المحاضرة السابعة - في المجازِ [1]
*-تمهيدٌ :
المجازُ مُشتقٌّ من جازَ الشيء يَجوزُه إذا تَعَدَّاهُ ،سَمَّوا به اللّفظَ الذي نُقِلَ من معناهُ الأصلي، واستُعمِلَ ليدُلّ على معنى غيرهِ، مناسبٍ لهُ.
والمجازُ من أحسنِ الوسائل البيانيَّةِ الّتي تهدي إليها الطبيعةُ; لإيضاحِ المعنى، إذْ به يخرجُ المعنى متَّصِفاً بصفةٍ حِسّيةٍ، تكادُ تعرضهُ على عيانِ السَّامعِ، لهذا شغفتِ العربُ باستعمالِ المجاز لميلِها إلى الاتساعِ في الكلام، وإلى الدلالةِ على كثرةِ معاني الألفاظِ، ولما فيه من الدِّقةِ في التعبيرِ، فيحصلُ للنفس به سرورٌ وأريحيَّةٌ، ولأمرٍ مَّا كثرَ في كلامِهم، حتى أتوا فيه بكلِّ معنًى رائقٍ، وزيّنوا به خُطبَهم وأشعارَهم.
وفي هذا الباب مباحثٌ:
المبحثُ الأولُ -في تعريف المجاز وأنواعه
* تعريفُهُ :المجازُ هو اللفظُ المستعملُ في غير ما وضعَ له في اصطلاحِ التخاطَب لعلاقةٍ، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة ِ المعنى الوضعيِّ.
والعلاقةُ: هي المناسبةُ بين المعنَى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ، قد تكونُ (المشابهةَ) بين المعنيينِ، وقد تكونُ غيرَها،فإذا كانتِ العلاقةُ (المشابهةَ) فالمجازُ (استعارةٌ)، وإلا فهو (مجازٌ مرسلٌ)
والقرينةُ: هي المانعةُ من إرادة المعنى الحقيقيِّ، قد تكون لفظيةً، وقد تكونُ حاليةً – كما سيأتي-
وينقسمُ المجازُ: إلى أربعةِ أقسامٍ – مجازٌ مفردٌ مرسلٌ، ومجازٌ مفردٌ بالاستعارةِ « ويجريانِ في الكلمةِ» ومجازٌ مركبٌ مرسلٌ، ومجازٌ مركبٌ بالاستعارةِ « ويجريانِ في الكلامِ»
ثمّ إنّ المجازَ على قسمينِ:
1 - لغويُّ، وهو استعمالُ اللفظ في غير ما وضع له لعلاقةٍ ، بمعنى مناسبةِ بين المعنى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ ـ يكون الاستعمالُ لقرينةٍ مانعةٍ من إرادةِ المعنى الحقيقيِّ، وهي قد تكون لفظيّةً، وقد تكون حاليّةً، وكلّما أطلقَ المجازُ، انصرفَ إلى هذا المجازِ ، وهو المجازُ اللغويُّ. والمجازُ المرسلُ
2 -عقليٌّ، وهو يجري في الإسنادِ، بمعنى أن يكونَ الإسنادُ إلى غير من هوَ لهُ، نحو: (شفَى الطبيبُ المريضَ)، فإنَّ الشفاءَ من الله تعالى، فإسنادهُ إلى الطبيبِ مجازٌ، ويتمُّ ذلك بوجودِ علاقةٍ مع قرينةٍ مانعةٍ من جريانِ الإسنادِ إلى من هوَ لهُ.فهذا المجازُ يسمَّى « المجازَ العقليَّ» .
المبحثُ الثاني -في المجاز اللغويِّ المفردِ المُرسلِ وعلاقاتهِ[2]
*-المجازُ المفردُ المرسلُ: هو الكلمةُ المستعملةُ قصداً في غير معناها الأصليِّ لملاحظةِ علاقةٍ غيرِ (المشابهةِ) مع قرينةٍ دالّةٍ على عدمِ إرادة المعنى الوضعيِّ.
وله علاقاتٌ كثيرةٌ أهمُّها :
(1)- السببيَّةُ : هي كونُ الشيءِ المنقولِ عنه سبباً ومؤثراً في غيرهِ، وذلك فيما إذا ذكِرَ لفظُ السببِ، وأريدَ منه المسبِّبُ، نحو: رعتِ الماشيةُ الغيثَ – أي النباتَ، لأنَّ الغيثَ أيْ (المطرَ) سببٌ فيه،وقرينتُه (لفظيةٌ) وهي (رعَت) لأنَّ العلاقةَ تعتبرُ من جهةِ المعنى المنقولِ عنه، ونحو: لفلانٍ عليَّ يدٌ، تريدُ باليد النعمةَ، لأنها سببٌ فيها.
(2) -المسببيَّةُ : هي أن يكونَ المنقولُ عنه مسبَّباً وأثراً لشيء آخر، وذلك فيما إذا ذكِرَ لفظُ المسبِّبِ، وأريدَ منه السببُ، نحو قوله تعالى : (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ) [غافر/13] أي: مطراً يسبِّبُ الرزقَ.
(3) –الكليةُ : هي كونُ الشيءِ متضمناً للمقصود ولغيره، وذلك فيما إذا ذكرَ لفظُ الكلِّ، وأريدَ منه الجزءُ، نحو قوله تعالى : (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ) [البقرة/19] أي أناملَهم، والقرينةُ (حاليةٌ) وهي استحالةُ إدخالِ الأصبعِ كلِّه في الأذنِ، ونحو: شربتُ ماءَ النيل – والمرادُ بعضُهُ، بقرينةِ شربتُ.
(4) -الجزئيةُ : هي كونُ المذكورِ ضمنَ شيءٍ آخر، وذلك فيما إذا ذكرَ لفظُ الجزءِ، وأريدَ منه الكلُّ، كقوله تعالى : {..وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً ..} (92) سورة النساء ،ونحو: نشرَ الحاكمُ عيونَهُ في المدينة، أي الجواسيسُ، فالعيونُ مجازٌ مرسلٌ، علاقتُه (الجزئيةُ) لأنَّ كلَّ عينٍ جزءٌ من جاسوسِها – والقرينةُ الاستحالةُ.
(5) -الآليةُ : هي كونُ الشيء واسطةً لإيصالِ أثر شيءٍ إلى آخر، وذلك فيما إذا ذكرَ اسمُ الآلةِ، وأريدَ الأثرُ الذي ينتجُ عنه، نحو قوله تعالى : (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ) [الشعراء/84] أي ذكراً حسناً ، (فلسانٌ) بمعنى ذكرٍ حسنٍ مجازٌ مرسلٌ، علاقتُه (الآليةُ) لأنَّ اللسانَ آلةٌ في الذكرِ الحسنِ.
(6) -اعتبارُ ما كانَ : هو النظرُ إلى الماضي، أيْ تسميةُ الشيءِ باسم ما كانَ عليه، نحو قوله تعالى : (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ) [النساء/2]، أي الذين كانوا يتامَى ثم بلغوا، فاليتامَى: مجازٌ مرسلٌ، علاقتُه (اعتبارُ ما كانَ)، وهذا إذا جرينا على أنِّ دلالةَ الصفةِ على الحاضرِ حقيقةٌ، وعلى ما عداهُ مجازٌ.
(7) -اعتبارُ ما يكونُ : هو النظرُ إلى المستقبلِ، وذلك فيما إذا أطلقَ اسمُ الشيء على ما يؤولُ إليه، كقوله تعالى : {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ..} (36) سورة يوسف ،أي: عصيراً يؤولُ أمرهُ إلى خمرٍ، لأنهُ حالَ عصرهِ لا يكونُ خمراً، فالعلاقةُ هنا: اعتبارُ (ما يؤولُ إليه)، ونحو قوله تعالى : (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ) [نوح/27]، والمولودُ حين يولدُ، لا يكونُ فاجراً، ولا كافراً، ولكنهُ قد يكونُ كذلك بعد الطفولةِ، فأطلقَ المولودَ الفاجرَ، وأريدَ به الرجلَ الفاجرَ، والعلاقةُ، اعتبارُ (ما يكونُ)ُ
(8) -الحاليّةُ : هي كونُ الشيء حالاً في غيره، وذلك فيما إذا ذكرَ لفظُ الحالِ، وأريدَ المحلَّ لما بينهما من الملازمةِ، نحو قوله تعالى : (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران/107])، فالمرادُ من (الرحمةِ) الجنةُ التي تحلُّ فيها الرحمةُ، فهم في جنةٍ تحلُّ فيها رحمةُ الله، ففيه مجازٌ مرسلُ، علاقتُه (الحاليةُ) ،وكقوله تعالى : (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف/31]) أي لباسَكم، لحلولِ الزينةِ فيهنَّ، فالزينةُ حالٌ واللباسُ محِلُّها.
(9) -المحليَّةُ : هي كون الشيءِ يحلُّ فيه غيره، وذلك فيما إذا ذكر َلفظُ المحلِّ، وأريدَ به الحالَّ فيه – كقوله تعالى : (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق/17، 18])، والمراد من يحلُّ في النادي.
وكقوله تعالى : (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران/167])، أي ألسنتُهم، لأنِّ القولَ لا يكون عادةً إلا بها. ونحو قوله تعالى : {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (82) سورة يوسف .أي اسأل أهلَ القرية . واسأل أهلَ العير .
المبحث ُالثالثُ - في تعريف المجاز العقلي وعلاقاته [3]
*-المجازُ العقليُّ: هو إسنادُ الفعلِ، أو ما في معناهُ من اسمِ فاعلٍ، أو اسمِ مفعولٍ أو مصدرٍ إلى غير ما هو له في الظاهرِ، من حال المتكلِّمِ، لعلاقةٍ مع قرينةٍ تمنعُ من أن يكونَ الإسنادُ إلى ما هوَ لهُ.
*- المجازُ العقليُّ على قسمين:
الأولُ- المجازُ في الإسنادِ، وهو إسنادُ الفعلِ أو ما في معنى الفعلِ إلى غير من هوَ لهُ، وهو على أقسام، أشهرها:
(1)- الإسنادُ إلى الزمانِ، نحو قول الشاعر [4]:
لا تحسبنَّ سروراً دائماً أبداً ... مَنْ سرَّهَ زمنٌ ساءتْهُ أزمان
أسندَ الإساءةَ والسرورَ إلى الزمنِ، وهو لم يفعلْهما، بل كانا واقعينِ فيه على سبيلِ المجازِ.
(2)- الإسنادُ إلى المكانِ، نحو قوله تعالى : (وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ [الأنعام/6])، فقد أسندَ الجريَ إلى الأنهار، وهي أمكنةٌ للمياهِ، وليستْ جاريةً بل الجاري ماؤُها.
(3)- الإسنادُ إلى السببِ، كقوله: (بنَى الأميرُ المدينةَ) فإنّ َالأميرَ سببُ بناءِ المدينة، لا إنّه بناها بنفسِه. ،و نحو قول عنترة [5]:
إنِّي لمِنْ مَعْشر أفْنَى أوائلَهُمْ ... قيلُ الكُماةِ ألا أَينَ المحامُونا
فقد نسبَ الإفناءَ إلى قول الشجعانِ، هل من مبارزٍ ؟ ،وليس ذلك القولُ بفاعلٍ له، ومؤثرٍ فيه، وإنما هو سببٌ فقطْ .
(4) الإسنادُ إلى المصدرِ ، كقول أبي فراس الحمداني [6]:
سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ، وفي الليلة ِ الظلماءِ ، يفتقدُ البدرُ
فقد أسندَ الجدَّ إلى الجدِّ، أي الاجتهادِ، وهو ليسَ بفاعلِ له، بل فاعلُه الجادُّ – فأصله جدَّ الجادُّ جدًّا، أي اجتهدَ اجتهاداً، فحذفَ الفاعلَ الأصليَّ وهو الجادُّ، وأسندَ الفعلَ إلى الجدِّ.
(5) إسنادُ ما بنيَ للفاعلِ إلى المفعولِ، نحو: سرَّني حديثُ الوامقِ، فقدِ استعملَ اسمَ الفاعل، وهو الوامقُ، أي (المُحِبُّ) بدلَ الموموقِ، أي المحبوبِ، فإنَّ المرادَ: سررتُ بمحادثةِ المحبوبِ.
(6) إسنادُ ما بنيَ للمفعولِ إلى الفاعلِ، نحو قوله تعالى : (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء/45]) ،أي ساتراً، فقد جعلَ الحجابَ مستوراً، مع أنه هو الساترُ. وكما قال الحطيئةُ يهجو الزبرقانَ بنَ بدرٍ[7] :
دَع المَكارِمَ لا تَرحَل لبغْيَتِها ... واقعُدْ فإنك أَنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
وهو يقصدُ المطعَم المكِسي .
الثاني- المجازُ في النسبةِ غيرِ الإسناديةِ، وأشهرُها النسبةُ الإضافيّةُ نحو:
1 - (جَرْيُ الأنهارِ) فإنَّ نسبةَ الجريِ إلى النهرِ مجازٌ باعتبار الإضافةِ إلى المكانِ.
2 - (صومُ النهارِ) فإنَّ نسبةَ الصومِ إلى النهارِ مجازٌ باعتبارِ الإضافة إلى الزمانِ.
3 -(غُرابُ البَينِ) فإنّهُ مجازٌ باعتبار الإضافة إلى السببِ.
4 - (اجتهادُ الجِدّ) مجازٌ باعتبار الإضافةِ إلى المصدرِ.
[1] - الخلاصة في علوم البلاغة كامل - (ج 1 / ص 5) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 12)
[2] - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 12) و الخلاصة في علوم البلاغة كامل - (ج 1 / ص 5)
[3] - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 8-10) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 172-175) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 1597) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 13) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 5)
[4] رسائل الثعالبي - (ج 1 / ص 44) والكشكول - (ج 1 / ص 117) وحياة الحيوان الكبرى - (ج 1 / ص 167)
[5] - شرح ديوان الحماسة - (ج 1 / ص 29) والكامل في اللغة والادب - (ج 1 / ص 30) والحيوان - (ج 1 / ص 213)
[6] - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 18 / ص 310) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 2) وموسوعة النحو والإعراب - (ج 1 / ص 64)
[7] - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 247) ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 2 / ص 498) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 335) والأمثال لابن سلام - (ج 1 / ص 30) ومختارات شعراء العرب - (ج 1 / ص 40) ولباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 41) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 270) وطبقات فحول الشعراء - (ج 1 / ص 15) وتاج العروس - (ج 1 / ص 6317)