Section outline

    • القرآن الكريم معجزةٌ خالدة، لا تنقضي عجائبه، ومن وجوه إعجازه البلاغي ما يُعرف بـ الالتفات، وهو من أدقِّ أساليب البيان، وأعظمها أثرًا في النفس، إذ ينتقل بالسامع من أسلوب إلى آخر؛ ليوقظه، ويشد انتباهه، ويعمّق المعنى في قلبه وعقله.

      أولًا: تعريف الالتفات

      الالتفات هو :الانتقال من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخر في أثناء الكلام، ومن أشهر صوره:

      ·       الانتقال من الغيبة إلى الخطاب

      ·       من الخطاب إلى الغيبة

      ·       من المتكلم إلى الغائب

      ·       من الماضي إلى المضارع

      ·       من المفرد إلى الجمع، أو العكس

      و يأتي الالتفات في القرآن الكريم لأغراض بلاغية متعددة، منها:

      ·       تنشيط ذهن السامع وعدم إصابته بالملل

      ·       تعظيم المخاطَب أو تقريعه

      ·       إظهار العناية بالمعنى

      ·       التفريق بين مقام الترغيب والترهيب

      ·       إظهار القدرة البيانية والإعجازية للقرآن

      ثانيا- أنواع الالتفات :

      1-  الالتفات من الغيبة إلى الخطاب

      قال الله تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ يونس 22

      بدأ الكلام بالخطاب: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾
      ثم انتقل إلى الغيبة: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾

      الغاية البلاغية: تصوير حال الناس عند الشدة، وكأنهم غابوا عن مقام التكريم بسبب غفلتهم.

      2- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة

      قال تعالى:﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ يونس: 22

      الخطاب في ﴿كُنتُمْ﴾
      الغيبة في ﴿بِهِم﴾

      الدلالة: إشعار بالإعراض عنهم بسبب نسيانهم الله بعد النجاة.

      3- الالتفات من المتكلم إلى الغائب:

      قال الله تعالى:﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ  فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الكوثر 1-2

      المتكلم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾
      الغائب: ﴿لِرَبِّكَ﴾

      الغاية: تعظيم مقام الربوبية، والتنبيه إلى أن العطاء من الله، والعبادة له وحده.

      4- الالتفات من الغيبة إلى التكلم:

      قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ فاطر.

      الغيبة: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ﴾
      التكلم: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾

      الغاية: إظهار القدرة والعظمة الإلهية بأسلوب أقوى وأقرب.

      5- الالتفات في الزمن (من الماضي إلى المضارع):

      قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾يوسف 16

      الماضي: ﴿وَجَاءُوا﴾
      المضارع: ﴿يَبْكُونَ﴾

      الدلالة: تصوير المشهد وكأنه حيٌّ متجدد أمام السامع.

      ثالثا- أثر الالتفات في إعجاز القرآن:

      ·       يكشف عن سمو الأسلوب القرآني

      ·       يعجز البشر عن الإتيان بمثله

      ·       يجمع بين جمال اللفظ وعمق المعنى

      ·       يجعل القارئ حاضر القلب، متفاعلًا مع النص

          يتبيّن لنا أن الالتفات ليس مجرد تنوّعٍ أسلوبي، بل هو أداة بلاغية مقصودة، تحمل في طياتها حكمًا عظيمة، وتدل على أن هذا الكلام كلام الله المعجز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    • Opened: Friday, 12 December 2025, 8:10 PM