأجناس الأدبيّة تأتي من أجناس أدبيّة أخرى، والجنس الجديد هو دائما تحويل لجنس أو لعدّة أجناس أدبيّة قديمة، عن طريق القلب أو الزّخرفة أو التّوليف"، ليفقد طابعه الّذي كان يعدّ جوهريّا فيه قبل ذلك، فقد كانت المسرحيّة في النقد الكلاسيكيّ شعرا، ثمّ صارت في العصر الحديث نثرا، شأنها شأن الملحمة قبل أن تموت في العصر الحديث، فالأدب حسب الدارسين متجدّد لا يستقرّ على حال، وهذا ما أشار إليه أندريه جولزAndre Jolles  الّذي يقول " بأنّ الأشكال الأدبيّة المركّبة تتطوّر من وحدات أبسط..، والأجناس الأوّليّة أو البدائيّة..، بمزجها نصل إلى أجناس أخرى كالأقصوصة، الأسطورة..إلخ"، وهذا ما أكّده شكلوفسكي Shiklovsky وهو أحد الشّكلانيين الروس من خلال تناوله العلاقة التي تجمع بين الأنواع الأدبية البدائية – الأدب الشعبي والشّفهي- وبين الأشكال الأدبية المتطوّرة بقوله: " إنّ الأشكال الأدبيّة ما هي إلاّ تقنين ورفع لأنواع متدنّيّة – دون الأدبيّة-". وأوّل من اعتدّ بالأجناس الأدبيّة أساسا لنقده: أفلاطون الّذي ميّز بين السرد والحوار، فأرسطو الّذي تميّز عمّن سواه بتوفيقه بين الخصائص الفنّيّة وطبيعة الجنس الأدبي من خلال كتابه "فنّ الشّعر" الّذي عدّ الأساس الثابت لنظريّة الأجناس، معتبرا إيّاها كائنات حيّة عضويّة، تتوقّف عن النموّ بمجرّد بلوغها حدّ الكمال والاستقرار، ليعود الفضل لهما في تمييز الأجناس الشّعريّة الأساسيّة والجوهريّة الثّلاثة: الشعر المسرحي حيث يكون فيه الشاعر غائبا ليترك المجال لشخصياته، الشعر الملحمي يؤدّي فيه الشاعر دور المتحدّث، أو يعتمد فيه على الحوار المباشر بلسان شخصياته، والشعر الغنائي الّذي يعكس به الشاعر ذاته وشخصيّته.

    2.1         النظرية الكلاسيكيّة والحديثة ودورهما في التمييز بين الأجناس الأدبية:

     وإذا وقفنا على النظريّة الكلاسيكيّة وقارناها بالنّظريّة الحديثة في تمييزها للأجناس الأدبيّة، نجد أنّ النظريّة الكلاسيكيّة تنظيميّة إرشاديّة، ليست مبنيّة على اختلاف الجنس الأدبي في الطّبيعة والقيمة عن الجنس الآخر فحسب، بل ترى ضرورة الفصل بينهما بعدم المزج بينهما، وهذا المبدأ الشّهير يعرف بنقاء الجنس Genre Tranché، فكلّ جنس أو فنّ إلاّ وله خصائصه، وجانب من اللّذّة الّتي يثيرها في المتلقّي. كما أنّ لهذه النّظريّة تمييزها الاجتماعيّ للأجناس الأدبيّة؛ فالملحمة والمأساة مثلا تتناولان الموضوعات المتعلقة بالملوك والنبلاء، والكوميديا تتناول موضوعات تتعلق بالطبقة الوسطى(أهل المدينة والبرجوازيّة)، أمّا الأدب الهزلي الساخر فهو موجّه للعامّة، كما أنّها تميّز شخوص المسرحيّة- فكل نوع إلاّ وله ما يلازمه في مبدأ اللياقة ( التقاليد الطّبقيّة)-، إضافة إلى ذلك فهي تفرّق بين الأساليب وفنون القول منها الرفيع والمتوسّط والأدنى، حريصة كلّ الحرص على الترتب الهرميّ لهذه الأجناس الّذي نجده يرتكز على مجموعة من العناصر نذكر منها: طبقة الشّخوص، الأسلوب، الطّول، الحجم، وجدّيّة اللّهجة. أمّا نظريّة الأجناس الحديثة فهي نظريّة وصفيّة، لا تضع حدّا للأنواع الممكنة، ولا تضع قواعد للكتّاب، كما أنّها ترى إمكانيّة المزج بين الأنواع التّقليديّة مثل "التراجيكوميديا: المأسملهاة  Rragicomedy. وهذا ما كان من الرومنطيقيّين العرب الّذين  حاولوا "دمج بعض الأجناس الأدبيّة الغربيّة في الجنس الشّعري، فكتب بعضهم في الشّعر القصصي عوض القصّة وهذا كثيرا ما نجده عند خليل مطران، وعند العقاد و أبي شادي وشكري الّذي أقام الدّليل الواضح على هذا الدّمج حين أضاف إلى عنوان قصيدته: الشعر وصورة الكمال (القصّة)، كما أقدم بعضهم على إدخال بعض عناصر الفنّ المسرحي في القصيدة الشّعريّة..، ليصبح النّصّ الشّعريّ حوارا بين طرفين بحسب الدّور المسند إلى كلّ منهما "، وقد لاقت هذه الأجناس الأدبيّة الجديدة القبول من قبل الشّعراء أمثال الشابي وميخائيل نعيمة اللّذان تمثّلاها في قصائدهم.  

       وعليه فقد كان لترجمة الآداب الغربية في القرن التاسع عشر الأثر الكبير على الثّقافة العربية، التي استلهمت من تياراتها الأدبية أجناسا أدبية جديدة منها الرواية القصة والمسرحيّة، " وهي أجناس ما عرفها العرب من قبل أو قل هم ما ألّفوا بمثل ما استقامت به عند الغربيين من أصول ثابتة وقواعد متداولة"[7]. ففي مجال القصّة برز جبران خليل جبران بمؤلّفه "الأرواح المتمرّدة"، وفي مجال المسرح ميخائيل نعيمة"الآباء والبنون" إذ أنّه استطاع أن يجد حلا لمشكلة اللغة المسرحيّة، بأن جعل الشخصيات المتعلمة تتكلم الفصحى وغير المتعلّمة تتكلّم العربيّة الدارجة"، و برز أيضا في مجال الرواية بروايته" مذكرات الأرقش". كما ظهرت أجناس أدبية أخرى تمثّلت في الترجمة الذّاتية التي يفسّر في ضوئها الأدب وسيكولوجيّة الأديب، إذ نجدها "تتحدّد بهويتين اثنتين: هوية الكاتب مع السارد، تلخّصها أداة التّصوير الذّاتي التي تسمح بتمييز السيرة عن السيرة ( البيوغرافيا) أو عن المذكرات، وهوية السارد مع الشخصيّة الرئيسيّة التي تفصل السيرة الذاتية والمذكرات عن الرواية، حتّى لو كانت هذه الأخيرة مستمدة من حياة الكاتب، إنّ هذه الهويّة تفصل إجمالا جميع الأجناس الإحاليّة أو التاريخيّة عن الأجناس التخييليّة". وقد عرفت باسم فن السيرة أو الترجمة الذاتية  "اليوميات، المذكرات و الرسائل"، وهذه الممارسات الإبداعيّة كانت نتيجة لظروف جعلت الأدباء ينصرفون إلى ذواتهم ومجتمعهم، من ذلك مذكرات ورسائل الشابي، إلاّ أن هذه المحاولات لم تبلغ من الكمال والاتساع والتطوّر والنضج الفني ما بلغته الأجناس الغربية مقارنة بالشعر الّذي جاد فيه الشعراء وأبدعوا، وهذا ما عبّر عنه ميخائيل نعيمة في حكمه على قصص جبران خليل جبران بقوله: " كان فنّ القصّة في الأوج عند الفرنجة، وجنينا عندنا أيّام انبرى له جبران، ولكنّ الحياة ما أعدّته لذلك الفنّ، فلم يبدع فيه ولم يحلّق، وأعدّته لفنون أخرى فأبدع فيها وحلّق".

    2.  الصدق الفنّي:

     يعدّ الصّدق الفنّيّ مقياسا من مقاييس النّقد الأدبيّ، وهذا الأخير يعكس صدق التجربة الحيّة عند الأديب بانفعالاته وخلجاته ومشاعره العميقة التي يحسها في نفسه نتيجة تأثره بعوامل ومؤثّرات، ليبعثها في نفس المتلقي ويبثّها فيه، إنّه" ينبعث عن سبب غير زائف ولا مصطنع، حتى يكون عميقا، يهب للأدب قيمة خالدة"، فالأديب لا يستطيع أن" يعرض عواطفه القويّة أو بعثها في نفوس قرّائه دون أن يحسّها في نفسه قويّة، ثمّ يتنفّس عنها بهذا الأدب القويّ التأثير، والشّاعر لا يبكيك إلاّ إذا استنفذ ماء شؤونه، ولا يجيشك إلاّ إذا استطار الهوى بلبه. والعامل الفذّ للظّفر بالسلطان العاطفي على القارئ، هو انبعاث الشّعر والنّثر عن نفس منفعلة صادقة الشّعور". فالشاعر الحقّ هو من يشعر ويشعر على حدّ تعبير العقاد، هو الّذي يعكس بمشاعره وعواطفه القويّة واقعه بمواقفه مستعينا في ذلك بأسلوبه التخييلي الّذي يعبّر به عن الحقيقة، حتى يوقظ به العواطف ويثير به الأفئدة. إنّه تعبير فنيّ يصوّر به" آلام الإنسانية؛ ذلك التّصوير الّذي يعدّ مصدرا خصبا للفضائل النّفسيّة، وللنّصوص الأدبيّة السّامية"، وهذا ما أكّده رسكنRuskin  في تعريفه للشّعر بقوله:" الشّعر هو اقتراح الخيالِ البواعثَ النّبيلة للعواطف النّبيلة". ليعكس بذلك الصدق الفني والعاطفيّ صدق التجربة الوجدانية، التي يعكس بها تجارب الإنسانيّة التي استقاها من محيطه وواقعه الاجتماعيّ بتناقضاته وصراعاته قصد معالجتها.

     ويقصد بالصّدق هنا" تلك الصّفة الّتي تجعل الأديب ينقل إلينا العلائق وما يرتبط بها من مشاعر نقلا أمينا، تتضح فيه بواعثنا البشريّة ونوازعنا الوجدانيّة"، ليبلغ بذلك إحساس المتلقّي" فالفضل لا يرجع إلى القالب أو اللفظ كما يبدو في الظّاهر، وإنّما يرجع إلى القدرة الفنّيّة العامّة الّتي تنبع من الأحاسيس أو المعاني نفسها"  وتتلخص شروط الصدق الفني والعاطفي في مايلي:

    -      أن يلم بنفس الشّاعر، ومبعث هذا الصدق صدق التجربة النفسية الصادقة والموحية التي ينطلق فيها من أحاسيسه، وانفعالاته ومواقفه تجاه الحياة والكون والطبيعة، تجاه الذات المبدعة والذّات الإنسانيّة التي تربط بينهما نفس المواقف.

    -      أن يزيد النصّ جلاء وقربا، لا أن يقف أمام حقائق الكون حجابا، بأن يلتزم بالصدق والاعتدال في التعبير الشعوري وعدم المغالاة فيه، حتى لا يبتعد عن الأسباب الواقعيّة التي أثارها الأديب.  

    -       حدّة التصوير التي تتولّد عن حدّة الشعور وقوّة الإحساس الّتي من شأنها إثارة انفعال المتلقي والتّأثير فيه، لتحركه بالاتجاه الّذي تريد دون أن نشعر يقول شوقي: "إنّ المحكّ  الّذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس، فذلك شعر القشور والطّلاء، وإن كنت تلمح من وراء الحواس شعورا حيّا ووجدانا تعود إليه المحسوسات- كما تعود الأغذية إلى الدّم ونفحات الزّهر إلى عنصر العطر- فذلك شعر الطّبع القويّ والحقيقة الجوهريّة".

    3.  الخيال:

    يعد الخيال من أهمّ عناصر الأدب التي يعبّر بها الأديب عن ثورته وانفعالاته الوجدانيّة، وترجمان تجاربه وأفكاره وخلجاته النفسية التي يثير بها العواطف والأحاسيس، إنّه بالنسبة للشاعر صدى شعره ومشاعره " يصل المادّة بالرّوح، والرّوح بالمادّة، ناقلا التّجربة في الآن ذاته إلى طور التّجسيد..، هو الّذي يحتضن العالم الخارجي بجموده وثباته ومعطياته الدائمة ويبدعه من جديد تحت وطأة الانفعال"، ليفصح به عن خبايا النفس المبدعة ومشاعرها أحاسيسها وكذا أحاسيس النّفس الإنسانيّة. به تثار العواطف وتحرّك الأفئدة وتخاطب العقول،" فالكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان"، ليعكس به قدرته الفنّيّة التي يؤثّر بها في المتلقّي، "فالنّفس الفنّيّة جِبِلّة واحدة تختلف ما تختلف، لكنّها تتفق في المعدن الأصيل الّذي يجمع بينهما عند دقّة الإحساس وحبّ الجمال، وإنّما تختلف من ناحية الحاسّة الّتي تبلّغها رسائل الجمال، والوسيلة الّتي تعبّر بها عمّا يخامرها من إلهاماته وخواطره. فالشّاعر لا يخلو من ملكة الألوان والأشكال والفطنة إلى الحركات والأنغام، والمصوّر لا يخلو من معنى الشّعر وأصداء النّغم التي تراها العين معكوسة على صور الأشياء"، ليكسب بذلك النصوص بعدا إيحائيا جماليا فنّيا من خلال ما يضيفه للمعاني من قوّة بأساليبه الموجزة، وتشخيصه وتجسيد لصوره التي يستقيها من بيئته ووسطه الّذي يعيش فيه. وأوّل من تناول هذه القضيّة النقديّة في العصر الحديث باعتراف من العقاد عبد الرحمـ'ن شكري، الّذي تأثر بنظريّة الخيال الغربية وطبّقها على شعره  مفرقا بينه وبين الوهم في قوله: "إنّ الخيال هو أن يظهر الشّاعر الصّلات بين الأشياء والحقائق، ولا بدّ أن يعبّر عن الحقّ، والوهم هو أن يتوهّم الشّاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود، وهذا الوهم يُغرى به الشّعراء الصّغار ولم يسلم منه الكبار"، وعليه فالخيال مرتبط بالعقل من ناحية والعاطفة من ناحية أخرى، إذ يشترط فيه الصّدق في التعبير وعدم البعد عن الحقائق، حتى يتمكّن المتلقي من فهم تلك الآثار وما تحمله من أبعاد يعكس بها الشاعر واقعه بصوره وألوانه البيانية والبلاغيّة.  

    وقد عدّه العديد من النقّاد أساس الشّعر من بينهم أرسطو الّذي نجده يحدّد مفهوم الشّعر بقوله:" إنّ الابتكار أساس الشّعر، فالشّعر عنده صورة مخترعة يخلقها الشّاعر بقوّة خياله، والوزن عنده شيء إضافيّ يلحق بالصّورة حين يتمّ خلقها في قلب الشّاعر"،  فالشعر حسب رأيه ضرب من التصوير الجميل، يترجم به أفكارا معينة، مستعينا في ذلك بالأخيلية التي تعدّ ملكة تمتلكها الذّات المبدعة؛ لغة العواطف والوجدان. فالشّعر الحقيقي" هو الّذي يحمل للنّاس أبّهة الخيال، فيظهر للنّاس في وحدة جميلة بديعة تسترعي الأنظار وتخلّب الألباب"، وهذا يعكس قدرة الشاعر في جمعه بين العملية الإبداعية والتصوير الفنّي البارع والفريد، الّذي لا يمتلك ناصيته إلاّ المجيد الملهم الذي يمتلك هذه الملكة.