Section outline

  •  

     

    1.  النقد الواقعي "أصوله ونشأته":

    يسمّى أيضا النّقد الماركسيّ، ويمكن أن نجد أصوله في مفهوم المحاكاة الأرِسْطي، هذا المفهوم الّذي يؤكّد أنّ الأساس في العمليّة الإبداعيّة الفنّيةّ، هو محاكاة الأشياء والظّواهر المادّيّة والاجتماعيّة في الواقع الإنساني الّذي كان بالنسبة لهم المنطلق، فربطوه بها ولم ينفلتوا عنه، ويعود الفضل في ذلك للنظريّات العلميّة والسياسيّة التي كان لها الأثر الملحوظ في دفع عجلة الأدب باتّجاه المجتمع، لا سيما طبقاته الاجتماعيّة الشعبيّة الدّنيا التي حرمت من وجودها الأدبي، وفي دفع عجلة النقد اتجاه استقراء الأدب من خلال علاقته بالواقع الّذي عدّ محور العمليّة الإبداعيّة وأساسها، والمرآة العاكسة للحياة والممثلة لها. ليعدّ بذلك الأدب والأديب المخوّلان للتعبير عن قضايا المجتمع، فهما يحملان رسالة تربوية تنويرية يقوّما بها سلوكياته وأخلاقياته نحو بناء مجتمع مثالي له حقوق ويؤدي واجبات. ليترتب عن الصلة التي تربط بين الأدب والواقع الاجتماعي علاقة تأثير وتأثّر من خلال التفاعل القائم بينهما، وهذا ما أكّده الناقد والمنوِّر الفرنسيّ ديدرو، الّذي شدّد على ضرورة أن يكون الأدب صورة عن الواقع والمجتمع بقوله: "ابحثوا في حوادث الأزقّة، كونوا مراقبين في الشّوارع والحدائق والأسواق وفي البيت، وعندها ستتكوّن لديكم تصوّرات صحيحة عن الحركة الحقيقيّة في جميع مجالات الحياة"، ليتمكّن بذلك الواقعيون من استيعاب قوانين الحياة والمجتمع الّذي صوّروه تصويرا موضوعيّا عفويا، فعكسوا به واقعهم بتناقضاته ومتغيراته، ليكشفوا عن تلك العلاقات الاجتماعيّة التي يتحدد من خلالها مصير الفرد والمجتمع، ليشكّل تصوير مختلف الجوانب والكشف عن الحقائق الجديدة للحياة خطوة حاسمة نحو تطوير الواقعيّة كمنهج.

    وإذا وقفنا على مصطلح الواقعيّة من حيث ظهوره كاتجاه أدبي وكمنهج فنّيّ له مبادئه، فهو يعود إلى الفترة الممتدّة مابين القرن الخامس عشر وبداية القرن الثّامن عشر، غير أنّه لم يعرف الرواج والذيوع والانتشار إلا في القرن التّاسع عشر على أيدي التنويريّين في أوربا، داعين في ذلك إلى ربط الأدب بالواقع الاجتماعي الّذي عبّروا به عن حياة الشعب التي غاصوا فيها وانغمسوا.

     وقد عدّ الكتّاب الألمان أوّل من طبّق هذا المصطلح على الأدب من بينهم شيلير الّذي وصف الأدباء الفرنسيين بالواقعيين، وشليجل الّذي رأى أنّ هذه الأخيرة لا تتحقق إلاّ في الشّعر، ليلتقطه النقاد الفرنسيون من بينهم جوستاف بلانشGustave Blanch   الذي كانت تعني عنده الوصف الدّقيق للملابس والعادات. ليتحدد مدلولها في منتصف القرن التاسع عشر بعد خصومة نشبت بين النّقاد التّشكيليّين والكاتب القصصي شامفلوري Champflory، الّذي نشر مجموعة من المقالات في مجلّده الموسوم بـ: "الواقعيّة"، إذ اعتبرت كتاباته وكتابات من عاصروه من الإرهاصات التي ساهمت في بلورة هذا المنهج بمبادئه النّقديّة، التي تلحّ على ضرورة تمثيل الأدب للعالم الواقعي تمثيلا دقيقا؛ بدراسته للحياة الاجتماعيّة وعاداتها وتقاليدها، انطلاقا من الملاحظة الدّقيقة والتحليل البعيد عن الذاتيّة. وقد تطوّرت هذه النظريّة النقديّة الواقعيّة على يد كل من بلزاك، ماركس، انجلز وفلوبير الّذي "حاول أن يقاوم الإفراط في العناية بالمضمون الاجتماعيّ للأدب على حساب غيره لا بالغضّ من شأنه، وإنّما بالاهتمام الواعي بالشّكل في نفس الوقت للوصول إلى التوازن الأدبي الضّروري". ليصل صداها إلى نقاد الولايات المتّحد الأمريكيّة على رأسهم هنري جيمس الّذي دعا إلى "دراسة النظام الواقعي الشّهير، موجّها حديثه إلى أحد القصّاصين الشبّان الّذين لم يرهفوا حواسهم بالقدر الكافي لتلقي الواقع"، ليعدّ بذلك من الرواد النظريّة النقدية الأمريكيّة، متأثّرا في ذلك بالواقعيّة الفرنسيّة التي عرفت ازدهارا نتيجة ارتباطها بعاملين: "أوّلها تطوّر جنس القصّة في الأدب الأوروبّي الحديث، والثاني طبيعة التّركيب الفكري والوجداني للشعب الفرنسي". وبما قدّمه عالم الاجتماع والناقد الفرنسي هيبوليت تين، من خلال طرحه لعلاقة الأدب بالحياة الاجتماعيّة، والتي عكس من خلالها دعوته الصريحة إلى محاكاة الواقع، مركّزا في ذلك على ثلاثة عوامل أو مبادئ تنظم العلاقة بينهما والمتمثلة في:

    -     الجنس: وهو جملة الخصائص الفطريّة التي تنفرد بها مجموعة من البشر ذات الأصل الواحد، ويمكن تلمّسها في التركيب العضوي والنّفسي والعاطفي للفرد.

    -      البيئة: الإطار الّذي يحيط بالجنس بما يشتمل عليه من عوامل طبيعيّة، اجتماعية وسياسيّة

    -      العصر: الميول الثّقافيّة العامّة في مرحلة من مراحل التاريخ الأدبي.

      ويظهر ذلك في قوله: "إنّ البيئة والظروف العامة للعادات وروح العصر هي العوامل الّتي تحدّد نوع الأعمال الفنّيّة، فلا يبقى منها إلاّ ما يتوافق مع هذه الظروف". أمّا النّقاد الرّوسيّون فقد اتّخذوها شعارا لهم في تحليلهم ونقدهم، ليرفعوا بذلك من قيمة الواقع الاجتماعيّ الّذي تتجلّى أهمّيّته في ارتباطه به، يقول  الناقد بيلينسكي:" كان ثمّة عباقرة دوما، لكنّهم في الماضي زيّنوا الطّبيعة وجرّدوا الواقع، أي صوّروا ما ليس قائما وتحدّثوا عمّا لم يحدث، أمّا الآن فيجسّدون الحقيقة والواقع في حقيقتهما، لذا اكتسب الأدب معنى هاما في عيون المجتمع". ليربط هو بدوره الأدب بالواقع الاجتماعي داعيا إلى تمثيله تمثيلا صحيحا يعكس به صورة المجتمع الرّوسي وحياته وطبيعته الإنسانيّة، لأنّ " إسقاط حقّ الفنّ في خدمة المصالح الاجتماعيّة، يعني أن تحطّ من قدره وتفقده قوّته الحيّة"، وهذا ما عبر عنه دوبرو ليوبوف بقوله أنّ" عظمة الفنّان أو الأديب تكمن في استطاعته الدّخول إلى عمق الموضوع الواقع والإحاطة به، وتقديم نماذج إنسانيّة حيّة"، وعليه فإنّ مهمّة الأدب والأديب بالنسبة للناقد تكمن في التعبير عن حقيقة الواقع والغوص في أعماقه، بأن يحيط به وبكل جوانبه وفئاته بموضوعيّة، مع تقديم نماذج إنسانيّة حية يمثّل بها هذا الواقع يؤثر بها في المتلقي، وهذا ما أكّده في قوله:" تشعر بعد قراءتك الرواية، أنّه قد أضيف شيء جديد في مجال تفكيرك، وإنّه قد انطبعت عميقا في نفسك صور ونماذج جديدة، وتظلّ هذه النّماذج تلاحقك مدّة طويلة تغريك بالتّفكير فيها، وبفهم أهمّيّتها وعلاقتها بحياتك الخاصّة، بطباعك وميولك". ومن العوامل التي ساعدت على ازدهار الواقعيّة بالإضافة إلى ما سبق ذكره: الثورة على المستعمر والواقع البرجوازي الرّأسمالي الاستبدادي الذي سيطر على الإنسانية، ما دفع  بالكتاب إلى الدعوة إلى النضال بالتمرد عليه، ليستقرئ النقد الواقعي ذلك الفن المستوحى من تجارب مستمدة من معضلات العصر وآفاته الاجتماعيّة من خلال العلاقة التي تربط بينه وبين الواقع، نحو نقد ممنهج من شأنه الكشف عن القيم التي يحملها النص الأدبي نفسية، تاريخية، اجتماعية،  فكريّة.

    2.  الاتّجاه الواقعي في النّقد العربي الحديث:

    عدّ النقد الواقعي في الوطن العربي في النصف الثّاني من القرن العشرين -في أعقاب الحرب العالميّة الثانيّة- من أهم وأغزر وأبرز الحركات النقدية الأوسع انتشارا والأبعد أثرا، لتفاعله مع مختلف الأجناس الأدبية العربية الحديثة خاصة الرواية[13]، لينشأ في الشام على يد طغمة من النقاد الّذين دعوا هم بدورهم إلى تمثيل الفنّ للواقع والمجتمع، أدب يعكس به نزعته الإنسانيّة والظروف الاجتماعية والتاريخية التي أحاطت بهذا المنتوج، بما فيه شخصيّة الأديب والعوامل التي أسهمت في تكوينه نذكر منهم:

    v   رئيف خوري: وهو يعدّ من أهمّ النّقّاد اللبنانيين الواقعيين الّذين عالجوا "العديد من المسائل الأدبيّة والنقديّة الجماليّة من منظور النّقد الواقعي،  فتناول بالنقد جملة من الشعراء العرب والمحدثين مبيّنا القيمة المعرفيّة والاجتماعيّة لأشعارهم، علاوة على القيمة النّضاليّة لها". مركّزا في مجمل نشاطه النقديّ الواقعيّ على الأساليب الفنّيّة من منطلق أنّ أصول الصّنيع الأدبي" مرجعها البراعة في انتقاء اللّفظ لمواضعه، وفي سبك الجمل بحيث تبلّغ المعنى بقوّة ونصاعة، وفي إتقان قواعد الفنون الأدبيّة"، ملتزما بمبادئ الواقعيّة التي تربط الشّكل بالمضمون ربطا عضويّا، فالأدب لا يعدّ أدبا إذا فصلنا بينهما ورجحنا الواحد عن الآخر حسب رأيه. ومن الدراسات التي طبق عليها منهجه الواقعيّ: تحليله لقصيدة أبي تمام التي حاول من خلالها ربط طريقته في التصوير البياني الّذي أكسب قصيدته الغموض والتعمية بقضايا الواقع، إلا أنّه استطاع أن يعكس به الكون والمجتمع من خلال التناقض والصراع لتحتسب له كمزيّة، بحكم أنّه أكسب القصيدة قيمة فنّية من ناحية، ومكّنه من إيصال أفكاره للمتلقي عن طريقها، باعتبارها وسيلة من وسائل التعبير عن رأيه ورؤيته للمجتمع وواقعه بفوارقه الطّبقيّة من ناحية أخرى،" فالأدب أو الفنّ بغير القيم الجماليّة والفنّيّة لا يفقد طابعه المميّز فحسب، بل يفتقد أيضا فاعليّته وتأثيره، لأنّ تلك القيمة الفنّيّة والجماليّة هي الّتي تفتح أمامه العقول والقلوب"، ويظهر ذلك في قوله:" إنّنا لا نجد شاعرا عربيّا كأبي تمام استطاع أن يرى الأكوان بعضها من خلال بعض، أو بعضها مرآة لبعض. وما لم تفهمه في هذا الضّوء فَاتَنا الكثير من سحره وروعة فنّه، فأبو تمام لم يلجأ إلى الطّباق ألهُوَّة يتلهّى به، لكنّه عمد إلى ذريعة بيانيّة جلا بها حقائق هي وقائع لا مفرّ منها على بروز التّناقض فيها..، كذلك لم يلجأ أبو تمام إلى التّشابه والاستعارات والكنايات ألاعيب يكشف بها عن مهارة، لكنّه اخترق بإحساسه وفهمه مظاهر الأكوان". ليساهم بتطبيقاته وآرائه النقدية ترسيخ الأسس النظريّة التي يقوم عليها النّقد الواقعي مدافعا فيها عن الأدب والأديب، معتبرا الأدب رسالة هادفة موجّهة لخدمة الشعب لا سيما الطبقة الكادحة؛ هو أدب النّاس جميعا لا الخاصّة كما ذهب إليه طه حسين، مرتكزا في ذلك على ما خلّفه هذا المنتوج في نفس المتلقي لما يحمله من معايير وقيم ومثل إنسانية نابعة من فكره وواقعه البيئي. فالشاعر حسب رأيه لم ينعزل عن المجتمع بل تجاوب معه في ممارسته الأدبيّة والإبداعيّة، مستعينا في ذلك بأدوات التعبير في تصويره الفني، إذ كانت بالنسبة له السبيل في تجسيد الواقع بتناقضاته وصراعاته التي مست ظروف الحياة والإنسان باعتباره ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، ما جعله يستعين بالمنهج الواقعي في تحليله للمجتمع.

    v   محمد مندور: وهو من النّقّاد الّذين دعوا إلى أن يكون الفنّ للحياة، قصد تحفيز الهمم وإيقاظ الضّمائر الإنسانيّة بالتزامه بقضايا عصره، مؤكّدا على ضرورة أن يكون النقد والأدب قائدان للحياة لا صدى لها. فالنقد الواقعي أو "النقد الأيديولوجي" على حدّ تعبيره يناصر"عدّة قضايا أدبية وفنّيّة كبيرة مثل قضيّة الفنّ للحياة، وقضيّة الالتزام في الأدب والفنّ الهادفين، وقضيّة الواقعيّة في الأدب والفنّ، وتفضيل الأدب أو الفنّ القائد على الأدب أو الفن الصدى، ومن الواضح أنّ كلّ هذه القضايا ترتبط بواقع الحياة المعاصرة ومعاركها".

    3.  وظائف المنهج الواقعي:

    لخّص محمد مندور وظائف المنهج الواقعي في النقد في ثلاث مهام وهي كالتالي:

    -  تفسير الأعمال الأدبيّة والفنّيّة، وتحليلها مساعدة لعامة القراء على فهمها، وإدراك مراميها القريبة والبعيدة، وفي هذه الوظيفة يعتبر النقد عمليّة خلاّقة قد تضيف إلى العمل الأدبي أو الفني قيما جديدة.

    -  تقييم العمل الأدبي والفنّي في مستوياته المختلفة، أي في مضمونه وشكله الفنّيّ، ووسائل العلاج كاللغة في الأدب..، والتلوين..، في التصوير مثلا، وذلك وفقا لأصول كلّ فنّ مع مراعاة تطوّر تلك الأصول عبر القرون.

    -  توجيه الأدباء والفنّانين إلى..، قيم العصر وحاجات البشر ومطالبهم وما ينتظرونه من الأدباء والفنّانين..، دون خنق العبقريات أو حرمانها من الحرّيّة التي لا تصلح الحياة ذاتها بدونها.

    4.  مبادئ الواقعيّة:

    يمكن أن نجمل مبادئ النقد الواقعي انطلاقا مما سبق ذكره فيما يلي:

    -     إنّ الواقعيّة تؤمن بالإنسان على أنّه كائن يميل إلى حياة حرّة سعيدة.

    -     تنادي الواقعيّة بوحدة الشّكل والمضمون والوحدة العضويّة.

    -     الاستعانة بالرموز والأساطير للتعبير عن الواقع دون تضخيم أو تعسّف.

    -     يرتكز على منطق العصر وحاجات البيئة ومطالب الإنسان المعاصر، فالأدب والفن لم يعودا مجرد تسلية أو هروبا من الحياة بل هو تجسيد للواقع؛ لتجربة حيّة معاشة تشغل المجتمع والإنسانيّة.

    -     تسخير الأدب والفنّ للحياة ومعالجة القضايا التي تتعلّق بالمجتمع ومصيره، قصد تطويرهما نحو الأفضل بالتزام الأدباء واستجابتهم لحاجات العصر بشكل عفويّ تلقائيّ؛ باستنهاضهم للهمم و إيقاظهم للضمائر الإنسانيّة. 

    -     عدم اكتفائه بالموضوع المطروق ليتجاوزه إلى المضمون، وما يتضمّنه من أفكار ووجهات نظر، فالموضوع الواحد قد يتناوله أديبان تختلف عندهما وجهة النّظر وطريقة المعالجة والطرح.

    -     غلبة النزعة الإنسانيّة والتفاؤليّة على الأدب الواقعي، فظلام الواقع رغم آلامه لا بدّ أن ينتهي ويشرق المستقبل.

    -     محاكاة الأدباء الواقع بلغتهم التي يعبّروا بها عن أفكارهم وآرائهم وتطلعاتهم، وحتى ثورتهم انطلاقا من تجاربهم التي يعكسوا بها الفكر الجمعي، لتصبح روح العمل الأدبي مرآة وتجسيدا للواقع انطلاقا من المادة التي يستقيها منه.