Section outline

  • جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''

    معهد: اللغة والأدب العربي

       مقياس: النقد الأدبي الحديث                                                                   المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية                 


      أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث

    المحاضرة الحادية عشر: النقد الجديد

    1.  النّقد الجديد New Criticism الأنجلوسكوني:

    1.1      نشأته وأشهر رواده من النّقاد الغربيين:

      تعود بدايات مدرسة النّقد الجديد لثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وهي"تسمية أطلقت على الحركة النّقديّة الّتي ظهرت عقب أفول الاتّجاه الشّكلانيّ – في الثّلاثينيات- متّخذة من جامعات الجنوب الأمريكي مركزا لها"، وكمصطلح ظهر لأوّل مرّة مع ظهور كتاب جون سينجارن  النّقدي الذي حمل نفس التسمية الصادر عام 1911.

     لتناهضَ هذه المدرسة التّيّار التقليدي الّذي يقوم على مقاربة النّص مقاربة سياقية، بتبنّيه تلك المناهج التي تعنى بالدراسة الخارجيّة للنص الأدبي -المنهج الاجتماعي، التاريخي، النفسي..- وتناقضَه نظرا لعدم اهتمامه بالكيان اللغوي للنص الأدبيّ، و بأبعاده الفنّيّة والجماليّة التي يتضمّنها، لتشكّل بذلك البدايات الأولى للمقاربة النّصّانيّة للنصّ الأدبي.

    وقد ضمّت هذه الحركة النقديّة عددا من النّقّاد البارزين نذكر منهم رائدها "جون كرورانسوم John Crowe Ransom، الّذي جعل من هذه المدرسة عنوانا لكتابه"النقد الجديد" الّذي صدر سنة 1941، وكان يعني بها أعمال النّقّاد الّذين ينتمون إلى حركة الحداثة وقتئذ كـ: توماس إليوت Thomas Eliot..، وتلميذه آلان تيت Allen Tate  الّذي استطاع أن يبلغ بأفكار أستاذه رانسوم غايتها مستقطبا اهتمام النّقّاد، ثمّ ما لبثت أن عدّت تسمية أطلقت على أتباعهم- وهم نقّاد هذه الحركة- وعلى ما أنجزوه من دراسات، نذكر منهم كلينث بروكسBrooks Kleanth ، و روبرت بان وورن Robert Peen Warren الّذي سعى إلى " إعادة  تقييم التّراث الأدبي الأمريكي واكتشاف مناحي الجمال فيه، ليشكّل بنقده لبنة جديدة في صرح النّقد الجديد"، وكذا بالمير بلاكمور  P.Blekmorو ريموند ليفيز R.Leavis و إ. أ. ريتشاردز  Ivor Armstrong Richardsالّذي كان يدعو من خلال  ممارسته النقديّة التطبيقيّة ودراساته التحليليّة إلى نبذ قصديّة المؤلّف أو الناصّ، مصرا في ذلك على الاهتمام بالأسلوب الفنّيّ وكلّ ما يؤدّي إلى المحتوى المتحقّق، وذلك باعتماده على تطبيقات نقديّة حاول من خلالها رصد استجابة طلاّبه لنصوص شعريّة يجهلون مؤلّفها وعصرها، بتصرف منه تجعلهم لا يعرفون ناظمها ولا حقبتها الزمنية حتّى لا يقعوا في القصديّة والتأثيريّة التي من شأنها أن تبعد القارئ الناقد عن النص، ساعيا من خلالها تثبيت فكرة التحليل اللغوي للإبداع الأدبي باعتباره هدف في حدّ ذاته،  ما دفع بالناقد رتشاردز إلى اللّجوء إلى المغالطه القصديّة التي سعى من خلالها تجاوز الناص إلى المتلقي، حتّى يُدخل هذا الأخير عالم اللغة، بعدما حرره من سلطة المؤلّف ورقابة معانيه. كما لجأ إلى المغالطة التأثيريّة التي فصل بها بين ماهية النّصّ وتأثيره على نفسيّة المتلقّي حتّى لا يقع القارئ في هوّة النّقد الانطباعي التأثيريّ، وهذه الطريقة - المغالطة القصدية والتأثيريّة- مكّنت تلاميذه من فهم النّصّ وتأويله منطلقين في ذلك من النص بحدّ ذاته، ومن القراءة التي قدّمت لهم فهما عميقا لهذا الأخير، بعيدا كل البعد عن السياقات والبواعث النفسية التي أحاطت به.  

    ومن التسميات الّتي أطلقت على هؤلاء النّقاد الأمريكيين:

    -     النّقاد الجنوبيّون: نسبة لاتّخاذهم من جامعات أمريكا الجنوبيّة مركزا لهم.

    -      النّقاد الرّيفيّون: لأنّ معظم أقطاب النقد الجديد، كانوا شعراء أو موظفين في مراكز تدريسيّة نائية.

    -     النّقاد المهاجرون: بحكم أنّ الحركة ارتسمت في نهاية الثلاثينيات استراتيجيّة، تبتغي التّرسيخ الأكاديمي للنقد الجديد في شكل هجرة مهنيّة. 

    ليستقروا بعدها على تسمية النّقّاد الجدد نسبة لحركتهم النّقديّة.

     وقد عدّت هذه المدرسة من التيارات النّقديّة الّتي انبثقت عن علم اللّغة، مهتمّة في ذلك بالبنية النّصّيّة التي لم تتجاوزها ولم تحد عنها في مقاربتها للنّصّ الأدبيّ، الّذي اعتبرته كيانا لغويّا مستقلا مكتفيا بذاته؛ تدرسه لذاته وبحدّ ذاته، معلنة رفضها للمقاربة النّقديّة السياقية التاريخيّة، الاجتماعيّة والبواعث النّفسيّة التي أحاطت بهذا الإبداع الأدبي، فدرسته دراسة داخليّة محايثة، معتبرة النّصّ حلقة مغلقة منه تنطلق في دراستها وإليه تعود، لتجعل منه محورا "ومدارا نقديا"؛ هو نقطة البدء والمنتهى في مقاربتها النقدية بعيدا عن المرجعيات الخارجيّة الّتي أنتجت هذا الأخير." ليتيح هذا المنهج إضاءة العمل الأدبيّ من داخله إضاءة حقيقية وذات قيمة"، بعزله عن الحياة؛ عن المبدع وعن السياقات التي أنتجته لتدرسه دراسة داخليّة "انطلاقا من معطياته الذاتية..، بغضّ النّظر عن أيّ عنصر خارج عنها، ويكتفي..، بفهم الأوّليّات الخاصّة بتركيب المعاني، أو بانتظام صيغ التعبير. وعليه يمكن القول إنّ مجال هذا التّيّار يكاد يتحدّد في قطبين رئيسيين: عالم المعاني أو مضمون النّصّ، وعالم المباني أو الأسلوب المعتمد لتأدية الغرض الّذي جاءت هذه النّصوص من أجله". متجها في ذلك إلى عناصره اللغويّة والجماليّة الداخليّة باعتباره تشكيلا لغويا يحتاج لمثل هذه المناهج، لاستكناه دلالاته المتعددة التي لم يصرّح بها النصّ مبراز قيمته الفنية والجماليّة، التي من شأنها أن  تكسب النص تلك اللّذة والمتعة لتعلن بذلك تميزها عن التيار الماركسي، متمسّكة في ذلك بمبدأ أدبيّة الأدب، إذ أنّ متبنّيه اهتّهموا "بتقطيعهم أوصال العمل الأدبي لتركيزهم على خيط واحد، هو القالب الأدبي وعزله عن بقيّة خيوط النّسيج ومعاملته على أنّه النّسيج كلّه"، بوقوفهم على ملامحه الفنّيّة.

    2.  عوامل ظهور مدرسة النقد الجديد:

    يرجع عدد من النّقّاد  ظهور هذه الحركة الأنجلو سكيونيّة إلى ما يلي:

    -     "ضرورة إيجاد تفسير وتحديد سمات الأعمال الحديثة- في ذلك الزّمان والمكان-.

    -       استخلاص نظريّة عامّة تضمّ التّوجّهات الأدبيّة الطليعيّة وتعميمها

    -       توطيد مصطلحات النّقد الجديد ومفاهيمه التي أصبحت جزءا من معجم النّقد الحداثي فيما بعد، وذلك باهتمامها..، بلغة النّصّ، وتكوين الأعراف الّتي تحدّد وتفسّر النّغمة الأسلوبيّة والصّوت الشّعري..، وفعاليات الاستعارة والرموز وتكوينها السّياقي".

    -       "استجابتها لتلك الأفكار الّتي "بشّرت بها بعض الأعمال النّقديّة المهمّة للنّاقدين المعروفين  روبرت جريفز..، الّذي تجلّت جهوده النّقديّة في تكريسه مفهوم القراءة الجيّدة، وفي عنايته الواضحة بما سمّي أكثر المعاني صعوبة، وجعلها محور اهتمامه..، في منجزاته النّقديّة".

    3.  أسس النّقد الجديد:

     تتلخّص مجمل أسس وخصائص النقد الجديد فيما يلي:

    -      رفض الفصل "بين الشّكل - المحتوى المتحقق-  و المضمون باعتبارهما وحدة كلّ أثر شعري حقيقي ولا يمكن إدراكهما منفصلين، كما تقول بالوحدة العضويّة بينهما"، وهذا ما دعا إليه محمد عناني باعتبار أنّ الأعمال الفنّيّة كائنات عضوية؛ نامية متكاملة لا نستطيع بتر جزء منها [14]، فهما متلازمان متواشجان لا يمكن الفصل بينها، "فالقلب والقالب هو التعبير السائد من قبل عن هذه المسألة، ثمّ انتقل على يد المفكرين المحدثين إلى الشّكل والمضمون، وهي القضيّة نفسها التي تناولها ابن رشيق حين عرض للعلاقة القائمة بين اللفظ والمعنى، وبيّن أنّهما كالروح والجسد، فإذا فصل أحدهما عن الآخر قضي على الحياة فيهما معا". 

    -      اتّخاذه من القراءة الفاحصة أداة لتحليل البنية النّصّيّة للعمل الأدبي؛ في تراكيبه اللّغويّة والنّحويّة ومجازاته وصوره و رموزه وإشاراته؛ بالتركيز على العناصر الجوهريّة للنص.

    -      "النص كيان فنّي يقتضي دراسة لغوية جمالية وهذا ما أشار إليه محمد الرّبيعي بقوله: إنّ العمل الأدبيّ تكوين جماليّ لغويّ إيقاعيّ يعادل الحياة...، مدخلي إلى نقد العمل الأدبي مدخل لغويّ، وأنا من المؤمنين بأنّ العمل الأدبي إنّما هو بناء لغويّ، ونجده يؤكّد ذلك بقوله أيضا:  أنا أفكّر باللغة، وأحسّ باللغة.

    -      الدّعوة إلى التحليل ونبذ التقييم، ذلك أنّ التحليل يتيح لنا رؤية الكثير واستيعاب الغريب، أمّا التقييم فكثيرا ما يجعلنا نركز على جانب دون الآخر، معتمدين في ذلك على معايير غير أدبية".  

    -      ارتكازها على الوحدة المتجانسة للصّنعة الفنّيّة، وعلى أهمّيّة الأسلوب.

    -      استبعاد علاقات العمل الفنّي بالحياة، باعتباره بنية مستقلة عن السياقات والعوامل الخارجيّة التي أحاطت بإنتاجه، والتقليل من نظريات المحاكاة، ومن أهمّيّة كلّ فكرة ترى أنّ قيمة الفنّ العليا تكمن في أمانة تصويره للعالم الخارجيّ أو الواقعيّ.

    -       دفع القارئ إلى سبر أغوار النص والانغماس فيه، برصد جماليته لينفتح على لغة النص مستغرقا في معطياته لبلوغ أعماق تراكيبه وأساليب تعبيره وألفاظه، وتتبع إيحاءاته ليلملم أبعاده ودلالاته.

    4.  أثر النقد الأنجلو ساكسونيّة في النّقد العربيّ:

     كانت البيئة العربيّة وقت ازدهار واكتساح النّقد الجديد السّاحة النّقديّة العالميّة في تواصل مع العالم الخارجيّ، لتتأثّر كباقي البيئات بهذا التّيار المستورد الوافد من الغرب، الّذي عرفه العرب مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات ليشهد التطور منذ السبعينيات، ومع بداية القرن الواحد والعشرين عرف انتشارا واسعا تجلّى في الدراسات والكتب والإنجازات المتعددة. فهذا الأخير جاء حاملا معه مبادئ وأسس جديدة لم يعهدها العرب في مناهجهم التّقليدية التي ترتكز على المرجعيات التاريخية والاجتماعية والنفسية للأدب، ما جعل بعض النقاد يقابلوه بالرفض، في حين أنّ البعض رحّبوا به وتبنّوه وحملوا لواءه نذكر منهم لويس عوض، مجدي وهبه، الناقد الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، رشاد رشدي..إلخ. وهذا الأخير يعدّ من النقاد الّذين تغلغلوا في الثّقافة الإنجليزيّة وتشرّبوا معارفهم وآراءهم النقدية من منابع النقد والنقاد الإنجليز ابتداء بإليوت، فكرورانسوم وكلينيث بروكس، محاولا بثّ ما تلقاه في جامعة إنجلترا في بلاده، بدعوته إلى تبنيّ منهج النقد الجديد الّذي ينادى بضرورة الاهتمام بمضمون الإبداع الأدبيّ، باعتباره بنية لغوية مغلقة تتطلّب استقصاء أصوله الفنّيّة، ليكون بذلك أول من زرع بذرة النقد الجديد في الوطن العربيّ، من خلال نشره لمجموعة من الكتب (ماهو الأدب، مقالات في النقد الأدبي، فن القصة القصيرة..). إلا أنّ بعض النّقّاد المصريين خالفوه وعارضوه معلنين رفضهم لمنهجه الّذي عدوه دخيلا على الأدب، ونظرا لتمسّكه بهذه الحركة الجديدة وبآرائه النقدية التي خرج بها عن المعتاد والمألوف لقب "بالناقد العنيد"، فخاض " معركة ضارية مع النقاد التقليديين على رأسهم محمد مندور وسلامة موسى"، وفي كلتا المعركتين كان يؤكّد رشاد رشدي "أنّ وظيفة النقد، أن يرى العمل الفنّي كما هو على حقيقته، لأنّ العمل الفنّي ليس تعبيرا عن المجتمع أو عن الكاتب، أو عن التاريخ، أو عن البيئة، أو عن أيّ شيء آخر، بل هو خلق عالم موضوعيّ كائن بذاته..، ومهما كانت الصّلات الأولى بين هذا العالم الموضوعيّ وهو العمل الفني، وبين العالم الخارجيّ، وهو تجربة الفنان، فإنّ هذه الصّلات قد انقطعت بمجرّد أن تمّت عمليّة الخلق، إذ بتمام هذه العمليّة يصبح العمل الفنّيّ كائنا له كيانه المستقل". فاستطاع بذلك أن يؤسس مدرسة النقد الجديد بعد التفاف تلاميذه حوله الّذين اضطلعوا بتقديم النظريّة النقديّة الجديدة لدى النقّاد الغربيين الجدد عبر سلسلة كتيبات نذكر منهم: محمد عناني " النقد التحليلي"، سمير سرحان ومحمود الربيعي " النقد الموضوعي"..، كما نجد هذه الجهود عند الناقدة  اللبنانيّة روز غريب (النقد الجمالي)..، و هكذا فإنّ ما عرف في نقدنا المعاصر باسم المنهج الفنّي  يمكن أن يكون صدى عربيا مباشرا لمدرسة النقد الجديد الأنجلو أمريكي، بغض النظر عن التسميات المنهجيّة الفرعيّة التي يطلقها كلّ ناقد على ممارسته النّقديّة الخاصّة، كالنقد الموضوعي لدى سمير سرحان ومحمود الربيعي ، النقد التحليلي لدى محمد عناني، والتحليلي اللغوي الاستاطيقي لدى مصطفى ناصف، والنقد الشّكلي والتشريحي.