Résumé de section

  •                               جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''

       معهد: اللغة والأدب العربي                                        مقياس: النقد الأدبي الحديث

      أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث                               السنة الثانية ليسانس: دراسات لغوية                   

               تحليل قصيدة محمود سامي البارودي "سِوَايَ بِتَحْنانِ الأغاريدِ يَطْربُ"

    سِوايَ بِتَحنَانِ الأغاريـــــــــــــدِ

    وغَيْري باللّذّاتِ يلْهو ويُعجَــــــــــبُ     تحنان: صوت الطرب

    وما أنا مِمّن تأْسِرُ الخَمْرُ لُبَّـــــه

    ويَملكُ سمعَيْهِ اليراعُ المثقّــــــــــبُ     اليراع المثقب: المزمار

    ولكن أخو همٍّ إذا ما ترجّحـــــت

    بِهِ سَوْرَةٌ نحو العُلا راح يــــــــدأبُ    همّ: العزيمة والإرادة القويّة

    نفى النَّوْمَ عن عيْنيْهِ نفسٌ أبيّــــةٌ

    لها بين أطرافِ الأسٍنّة مطلَــــــــبُ     ترجّحت: مالت واتّجهت

    ومن تكُنِ العلياء همّة نفسِــــــــه

    فكلُّ الّذي يلقاه فيها مُحبّــــــــــــــب     سورة: الوثبة القويّة

    خُلقتُ عيوفا لا أرى لابن حُـــرّةٍ

    لديّ يدا أُغضي لها حين يغضَـــــبُ    عيوفا: أبيّ النّفس

    أسيرُ على نهجٍ يرى النّاسُ غيرَهُ

    لكلّ امرئ فيما يُحاوِلُ مذهـــــــــبُ     يدًا: النّعمة والإحسان

    وإنّي إذا ما الشّكُّ أظلَم ليلُـــــــــهُ

    وأمست به الأحلامُ حيْرى تشعّــــبُ     أغضي: أسكت

    صَدَعْتُ حِفافَيْ طرَّنَيْهِ بِكوْكَـــبٍ

    من الرّأيِ لا يخفى عليه المُغَيَّــــــبُ    حفافي: الجانب/ طرّنيه: طرفيه

    وبَحْرٌ من الهيْجاءِ خُضْتُ عُبابَـهُ

    ولا عاصِمٌ إلاّ الفصيحُ المشطَّــــــبُ    الهيجاء: الحرب

    تَظَلّ بهِ حُمرُ المَنايا وسُودُهــــــا

    حَواَسِرُ في ألوانِها تتقلّـــــــــــــــــبُ    العباب: الموج

    تَوَسّطتُهُ والخيلُ بالخيلِ تلتقـــــي

    وبيضُ الظُّبا في الهمام تبدو وتغرُبُ    الصّفيح: السيف العريض

    فما زِلْتُ حتّى بيّن الكرُّ موقِفــي

    لدى ساعةٍ فيها العقُول  تغيّـــــــــبُ     حواسر: منكشفات

    يَوَدُّ الفتى ما لا يكُونُ طَمَاعَـــــةً

    وَلم يَدْرِ أنّ الدّهْرَ بالنّاسِ قُلَّــــــــبُ     الظّبا: حدّ السّيف والسنان

    وَلَوْ علِمَ الإنسانُ ما فيهِ نفْعُــــــه

    لأبصِر ما يأتي وما يتجنَّــــــــــــبُ      طماعة: طمعا وحرصا

    ولكنّها الأقدارُ تجري بحُكْمِهــــا

    علينا وأمرُ الغيْبِ سِرٌّ مُحجّــــــــب

    نظُنُّ بأنّا قادرون وإنّنـــــــــــــــا

    نُقادُ كما قيد الجنيبُ ونُصْحَــــــــبُ      الجنيب: الفرس تقوده إلى جنبك

    فَرَحمةُ ربٍّ العالمين على امرئ

    أصاب هُداهُ أو دَرى كيف يذهـــبُ       نصحب: نسحب، القدرة عن الناس

              (محمود سامي البارودي: ديوان البارودي، المطبعة الأميريّة، القاهرة،1954، ج1، ص ص30-36).

    التعريف بالشاعر( مولده ، نشأته، أشهر أعماله)

    ولد محمود سامي البارودي سنة 1838 في حيّ باب الخَلْق قي القاهرة، من أسرة جركسيّة ذات جاه ونسب قديم، تنتمي إلى حكام مصر المماليك، والبارودي نسبة إلى بلدة " إيتاي البارود" في البحيرة.

    تيتم وهو في السابعة من عمره، فكفلته أمه وأحضرت له المعلمين، فتعلّم القرآن الكريم وشيئا من الفقه الإسلاميّ ومن التاريخ والحساب والشّعر الّذي كان مولعا بحفظه وإنشاده حتّى صار شاعرا فصيح، عالما بقواعد العربيّة وآدابها إلى جانب اللغة التّركية والفارسيّة.

    التحق البارودي بالمدرسة الحربيّة، وتخرّج منها ضابطا سنة 1854، ترقّى إلى رتبة لواء، وقد خاض المعارك، فاشترك في الثّروة العربيّة. سافر إلى أوروبّا  فصقلت قريحته الأدبيّة، بعد الثّورة نفي إلى جزيرة سرنديب "سري لانكا" حاليّا، فلبث فيها سبعة عشر سنة قال فيها أجود شعره الوجدانيّ الوطنيّ، ولمّا عفا عنه الخديوي عاد إلى مصر، وبقي بها ساكنا هرما حتّى توفّي سنة 1904.

    أعجب البارودي بشعر الحماسة والبطولة، فعكف على دراسة الشّعر القديم، فلقّب بربّ السّيف والقلم. من آثاره: ديوان شعر، وبعض مختارات من الشّعر القديم(مختارات البارودي)، وكتاب (قيد الأوابد)، يتضمّن مختارات من النّثر جمع فيها عيون الخطب والرّسائل القديمة. وفي هذا النّصّ يفتخر البارودي ببطولته وكرامته وعزّة نفسه، فهو ابن بيئته، من خلال شعره استطاع أن يعبّر عن الظروف السياسيّة وحالته النّفسيّة.

    تحليل القصيدة:

      اشتملت هذه القصيدة (البائيّة) على الأسلوب القصصيّ، وهي تعدّ من شعر المعارضات، فنسجها على منوال الشّعر القديم، عارض فيها  قصيدة الكميت بن زيد والشريف الرضيّ فقال:

    سواي بتحنان الأغاريد يطـــرب       وغيري باللّذات يلهو ويلعـــب

     وقال الكميت بن زيد الأسدي:

    طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب       ولا لعباً مني وذو الشيب يلعــب

    وقال الشّريف الرّضي:

    لغير العلا مني القلى والتجنــب        ولولا العلا ما كنت في الحب أطرب

    يشيد الشّاعر في هذه القصيدة بمناقبه، ويعبّر عن ملامح شخصيّته ومذهبه في الحياة، ويفتخر بنفسه من خلال مقارنته بين نظرته للحياة ونظرة الآخرين إليها. فهو ليس من أولئك الّذين تطربهم الأغاني، أو تشغلهم اللّذائذ وتسلب عقولهم الخمرة، فهو رجل المهمّات الصّعبة والهمّة العالية، تهون عليه الصّعاب في سبيل تحقيق المعالي، إنّه عزيز النّفس يأبى الذّلّ والضّيم، لا يقبل الفضل حتّى من الحرّ الكريم، كما نجده يفتخر برأيه السّديد الثّاقب الّذي يزيل ظلمة الشّكّ، وحيرة ذوي العقول. لينقلنا بعدها إلى مشهد صوّر فيه فروسيّته وبطولته وصموده في المعارك التي خاضها، وكانت هذه الأخيرة حامية الوطيس خطفت الموت فيها أرواح العديد من الفرسان بالسّيوف  التي كانت تظهر ثمّ تغيب في الأجسام. ليختتم قصيدته بمجموعة من الحكم التي عكس من خلالها تجربته وخبرته في الحياة، معبّرا بذلك عن عواطفه الذّاتيّة الّتي اتّسمت بعزّة النّفس وعدم قبول الذّل والهوان، مدافعا بذلك عن وطنه بالسيف والقلم.   

    خصائص أسلوب الشّاعر الفنّيّة والموضوعيّة:

    اتّسمت ألفاظ الشاعر وتراكيبه بالجزالة وحسن السّبك الملائمة لغرض الفخر، متأثّرا بالشّعر القديم وبيئته الحربيّة مستعينا ببعض الألفاظ التي استقاها واغترفها من القاموس العربيّ القديم(اليراع المثقب)، (ترجّحت به سورة)، صدعت حفافي طرّتيه، (خضت عبابه). مستعينا بالحكمة وتلك عادة الشّعراء القدامى، وذلك أثناء موازنته بين نهجه في الحياة  ونهج الآخرين، من ذلك قوله: (أسير على نهج يرى الناس غيره)، ( ولكنّها الأقدار تجري بحكمها)،( فرحمة ربّ العالمين).

    أمّا الأسلوب فنجده يعتمد على الجمل الخبريّة، معبّرا من خلالها عن معاني الفخر والاعتزاز بنفسه الأبيّة وفروسيّته وبطولاته وتميّزه عن الآخرين من ذلك ( سواي بتحنان الأغاريد يطرب)، (خلقت عيوفا)، ) وبحر من الهيجاء خضت عبابه). كما وظّف أسلوب الشّرط ليفنع القارئ بصحّة الأفكار والمعاني الّتي عبّر عنها في سياق الإشادة بمناقبه: (إذا ما ترجحت..راح يدأب)، ( ولو علم الإنسان..لأبصر).

     وظّف الشّعار بعض ألوان البديع من ذلك :

    -      التصريع في البيت الأوّل: (يطرب ويعجب) وهذا الأخير أكسب القصيدة نغمة موسيقيّة تأنس لها الآذان.

    -      طباق الإيجاب في قوله ( تبدو وتغرب)، فبالتضاد تتضح المعاني وتتمايز.

    واستخدامه لها كان عفويّا غير متكلّفا فيه.

    وفيما يتعلّق بالتّصوير الفنّيّ، فورد في القصيدة بعض الصّور البيانيّة نذكر منها:

    -      التشبيه البليغ في قوله: ( كوكب من الرّأي) حيث شبّه الرّأي بالكوكب فذكر المشبه والمشبّه به وحذف الأداة ووجه الشّبه وهو يعدّ من أقوى الصّور من حيث التأثير، وقوله أيضا(وبحر من الهيجا) مشبّها في ذلك الهيجاء بالبحر الهائج الثّائر.

    -      الاستعارة المكنيّة وذلك في قوله: (تأسر الخمر لبّه) حيث شبّة الخمر بالإنسان الّذي يؤسر فصرّح بالمشبه الخمر وحذف المشبّه به الإنسان وأبقى على لازم من لوازمه الفعل تأسر.  وفي قوله (ويملكُ سمْعيـهِ اليــراعُ المثقَّــبُ) استعارة مكنية.

    -      الكناية في قوله: ( لها بين أطراف الأسنّة مطلب) كناي عن صفة الإيباء وعزّة النّفس والتّرفّع)/ تظلّ به خمر المنايا وسودها حواسر) كناية عن شدّة المعركة، وقوله( زلت حتّى بين الكرّ موقفي) كناية عن الشّجاعة وعدم الاستسلام والثّبات، أما فيما يتعلق بأثرها فهي تأتي بالحقيقة مصحوبة بدليلها.     

    -      تقطيع الأبيات:

    -      ولكن أخو همٍّ إذا ما ترجّحـــــت                     بِهِ سَوْرَةٌ نحو العُلا راح يــــــــدأبُ

    وَلَاْ كِنْ أَخُوْ هَمْمِنْ إِذَاْ مَاْ تَرَجْجَحَتْ               بِهِ سُوْرَتُنْ نَحْوَ لْعُلَاْ رَاْحَ يَدْأَبُوْ

    //0/0 //0 /0/0 //0 /0 //0//0             ///0//0 /0/ 0//0 /0/ /0//0

    فعولن  مفاعيلن   فعولن   مفاعلن             فعلن مفاعيلن   فعولن  مفاعلن

     

    نظم الشاعر قصيدة على بحر الطويل مفتاحه:

    ( طويل له دون البحور فضائل      فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيل)

     أعطى من خلاله الشاعر متنفّسا للتّعبير عن مشاعره وأفكاره، ملتزما في ذلك بوحدة الوزن والقافية على عادة الشّعراء القدامى.

     وما استخلصناه انطلاقا مما سبق ذكره:

    -      يعدّ محمود سامي البارودي زعيم الشّعر الإحيائي البعثي، فشعره يعدّ من اللّبنات الأولى للشّعر السّياسي   من خصائص أسلوبه:

    1-  من حيث الشّكل:

    -      الالتزام بوحدة الوزن والقافية ( المحافظة على البناء الهندسي للقصيدة الخليليّة).

    2- من حيث المضمون:

    -      تعدّد الأغراض في القصيدة ( الفخر، الرثاء، الحكمة..،) وهذه الأخيرة  عبّر بها  عن علو الهمة ومكارم الأخلاق التي حرص على أن تسود أفراد مجتمعه الكبير.

    -      البدء بالغزل، النّسيب( ما يمرّبه الشّاعر من معاناة)...

    -      اعتبار البيت وحدة للقصيدة.

    -      اعتماد الخطاب على عادة القدامى وتقليدهم في موضوعاتهم.

    -      عمق الأفكار، ويقصد بالعمق تلك الأبعاد السياسيّة والوطنيّة الّتي تحملها قصائده.

    مظاهر التّجديد في شعر البارودي:

    -      التحرّر من المحسّنات المتكلّفة ومن الغموض.

    -      الارتقاء بالموضوع

    -      الترابط الفكري والشّعوري بملاءمة التعبير والخيال للموضوع والجوّ النّفسيّ.

    -      المزج بين التّقليد والتّجربة الشّعريّة، أي الجمع بين الأصالة والمعاصرة ليضيف بذلك إلى القديم روح العصر بما فيه من تيارات فكريّة ونهضة أدبيّة).

    مظاهر التّقليد:

    -      التقيّد بالوزن والقافية.

    -      الحرص على اللّفظ العربيّ القديم والأصيل (لغة رصينة، متينة وجزلة مأخوذة من القاموس القديم متأثّرين في ذلك بفحول الشّعراء العرب).

    -      انتزاع الصّور من البيئة القديمة.

    -      تعدّد الأغراض في القصيدة.

    -      ظهور أثر الثّقافة الدينيّة والإكثار من الحكم الصّادقة.