Section outline

    • الإعجاز في القراءات القرآنية هو ثراء القرآن وتعدد وجوهه البلاغية والبيانية والفقهية والعقدية التي تظهر من خلال اختلاف القراءات المتواترة (بالحذف، الزيادة، التخفيف، التشديد، اختلاف الحركات، والصيغ الصرفية)، فكل قراءة تفتح باباً جديداً للمعنى وتكشف عن حكمة إلهية عميقة، مما يجعل القرآن معجزة في ذاته بتنوع قراءاته التي لا تنضب، وتدل على أنه من عند الله.

      وظاهرة تعدد القراءات تؤكد لنا حقيقة أساسية تتمثل في أمرين اثنين:

      الأول: عناية العلماء بكتاب الله، وحرصهم على ضبط القراءات القرآنية، التي ثبت عن طريق النقل الصحيح بالسند المتصل الموثوق بروايته أنها من أوجه القراءات التي أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتمدها؛ تيسيراً على الأمة ومراعاة لتعدد لهجاتها وطرقها في التعبير، وأساليبها في الخطاب.

      الأمر الثاني: توقيف كل ما يتعلق بالقرآن، قراءة له، ورسماً لكلماته وحروفه، وأداء لألفاظه، وضبطاً لكيفيات نطق كلماته وعباراته، بحيث تقتصر مهمة القراء على تتبع الروايات المنقولة عن الثقات، والتأكد من صحة تلك الروايات. والفرق بين الرواية الصحيحة والرواية الشاذة يظهر في مدى قوة السند.

      ذكر العلماء جملة من الفوائد المترتبة على اختلاف القراءات القرآنية، فمن أبرز تلك الفوائد الآتي:

      - التخفيف على الأمة ورفع الحرج عنها بالقراءة على الوجه المتيسر لها، خاصة ما يتصل بأحكام مخارج الحروف وصفاتها ونحو ذلك. ولقد علمنا أن من حكمة إنزال القرآن على سبعة أحرف التيسير على الأمة، والاختلاف في القراءات الصحيحة جزء من اختلاف الأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن.

      - توسيع المعاني القرآنية: تُسهم القراءات القرآنية في إغناء المعنى وتوسيعه، حيث تعطي للآية الواحدة أكثر من دلالة صحيحة، دون تعارض أو تناقض، مما يعمّق التدبر والفهم.

      - خدمة الأحكام الشرعية: تمثل القراءات القرآنية مصدرًا مهمًا في استنباط الأحكام الفقهية، إذ ينبني عليها تنوع فقهي معتبر، يعكس مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

      - حفظ اللغة العربية وضبطها: أسهمت القراءات القرآنية في حفظ اللغة العربية، من حيث النحو والصرف والصوتيات، وكانت مرجعًا أصيلًا لعلماء اللغة في تقعيد القواعد وضبط اللسان العربي

      - توحيد الأمة على نص واحد: على الرغم من تعدد القراءات، فقد اجتمعت الأمة على قرآن واحد، لم تختلف في عقيدته ولا في أحكامه، مما يدل على وحدة المصدر وسلامة النقل.

      -  الإبانة عن الإعجاز بتنوع وجوه التلاوة، فإن الاختلاف في الحرف ربما دل على معانٍ من العلم لا توجد في الحرف الآخر، فتكون الكلمة الواحدة تؤدَّى على صورتين، أو أكثر من النطق، تدل كل صورة منها على معنى غير الذي دلت عليه الأخرى؛ وذلك مثل قوله سبحانه: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم} المائدة:6) قُرئ بفتح اللام في {وأرجلكم} عطفاً على {وأيديكم} في الغسل في قراءة نافع وابن عامر والكسائي وعاصم من رواية حفص، وقُرئ بكسر اللام عطفاً على {برءوسكم} في المسح في قراءة الباقين وعاصم من رواية أبي بكر بن عيّاش. وهذه الثانية دلت على المسح على الخفين في قول كثير من أهل العلم.

      ونحو هذا قوله عز وجل على لسان قوم عاد: "سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين (الشعراء:137) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: خَلْق} بفتح الخاء وسكون اللام، أي: ما جئت به كَذِبٌ وافتراءُ الأولين، وقرأ باقي السبعة: {خُلُق} بضم الخاء واللام، أي: عادة الأولين، فردوا عليه وعظه قائلين: هذا الذي نحن عليه عادةُ الأولين.

      - ومن فوائدها تفسير الإجمال في قراءة أخرى، كما في قراءة: "ولا تقربوهن حتى يطهرن"}  البقرة:222) قرأ أكثر السبعة (يطْهُرن)، بسكون الطاء وضم الهاء. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر (يطَّهَّرن) بتشديد الطاء والهاء وفتحهما؛ فعلى قراءة الأكثر إجمال في احتمال أن تكون طهارتهن بمجرد انقطاع الدم، وفي قراءة الباقين إبانة عن كون ذلك باغتسالهن بعد انقطاع الدم.

      - ومنها ما في ذلك الاختلاف من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز؛ إذ كل قراءة بمنزلة الآية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها، لم يخفَ ما كان في ذلك من التطويل.